هل حدثت هذي الأحدوثة حقَّا في تلك الأيّام؟

“عودة إلى كان يا ما كان”

ملاحظة: لا تنطبق الأفكار المطروحة في المقال على جميع حلقات العمل، لكنّ ما نحاول طرحه كان مكرراً في عموم الحلقات.

في عام 1978 عُرض مسلسل كويتي عائلي موجه للأطفال، بعنوان “حبّابة” عن جدة تحكي كل يوم قصة لحفيدتيها، وسرعان ما ننفذ إلى عالم تلك الحكاية وشخصياتها، وأما غرض السرد فالمتعة والتربية والتعليم.

 وفي عام 1986 عُرض مسلسل مصري مُشابه بعنوانحادي بادي” عائلي وموجّه للأطفال. يحكي قصص أُسرة مصرية معاصرة من أربعة أفراد، أب وأم وابن وابنة، تمرّ بهم مشكلات ومواقف، تستدعي من أحدهم سرد حكاية تحمل عبرة وموعظة، للمساعدة على فهم الواقع والتعامل معه. وأما في عام 1990 فعُرض مسلسل مصري آخر بعنواننادي الخالدين”، وهو كما سبق، يسرد فيه راوٍ لطفل وطفلة حكايات شخصيات تاريخيّة ودينية معروفة، وفيه أيضاً دافع السرد حدثٌ في الحاضر يستدعي العودة للماضي لأخذ العبرة.

وأخيراً، عُرض في عام 1992 مُسلسلٌ “كان يا ما كان” المستوحى من جميع ما سبق، بأسلوب وقالب السرد ذاته، مع استعمال المؤثرات البصرية الجديدة. وهو ما ميَّز العمل منذ بداية عرضه، وتطور مع مرور الأجزاء الأربعة التي عُرض آخرها عام 2000.

لا شك أنّ “كان يا ما كان” من أبرز أعمال الإنتاج الخاص في الدراما السورية، وقد ضم منذ بداية عرضه ممثلين جيدين، وحظي بمتابعة سورية وعربية، وأصبح من أوائل برامج الأطفال التي شكلت ذاكرة جيل الثمانينات والتسعينات. لكن إن أردنا رؤيته اليوم وقد شكّل ذاكرة الكثيرين منا، فكيف سنراه؟ هل سنبقى نُحب ونقدِّر المسلسل وصنَّاعه؟ أم سيكون لنا وجهة نظر أخرى، سنتمرد فيها على النوستالجيا التي تراودنا عند التفكير بهذا العمل؟

“هذا أوان الحكاية فـلنستمع للكلام

وفي الحكايـة غاية متعة وانسجام”

تولّى صاحب شركة الإنتاج -شيخاني للإنتاج الفني- (أولى شركات الإنتاج الخاصة في سوريا ومنتج العمل بأجزائه الأربعة) داوود شيخاني، كتابة سيناريو وحوار الجزء الأوَّل (الذي رواه الأديب حسين راجي). ثم أخذ شيخاني على عاتقه مهمة الإعداد إضافة إلى كتابة السيناريو والحوار في الأجزاء اللاحقة. لم تكن حكايات راجي أولاً ثم شيخاني فيما بعد جديدة، لكنها صيغت بتصرُّف في الأجزاء الأولى، أو عُدلت في الأجزاء اللاحقة أو هُجنت تماماً خصوصاً في الجزء الرابع.  ولا نعلم إن كان ذلك شرط العرض التلفزيوني المحكوم بمدة محددة أو شرط الإنتاج الذي بدأ بسيطاً ثم تطوَّر أو ببساطة لرغبة الصُّناع وأغراضهم ورؤاهم الشخصية. وبالطبع يلعب الإنتاج دوراً كبيراً، فقد تفاوتت مدة العرض بين الأجزاء الأربعة. فبدأ الجزء الأول بمشكلة بسيطة تستدعي حكاية لتحلّها  في الحلقة نفسها. ومع تتالي الأجزاء تطول مدة الحكاية الواحدة، حتى وصل بعضها في الجزئين الثالث والرابع إلى أربعة وخمسة أجزاء. لكن من جهة أخرى، لم يُشر صُنّاع العمل (والكاتب المُعد)  إلى أصول حكاياتهم، ولم ينوِّهوا إذا ما كانت مُستمدة من التراث الشعبي الإقليمي والعالمي، أو حتى بعض إنتاجات هوليوود كشركة ديزني. كما أنه لم يُشر إلى استلهام ما من تراث “المقامات” أو من حكايات “ألف ليلة وليلة”، وهذا يميل بنا لفكرة رغبة صُنَّاع العمل رؤية شخصية ما بالتراث والحكايات والقيم الأخلاقيّة. 

ستعمل هذه المقالة على تفكيك العمل ومقولته الفنية والفكرية، من خلال التفكير بتقنيات السرد المتبعة، ونوعية الحكايات، والشخصيات، واستعراض البعد المادي للعمل وأثره على المجتمع.

“ونشوة في البداية .. وعبرة في الختام

ورحلة في الزمان .. ورحلة في المكان”

السرد وبنيته

اعتمد العمل في الأجزاء الثلاثة الأولى بنية سردية معروفة تقوم على عرض حكاية داخل حكاية، وفق مستويين، فيبدأ المستوى الأوَّل بتمهيد يتمثّل بعرض مشكلة يعاني منها أحد أفراد العائلة المُعاصرة، تستدعي رواية تُمثل المتن نعود فيها للزمن الماضي وهناك يكون حل المشكلة. بعدها نعود للحاضر حيث التأكيد على فهم الحل ونهاية الحلقة. يعد هذا الأسلوب تقليدياً ومستعملاً عموماً في حكايات ألف ليلة وليلة، ويستوجب حتماً وجود راوٍ للربط بين زمنين وهما في الأجزاء الثلاثة الجدّة / ثم الجدّ.  أما المستوى الثاني فحكاية الماضي هي متن حكاية الحاضر. تتألَّف من تمهيد للشخصية الرئيسية ومكانتها، ثم مشكلة تعاني منها ويتوجب حلها، تتصاعد الأحداث بعد ذلك وصولاً إلى نهاية سعيدة، ينتصر فيها الخير المتمثِّل بالبطل ومن حوله وفي حالات نادرة البطلة ويخسر الشر المتمثل بالخصم وغالباً الخصمة، وأما النهاية ففي معظم الحكايات، هي عبرة وموعظة مترافقة مع عاقبة تطال غالباً (الخصم/الخصمة) وفي حالات قليلة أخرى الأبطال مثل بطل حكاية السلحفاة العجيبة في الجزء الأوَّل. 

“من البحـار العميقة .. إلى أعالي الجبال

نغوص خلف الحقيقة .. نجري وراء الخيال”

شخصيَّات العمل:

قبيل الحديث عن شخصيات العائلة؛ المصدر الأوَّل للحكاية. سنبدأ بالحديث عن شخصيات الحكايات وخصوصاً الأبطال والخصوم كما سنعرِّج على الشخصيات النسائية سريعاً، وشخصيّة الحاكم. عموماً، شُكّل الأبطال على نحو تقليدي ونمطي، وحملوا صفات وقيم أخلاقيّة مُطلقة. الأمر سواء بالنسبة إلى الخصوم والخصمات. 

“هل حدثت هذي الأحدوثة

حقاً في تلك الأيام ؟

والشخصيات المكتوبة هل

عاشت أم كانت أوهام؟”

البطل:

كان البطل ذكراً -في معظم حلقات المسلسل بأجزائه الأربعة- يصل إلى غايته نهاية كل حلقة، سواء كانت الغاية اكتساب خُلق جديد، أو الحصول على غرض أو منصب ما وغالباً ما تكون الهدية زوجة جميلة. فإن كان خصم البطل كائناً (آخر) وليس صفةً شخصيّة من صفاته، يكون البطل بالمُطلق ذكيّاً، وحكيماً، ولطيفاً وشجاعاً ومقداماً. أما الطبقات الاجتماعية فمنهم من امتهن مهناً بسيطة مثل الحطَّاب والحائك والصيَّاد، والتاجر والصانع (خصوصاً في الجزء الأوَّل). ومنهم من له رُتبة اجتماعية أعلى مثل الشاه بندر والفارس والأمير وولي العهد وغير ذلك. وتبرز  الشخصيات الأخيرة بصورة أكبر، ابتداءً من الجزء الثاني. وقد لوحظ استعمال أسماء وصفات أعجمية وفارسية ويونانية سواء المهن مثل الشاه بندر أو أسماء الشخصيات، فهل كان ذلك للدلالة أنها مهمة ورفيعة وتعود جذورها لحكايا ألف ليلة وليلة أو الأساطير اليونانية؟

وبالحديث عن الأساطير اليونانية، لاحظنا استحضار ومزج أبطال من حكايا قديمة وزجها في حلقات المسلسل، خصوصاً في الجزئين الثالث والرابع. فهناك استلهام من شخصيات وحكايات من الميثولوجيا اليونانيّة، لكن بتصرف وقص ولصق.

“الراوي قد يلبس عصراً أثوابا من عصر آخر

قد يدعو زيدا عمرا ويعيد الخير بنا عشرة”

البطل عربي وإن كان يلبس تاجاً:

تبدو حلقات الجزء الأوَّل، أكثر انسجاماً بالمقارنة مع الأجزاء اللاحقة من حيث مباشرة الأفكار، وشكل المضمون، طبيعة المناظر (الديكورات) والأكسسوارات وإسهامها في الإشارة إلى أماكن الحكايات. فتبدو جميعها في قارة آسيا، وكذلك يبدو الأبطال. وتشير العناصر نفسها في حلقات الأجزاء اللاحقة إلى “تغريب” الحكايات من الأماكن والأحداث والحكايات والشخصيات وأسماء الشخصيات في الحلقة الواحدة. ويظهر ملوك عجم وروم وإغريق، ويلاحظ “التغريب” بمتابعة عناصر السرد البصري (الملابس والمناظر والديكورات)، ووجود بعض الشخصيات وأحياناً بعض الحكايات الغربيّة. فنصبح أمام حكايات ذات وحي غربي بالكامل لكن شخصياتها تنطق بلسان عربي، ويغلب على سلوكها ومفرداتها في كثير من الأحيان طابع إسلامي. ففي حلقة وحش البحيرة على سبيل المثال (أُخذت فكرة  مُقدمتها كاملة (الحكاية المعاصرة) من فيلم 1990 Home alone، من دون الإشارة للمصدر)

يظهر بطل الحكاية القديمة عربي مُسلم، لكن بشَعر مستعار أشقر،  ويرتدي رداءً (يبدو) رومانيًا وكذا والدته وخطيبته وأم خطيبته.

يلتقي هذا البطل ‘المسلم الرومي’ بشيخ ‘عشيرته’ الذي منحه تنفيذ مهمة قتل وحش البحيرة خاطف النساء. وشيخ العشيرة المسلم العربي، حكيم يرتدي تاجاً من غار ويلبس رداءً إغريقياً أو رومانياً.

تستمر الغرائبية، بعد لقاء البطل بتصور جديد لشيخ العشيرة، في بقعة في الغابة، تغلفها البُسط والسجاد التقليدي والبخور. سيعطي الشيخ البطل الحطَّاب بساط الريح ليساعده في تنفيذ مهمته. 

لا يقتصر الأمر على السرد البصري، فالحكاية فعلاً مستوحاة إما من هرقل ومهماته أو من حكاية برسيوس قاتل ميدوسا. الأمرُ سيّان في حكايات أخرى يُستبدل فيها الوالي أو الحاكم بالملك، والعمامة بتاج وشعر مُستعار أشقر غالباً، وتتغيَّر وتتبدَّل الملابس، وتبقى الشخصيات تنطق بالعربية، تنطق الشهادتين، تتحرَّك بعون الله، وتتعوذَ من الشيطان وتؤمن بالقضاء والقدر.

في حكاية قصر المرايا في الجزء الثاني، يقف البطل حسن، ربما كناية عن الشاطر حسن عند شاطئ البحر يردد ما طُلب منه؛ فينادي “بوسيدون يا ملك البحار السبعة” بعد رمي قطعة في الماء والبسملة ليرشده بوسيدون إلى ما يجب فعله. والمعلوم تاريخياً أن الحضارة اليونانية القديمة وآلهتها كانت انتهت قبل قرون من ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. وهنا نسأل لمَ استُحضرت فكرة وجود أساطير يونانية في سياق حكاية بطل مسلم الطباع وعربي اللسان؟ وهل كانت هناك ضرورة للإصرار على أسلمة البطل وإن أدى ذلك إلى إحداث إرباك وخلل في الحكاية؟

يكثر الأبطال في المسلسل، ولكنَّهم يتشابهون بخصالهم وأفعالهم ونوع جوائزهم نهاية الحكاية (العروس).

مستمعي فكر .. وتصوَّر

وتمتع حينا .. وتنور”

الحاكم:

برزت شخصيّة الحاكم في معظم الحكايات، وعلى الرغم من ظهوره بطلاً في بعض الحكايات مثل “البلبل الطروب” و”العدل أساس المُلك”. لكنَّه ظهر كشخصية ثانوية أصيلة وأساسيّة، فالحكاية إما في قصر الحاكم أو الوالي أو الملك مثل “سر الفرعون”  و”شيترا” و”التوأم والمارد” و”قلب من حجر” و “البئر المرصودة” أو  يكون الحاكم هو المصدر الأول للحكاية مثل “قصر المرايا” و”بيوت الأصدقاء“. أو يكون مآل الحكاية فينتهي البطل إلى بلاط الملك أو الحاكم أو الوالي الذي سيكافئه غالباً بتزويجه ابنته، سواء أكان فارساً أم أميراً أم شخص عادي، كما في حكايا “طعم الملح” و “النصيب“.

وفي جميع تلك الحكايات وغيرها، يُلاحظ ثبات شخصية الحاكم، بمعنى أنه طيب ولكن غالباً ما تكون المشكلة في حاشيته.

أبوة الحاكم وأبوية المسلسل

غالباُ ما يكون الحاكم أباً، فهو الحاكم الأب أو الأب الحاكم، الطيِّب بالضرورة مهما تغيَّر سياق الحكاية. ومن المعروف إن وجود الحكام والملوك في حكايات كليلة ودمنة وحتى ألف ليلة وليلة يُرجئ إلى أنها صُنعت لتأديب الملوك، لكن ظهور هذه الشخصية وعملها الأساسي في المسلسل يُطفي حالة أبويّة على المسلسل. وتبدأ هذه الحالة من خيار صُنَّاع المسلسل بعدم الإشارة إلى مصادر السرد والتصرف بالتراث والحكايا على هوى الكاتب، كما يتضح في شكل العائلة في المسلسل، وفي الخيارات الإخراجية حيث يستبدل الجد الجدة. وصولاً لمضمون حكايات الماضي وأهمية وجود الحاكم والأب فيها. ما يؤكد على قيمة الأبوّة وأهميّة الطاعة في هذا العمل. وإن لم تبرز تلك القيمة بوضوح، لكنَّها تتخفى في كثير من المواضع وفي ثنايا مزيج من القيم التي عرضها المسلسل، كما أنها  تُستدعى في نهاية كل حلقة، مع تأكيد الطفلين على الفهم وصحة الرسالة التي يحاول الكبار إيصالها لهم، لتهذيبهم وتربيتهم، وإن قرروا في حلقات أخرى العودة للمشاكسة والشغب، وفي ذلك رفض لكل ما عُرض عليهم.

الخصوم

برز في المسلسل بأجزائه الأربعة، نوعان من الخصوم الذكور، وهم الساحر مثل حلقة “البئر المرصودة” أو “زورداك” أو “ساموس وريموس” أو “عين كراوسوس“، أو حاشية الحاكم أو من يمثل أعلى سلطة، مثل “البئر المرصودة” أو “المارد والتوأم” أو “البلبل الطروب”. أو الشيطان الذي يوسوس للبطل كما في حكايا “الحظ النائم” و”الوصية“. يكون الشيطان ظاهراً أو يكون باطناً، حيث تكون صفات البطل هي الخصم الحقيقي، كما في “عروس البحر” فالبطل صياد طمَّاع، وفي “السلحفاة العجيبة” البطل عجول، ونلحظ وجود البطل الخصم في الجزئين الأوَّل والثاني، وبدرجة أقل في الجزئين الثالث والرابع. وفي كل الأحوال، لا يورد المسلسل سياقات ودوافع الخصوم فلا نعلم أسباب وغايات الشرير، لكن نعرف أنه شرير وغالباً ما يلقى عاقبة فعله، وتكون العاقبة هي الموت.

“وإذا كنت ذكي{ة} الفطرة.. ابحثِ{ي} في الحال عن العبـرة”

خصمات وبطلاتٌ وشخصية المرأة في المسلسل:

أول ما يُلاحظ عند محاولة تفكيك المسلسل وحكاياته وشخصياته هو كيف قدَّم الشخصيّات النسائية، سواء الثانوية أو البطلات. وأوَّل ما يتبادر السؤال إلى الذهن عند مشاهدة الحلقات؛ هل حملت معظم الحكايا الشعبية التي استقى منها كان يا مكان واستلهم وقص ولصق، وجهة النظر نفسها بالنساء؟ هل كان هذا شكل النساء في مُجمل حكايات الموروث الشعبي؟ وهل ستشعر فتيات ونساء غيري كما شعرت بالغضب والإرباك معظم الوقت عند مشاهدة المسلسل من جديد؟

لم يقدم المسلسل أية وجهة نظر جديدة متعلقة بالنساء، بل كرَّس صوراً نمطية من الأعمال الدراميّة اللاحقة التي نسجها كُتّاب ذكور. رأينا المرأة كجائزة للبطل، والزواج بمثابة غاية عليا للنساء، وبغض المرأة المُطلَّقة، وعدم قدرة النساء تقرير مصيرهنَّ بل ومساوئ تلك الفكرة، وارتباط نجاح المرأة بالرجل والعكس غير صحيح، فالمرأة سيئة الطباع (دون أن نعرف أسباب طباعها) تصبح عائقاً لنجاح البطل وتحقيق هدفه. أما المرأة المُطيعة حسنة الطباع، فستسهم في تحقيق البطل هدفه وتلك هي الزوجة الصالحة. وفي حين برزت شخصيات نسائية ثانوية سلبيّة في الجزء الأوَّل من العمل، وأخرى ثانوية نمطية شكلية في الجزء الثاني، لاحظنا شخصيات أكثر إيجابية ولو شكليّاً مثل تصوير المرأة كرمز للعدالة في حلقة “العدالة النائمة” لكنَّه شكلي يُشبه تمثال الحُرية الأمريكي – الفرنسي. (تكون العدالة نائمة، ويحييها رجل ويصلح المُلك والمملكة.)

وهناك أدوار ثانويّة ركزت على دهاء المرأة، مثل الساحرة في بعض الحلقات والابنة الذكية في حلقة “رفيق الطريق”، والأخت في حلقة “قوة تيموس وأما في حلقة “زليخة وفركوش” فعلى الرغم من ذكاء الماردة إلا أنها سعيدة بكونها حبيسة قمقم.

فأين البطلات من كان يا ما كان؟

ندر وجود بطلات نساء بالمعنى الدرامي (يخضعن لأحداث تؤدي لتغيرهن وتغيِّر مصائرهن)، كما ندر وجود بطلة حملت معاني ووجهات نظر جديدة، خارج السياق النمطي المُكرَِس لمبادئ طاعة الأب أو الزوج واحترام سلطتهما.  وفي حين وجدت حكايات تحدثت عن أبطال ذكور بلا داعٍ لوجود بطلات إلى جوارهنَّ، لم نجد بطلة من دون بطل يتقاسم البطولة معها.

وإنّ وجود شخصيات نسائية في المسلسل، لا يعني بالضرورة وجود أهمية دراميّة لتلك الشخصيات، وإن كانت هنالك شخصيّات ساهمت في تحريك أحداث المسلسل “الدراما”، فلم يعنِ ذلك بطولتها. وفق ذلك، لم نرَ بطلات نساء في الجزء الأوَّل من المسلسل. لكن، تغيَّر ذلك في الجزء الثاني. إذ ظهرت البطولة النسائية في حلقتين، الأولى بعنوان “شجرة الفصول الأربعة” والثانية بعنوان “مملكة الجليد” ففي الحكاية الأولى الموجهة لطفلة العائلة لتحفيزها على الاعتناء بذكور المنزل، يعطينا المسلسل قصة فتاة يحتجزها مارد في طريقها لإنقاذ أمها في شجرة الفصول الأربعة،

ويأبى إطلاق سراحها حتى تطبخ له. فتفشل. يتحوَّل المارد الذكر بعدها لكائن طيِّب مع أنه الخاطف، تتعلم البطلة من خطأها وتحيك قطعة صوف تقدمها للشجرة ويكون في ذلك خلاصها وخلاص أمها.  أما في الحكاية الثانية الموجهة للأم في العائلة المعاصرة، بعد غيرتها على زوجها من جارتها المُطلَّقة، تؤكد الحلقة على وفاء الزوج وبأنه لطيف والمرأة لئيمة. وتنعكس تلك الرؤية في الحكاية التي تتحدَّث عن ساحرة لئيمة (الجارة) تخطف فيها رجلاً لطيفاً يُحب زوجته (الزوج). تهدد الساحرة الفاجرة الزوج بقتل زوجته إن لم يتزوجها ويذهب معها إلى مملكتها. يوافق البطل اللطيف خوفاً على زوجته. وفي المملكة، تطلب الساحرة من الزوج أن يحبَّها، فيرفض مراراً، لذا تبدأ الساحرة بتعذيبه. في الأثناء تنطلق الزوجة المُتفهمة في رحلة للبحث عن زوجها المخطوف، وتلتقي في الطريق بحكيم “ذكر” يمدُّها بالعون. فتُنقذ زوجها، وتموت الساحرة في النهاية.

أما في الجزء الثالث نلحظ وجود شخصية نسائية متمردة وتكون بطلة وليست خصمة، فهناك الفارسة  في “شيترا”، والرافضة للخطاب في “الأميرة المغرورة”، وفي ذلك تطوير طفيف في صفات شخصية البطلة بالمقارنة مع الجزء الأسبق. لكن مع ذلك تبقى رغبة البطلات بالزواج غاية عُظمى، مع عدم نسيان بطولة الرجل إلى جانب البطلة الأنثى.

العالم يتغيَّر وكان يا مكان ثابت أو يستورد

نُشرت حكاية شيترا أول مرة باللغة الإنكليزية عام 1912. ويعتقد ظهور حكاية الأميرة المتكبرة في مجموعة الأخوين غريم عام1815  وقد استعاد المسلسل هذه الحكايات، للاستفادة من العبرة الأخلاقية وتضمينها في الحياة المعاصرة للنساء السوريات عام 1999. وعلى هذا المنوال، استمر ظهور البطلات النساء في مواضع قليلة في الجزء الرابع، واستمر معه وصول رسائل متضاربة، بين قديم وحديث فيما يخص النساء. ومع إحراز تقدم طفيف شهدته البطلة على مستوى الشجاعة والذكاء، يعيدنا المسلسل لنقطة الصفر مع استحضار النسخة السورية من “بياض الثلج” التي تأثر المسلسل بها، وخصوصاً نسخة ديزني.  ومع أن أميرات ديزني اتسمن بالعجز والحاجة إلى مُخلِّص منذ بداية إنتاج أفلام الأميرات، لكن ذلك تغير في نهاية الخمسينيات، فتشكل عهد جديد من الأميرات[1] القادرات على تقرير مصيرهن بأنفسهن، وأول فيلم صور ذلك هو “حورية البحر الصغيرة” بشعرها الأحمر، ثم بيلا بطلة الجميلة والوحش وبعدها مولان المقاتلة الآسيوية. وفي الوقت الذي كانت صورة الأميرة البطلة تتغير في العالم، قرر صُناع عمل كان يا مكان، إعادة استحضار قصة “بياض الثلج” والبطلة الشقراء المغلوب على أمرها رغم التحولات والانتقادات التي كانت طالت ذلك العمل فيما مضى.  لكنّ المفاجأة هي التغيير السريع، فنرى بعد حكاية بياض الثلج، حكاية أخرى مستوردة أيضاً تكون البطلة فيها قادرة على تقرير مصيرها. ففي حكاية “سجين البرج“. استوحى العمل بعض أجزائها من حكاية بياض الثلج لكن الجزء الأكبر مستوحى من قصة ساندريلا، المستلهم أيضاً من الأنيمي ساندريلا عُرض عام 1992 وفيلم Ever After a cinderella story الذي عُرض عام 1992 أي قبل عامين على عرض مسلسلنا. 

لكننا نجد ما يفوق الاستلهام أحياناً، فهناك نسخ كامل لمشهد محاولة ساندريلا فك أسر أحد الخدم، من دون أي إشارة للمصدر. في تناقض واضح بين غايات المسلسل التربوية وخداعه للجمهور وعدم الصدق في مصادره[2].

الخصمات:

ظهرت المرأة كخصم كثيراً في العمل وارتبطت الخصمات بصفات سلبيّة، حال بقية الخصوم من الساحر إلى الشيطان. وكانت الخصمة في معظم الحلقات ساحرة لديها قوى خارقة تغوي الرجال، وتخطف الأزواج وتعذب النساء الطيبات المطيعات وتساعد الشياطين والسحرة الآخرين أحياناً. وغالباً ما ينتهي بها الأمر نهاية وخيمة.

الموعظة:  العاقبة وأهميتها

وجدنا أن غرض المسلسل الأساسي تكريس أنماط اجتماعية، والتعريف بالأخلاق الحميدة والحداثة وفق رؤيا صُنَّاع العمل. فكما ظهرت عبر مفيدة، مثل أهمية مساعدة الآخرين، والصدق، والكرم والاجتهاد والشجاعة. ظهرت عِبَر أخرى غير مفهومة، ومُقحمة أحياناً. كما ظهرت العاقبة كرادع لتكريس الخوف من خلال مصير الأشرار الذين لا يستمعون للحكاية ويعتبرون منها. مصير من لا يطيعون الأب والأم والجد والجدة.

نرى في عدد من حلقات الجزء الأول عواقب غير عنيفة. فمثلاً تنتهي أولى حلقات المسلسل بتحول الجار الطمّاع إلى طفل رضيع، ستربيه الجارة التي لم تنجب أطفالاً وتعلِّمه أن يكون إنساناً ذو خصال جيدة. وفي حلقة “سور الصين العظيم” تحكي جدة الطفلين أن أمير الصين قُتل على يد العدو من دون أن نرى ذلك.

يزداد عنف العواقب مع الجزئين الثاني والثالث، وهنا لا نستطيع الجزم بأن هذا التراوح متعلق بتغير شكل السرد، والابتعاد عن الحالة الشعبية والتراثية، أو لتعزيز العبرة كما أسلفنا، أو الاستفادة من خصائص تقنية جديدة؛ فمثلاً نرى في ثاني حلقات الجزء الثاني الخصم يتعذَّب، ثم يختفي. وفي حلقة “مملكة الجليد”، تتجمد الملكة الخصمة كتمثال يتحطم معلناً موتها. وفي حلقة “قلب من حجر” تنفجر الخصمة نهاية الحكاية. وفي حلقة “وحش البحيرة” يطعن البطل الوحش وبذلك ينتصر عليها. فيما تحمل معظم حلقات الجزء الرابع والأخير طابع العاقبة العنيفة، وربما يعود ذلك لأصل وشكل الحكايات. لكن هل نفعت أطفال المسلسل على الأقل؟

الحكاية الأساسية: العائلة المعاصرة والرسائل الاجتماعيّة

تبدأ الحكاية في بيت سوري عائلي، ففي الجزء الأول تتكون العائلة من أب وأم وطفلة وطفل وجدة أما في الجزء الثاني، فالجدة تصبح جدّاً. وفي الجزء الثالث نجد ثلاثة أطفال وجدّ. في حين تختفي العائلة، أو يختفي الحاضر كلياً ولا نرى عائلة أو مقدمة في الجزء الرابع والأخير.

يمثل الأب في الجزء الأوَّل السلطة المُطلقة في المنزل، بصفته رب الأسرة والمعيل المسؤول عن تهيئة ظروف الراحة لعائلته المحافظة. وقلّما يُخطئ. أما في الجزء الثاني تنخفض سُلطة الأب بعد بروز سلطة الجدّ. أما الأم، فهي ربَّة منزل في الجزأين، أكثر قابلية للخطأ من الأب، لطيفة ومتفانية ومُحبّة وتحاول أن تحسن تربية أطفالها بالصوت العالي والتأنيب. وتمتاز علاقة الزوجين عموماً بالحب والاحترام والتفاهم ويلعب كل منهما دوره الاجتماعي على أكمل وجه. وعلى صعيد الأبناء، فقد حرص صنّاع العمل على اختيار طفلة شقراء، على اختلاف الأجزاء. وحرصوا كذلك على تقديمها بقالب نمطي؛ مُطيعة ومُهذبة ومجتهدة، وإن بدرت منها بعض الهفوات كالرغبة بوضع المكياج، والاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر، وعدم القدرة على الطبخ أو الاعتناء بالمنزل، لكنها تبقى أكثر هدوءاً من أخيها. أما الولد فتتجه رسائل الجزأين لضبطه وتأنيبه وتعليمه وقولبته، وقد صُوّر مشاكساً ومشاغباً، وصعب المراس، ومبادراً لإحداث المشاكل. يبقى على إثارة المشاكل في الجزء الثالث، لكن على نحو أقل حيث سيظهر طفل ثالث دون إضافة تذكر.

تستدعي شخصية الولد السؤال عن الفائدة من الحكاية، فمع أن الحكايا منفصلة والأسرة هي الرابط بين الحكايات والمستفيد المباشر منها، لكن لا يلاحظ ذلك، فلا تتراكم المعرفة ولا يستفيد الأبناء مما تعلموا، وهم غالباً يكررون أخطاءهم التي يحاول الأهل ضبطها من خلال الحكايات. وهو ما يدفعنا للقول بأن هذه الأسرة غير مؤسَسة درامياً على نحو متين، وأنها ليست أكثر من عنصر شكلي يمثل بوابة العبور إلى الحكايات، فأحياناً تبدو حكاية الماضي مُقحمة، أو لا تتناسب مع المشكلة التي تواجهها العائلة أو أحد الأفراد.

جدة ثم جد ثم لا أحد

لا بد من الحديث أخيراً عن العنصر الأهم في المسلسل، الجسر الرابط بين الماضي والحاضر، الراوية والراوي، والتي تكون في الجزء الأوًَل جدّة مُحبة تستعمل الحكاية كأداة للتربية والتأديب والتهذيب من دون حاجة للصراخ أو العنف. تمثل الجدّة الحكمة واللطف والتروي في معالجة المشكلات (دون أن يستفيد حفيدها فهو يكرر الأخطاء نفسها). لكنها في الوقت نفسه بجسد ضعيف وهزيل. حكاياتها موجهة لحفيديها، تحكي في غرفتها الخاصَّة. ويبدو وجودها عضوياً كراوية، كما تعودنا في تراثنا الثقافي.  لكننا لا ندري سبب تغيير الراوي إلى جد في الجزئين الثاني والثالث. وعلى عكس الجدّة، يبقى الجدّ الحكيم نشيطاً. يعمل تاجراً في الخارج ويساهم في إدارة شؤون المنزل، ويمثِّل السلطة الأساسيَّة في البيت. يحكي الجد في غرفة الجلوس، وحكاياته موجهة للأطفال وللأب والأم أيضاً.

وبينما تربط الراوية والراوي الأحفاد بالحكاية، يربطان المشاهدين بالحكايات، فمدخل الحكاية بالنسبة إلى الأحفاد والمشاهدين على حد سواء هو الجدة والجد، وهو أسلوب مُحبب. لكن صُنَّاع العمل اختاروا في الجزء الرابع تغيير بُنية السرد. فلا حكاية في الحاضر ولا عائلة ولا راوٍ، ولا حواجز بين المشاهد وصانع العمل الذي تولى صياغة مضمون في مُجمله مستلهم من خلطة حكايات وأسماء غريبة. وربما كانت تلك من التفاصيل التي أدت إلى عدم انتشار الجزء الرابع والأخير من المسلسل.

ماذا أضافت السلسلة؟

لم يحظ الموسم الأخير باهتمام كافٍ كما كان للأجزاء الثلاثة الأولى وفق حديث صحفي مع المُخرج أيمن شيخاني، (ابن المعد والكاتب والمنتج) الذي تحوَّل من منتج منفذ في الجزء الأوّل للمسلسل، الذي أخرجه بسَّام الملا، إلى مخرج للعمل في الأجزاء الثلاثة اللاحقة. ووضَّح شيخاني، في الحديث نفسه، عرض العمل على محطات أوروبية، بعد حصوله على الترتيب الثاني على مستوى العالم في مدينة ميونخ الألمانية، وهي معلومات لم نستطع التأكد من صحتها لعدم توافر مصادر تشير إلى ذلك. وأكمل بالقول “إن مسلسل كان يا ما كان من كلاسيكيات الدراما السورية وذو بصمة واضحة في تاريخ جيله” مضيفاً أنه هُمِّش وتوقف إنتاجه.

مع ذلك، وبعد نحو 16 عاماً على عرض آخر أجزاء المسلسل، حضر كان يا ما كان في افتتاح معرض دمشق الدولي في العاصمة دمشق هذا العام،حيث عُزفت مقدمة العمل للاحتفاء به وإعادة إحيائه. ولكن هل فكَّر القائمون قبيل اختيار إعادة إحياء المسلسل؟ هل شاهدوه ووافقوا على كل ما ورد فيه وكان استحضاره دعوة للعودة إلى كل تلك القيم؟ وأبرزها الطاعة وتعزيز الأدوار الاجتماعية النمطية؟ أم كان خياراً عبثياً متسرعاً من دون دراية وتحليل مُسبق.


[1] Alghamdi, M., & Alzhrani, A. (2023). Evolution of Disney Princesses and Its Impacts on Gender Roles and the Portrayal of Love Among Young Girls. SHS Web of Conferences, 180, 03006. https://doi.org/10.1051/shsconf/202318003006

[2] موضوع عدم الإشارة للمصدر سواء ما يتعلق بالمحتوى أو حتى الأزياء مثل نسخ شخصيّة جعفر في حكاية علاء الدين مقابل الشرير في البئر المرصودة، إشكالي لعدة أسباب، منها أن غاية المسلسل تعزيز الأفكار الحميدة، والصدق وفي ذلك لم يكن صُناع الفيلم صادقين، هم نسخوا من الفيلم المشهد مع الحوار، إضافة لحركة الممثلين. وثانياً، فإنه لمن المحزن أن الفكرة التقدمية الوحيدة التي استطاعوا طرحها، والتي تعد بذاتها تمرداً على ما هو قديم، قادمة مباشرة من الغرب، وكأن المخيال الشعبي أو حكايا المنطقة قاصرة عن تقديم مثال محلي فيه بطلة امرأة متمردة.