في غرفة صغيرة أمام عالم التلفاز الكبير

لحظات كثيرة تمرُ، لحظات تبدو عابرة، لكنها ترسخ هناك، عميقًا في مكانٍ ما في داخلك، تبني ما ستصير عليه لاحقًا، تظهر من حيث لا تدري عندما تبتعد عن نفسك لترجعك لذاتك التي بنتها.
فتحت هذه اللحظات أبوابً كثيرة داخلي إلاّ أن أول باب أتذكرهٌ في حياتي كان في غرفة ضيقة، أمام تلفاز أسود صغير كنت طفلة تحاول أن تفهم العالم، وحيدة،أو على الأقل تفهم لماذا يبدو الألم أكبر من قدرتها على احتماله.

يقول كارل يونغ إن الذكرى الأولى ليست مجرد صورة محفوظة في الذاكرة إنها النواة التي يعيد الإنسان تدويرها طوال حياته، نعود إليها في لولب، لا في خط مستقيم نواجهها بوعي أعلى، لكننا نواجهها دائماً.
كانت الذكرى الأولى لي: غرفة صغيرة أمام تلفازنا الأسود الصغير في البيت الذي انتقلنا إليه حديثاً في حي المزة. وكان ذلك اليوم أحد الأيام التي سأرافق فيها أبي إلى عمله، بعد انتهاء حلقة عهد الأصدقاء في الخامسة مساء، في ذاك العصر المشمس اللطيف، مات الفريدو.
أصيب بالسل، ومات مرة واحدة.
لم يكن العالم قد علمني بعد كيف يتنفس المرء أمام موت مفاجئ، ومع موته، انهار عالمي الصغير..
رافقت أبي إلى عمله في ذلك اليوم، وعيناي لا تزالان دامعتين لم يتحدث أحد معي عن هذا الموت، وتعلمت، بطريقة ما، في ذلك اليوم، معنى أن يكون العالم أصغر من أن يشرحه أحد

بعد عشرين عاماً، أعود إلى تلك اللحظة، أرى الطفلة التي كنتها، والدائرة المتكررة من الفقد التي اضطررت لمواجهتها طوال حياتي.
ذاكرتي عن طفولتي لم تحوِ حروباً ولا صراعات ولا تفككات عائلية كنت أحصل على نصيبي من المعاناة من قصص الكرتون وحدها. لكن فترة السلم لم تدم طويلاً كان عمري ثلاثة عشر عاماً يوم اندلاع الثورة، تلتها كل تلك السنوات من الموت والحرب والدمار، كان عمري تماماً مثل عمر الفريدو عند موته

ومنذ ذلك اليوم، دخلت في سلسلة فقد لا تنتهي، كل موت يعيدني إلى موت سابق ، كل خوف يجرّ خلفه خوفاً أكبر، الفقد كان يحيط بي، الخوف من الفقد أغرقني، غلف المدينة، غلفني.

لم يكن الفقد يغلفني وحدي، شكل ستارًا يلف المدينة، يثقل الكلّ، تتنفسه، تشمه، تعيشه، تتعامل معه، في كل العيون هنالك فقد أو هاربٌ من فقد، جمع الفقد قلوبنا وغاب عن لغتنا وأحاديثنا.

الدماغ يتعلم النجاة، يتعلم أن يهرب قبل أن يصل إلى النقطة التي يعرف أنها ستؤذيه، يهرب كي لا ينهار.
في العام الماضي هاجمني الموت دفعة واحدة، ولكي أنقذ نفسي، تجمّدت وتوقفت مشاعري، وأصبحت أخبار الموت عندي كأنها فقد أبدي.،كأنني أعيش النسخة نفسها من الألم في دائرة لانهائية من الألم

اليوم أفهم أن تلك اللحظة أمام التلفاز لم تكن مجرد ذكرى عابرة، كانت الشرارة الأولى التي كشفت لي شكل اللولب الذي سأدور فيه لاحقاً:
الفقد، ثم الفقد، ثم محاولة النجاة من الفقد.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أدرك أن النجاة ليست في كسر اللولب، بل في القدرة على النظر إليه دون أن أفقد نفسي داخله.

الهرب.

