أوسكار: مصيرُ الورود

حكايةٌ عن الحبِّ والثورة. حكاياتٌ كثيرةٌ كذلك.
 حكايةٌ عن التضحية وحدود العنف، المبادئ والسلطة، الشعب والانتقام، الالتزام والصراعات الطبقية، التسويات والمؤامرات، وبالأخص حكايةٌ حول الجندر وبحثٌ حول المرأة. هذه أنشودةُ «وردة فيرساي»، مسلسلُ الأنيمي الذي أُنتج عام 1979، ليكون أحد كلاسيكيات نوع الشوجو الموجَّه إلى اليافعات، وأهمّ الأعمال المقتبسة عن المانغا الأصلية.

ابتكرت الرسامةريوكو إيكيدو شخصيةَ ليدي أوسكار الخيالية عام 1972 في مانغا ملحمي، مستندةً إلى أحداثٍ واقعيةٍ وخياليةٍ تدور في قصر فيرساي، خلال ثلاثين عامًا تُشرف على انفجار «الثورة الفرنسية» عام 1789. تم اقتباس المانغا أيضًا إلى فيلمٍ صدر قبل شهرٍ من المسلسل، وحديثًا إلى  فيلم أنيمي من إنتاج نتفلكس عام 2025.

أنشودةُ فيرساي هو العمل الأهم بين هذه الأعمال، فهو يُخلِص للحبكات الفرعية في المانغا، لقطاته مجازيةٌ وذاتُ مستوياتٍ متعددة، ويتميّز بتصويرٍ مبدعٍ للشخصيات رسمًا وتطورًا وتعقيدًا، وباختيار أغنياتٍ وموسيقى تصويرية ذات شعريةٍ بالغة، بحيث لا يمكن للكثيرين ممّن شاهدوا المسلسل إلّا أن يتذكروا أصوات آلات الكمان المتداخلة في شارة البداية، وشخصية شاعر الأزقة الخلفية لباريس وهو يعزف على الأكورديون.

يحتفي المسلسل بالمرأة من خلال شخصياته النسائية المتنوعة، في زمنٍ لم يكن يُعترف فيه بالسيولة الجندرية، وإنما بصورٍ نمطية حول الذكورة والأنوثة. تطرح «بام موريس» في كتابها «الأدب والنسوية» أنّه لطالما مثّلت الأنوثةُ الطبيعةَ والجمالَ والنقاءَ والطيبة، وأيضًا الشرَّ والفساد، وبالنسبة لـ «كيت ميليت» في كتابها «السياسات الجندرية»، يُعبّر المذكّر عن الذكاء والقوة والفاعلية، بينما يُجسّد المؤنث السلبيةَ والخضوع والفضيلة وانعدام الفاعلية.

ها هي أوسكار دو جيرجايس تكسر كلّ هذه التنميطات؛ فهي تربّت كرجل، وترتدي زيّ الذكور، وتُضرَب للتأدّب، وتمتاز بخفّة الرجال وقوّتهم البدنيّة. تعارك خادمها أندريه، وكذلك الرجال في الحانات، وتتفوّق في مبارزة السيف على الجميع، بما فيهم منافسها على منصب الحرس الملكي جيروديل، والجندي الأقوى في فرقة الحرس الفرنسي آلان، ولا تُخطئ رصاصةً أمام أبرع مصوبٍ من النبلاء.

عدا عن ذلك، فهي جادّة وأخلاقيّة، ملتزمة بالواجب، وعنيدة؛ فلا تذعن لأوامر الآخرين فورًا، وطموحة. فهي ندٌّ للذكور، وتمتلك الصفات التي تقدَّر عادةً فيهم.

لكن أنوثتَها أطلت بين حينٍ وآخر من خلال سماتٍ عظيمةٍ ومأساوية؛ فهي تمتاز بالحنان والحكمة، لكن طموحها يفوق الطموح الذكوري المتجسّد في الصعود المهني والترقّي التقليدي، وإنما تخطّاه إلى الرغبة في ما هو قدسيّ وصوفي، ممّا يعيدها في تمرّدها إلى وضعها كامرأة. حلمت بأن تكون فارسةً حرّةً مغامرةً خارج كلّ قيود المجتمع، ممّا أعاقها في البداية عن قبول أعمالٍ مقبولة، مثل حراسة فتاةٍ صغيرة أو الالتزام في الجيش، لكنه برّر انضمامها التراجيدي في النهاية إلى «الثورة الفرنسية». فهي إلهةُ حربٍ كمارس، بهدوء سطح الماء، ولكنها تحترق كالنار في قلبها، كما قال رسّامها قبل أيامٍ من موتها.

كانت أوسكار محظوظةً، فنالت الحماية والتسامح حتى عندما خانت الجيش، وذلك لقربها من الملكة «ماري أنطوانيت»، ولانتمائها إلى طبقة النبلاء التي ظلّت مخلصةً إليها طويلًا، فكانت الأرستقراطية تسمح للنساء بامتلاك السلطة عبر توكيدها على السمات السحرية والوراثية للدم، وقد تتفوق امرأةٌ ما على معظم الرجال، بزعم ميليت، وهذا حال أوسكار ونساء البلاط عمومًا. مع ذلك، قوبلت أوسكار منذ شبابها بالاستغراب والسخرية وسوء الفهم لكونها امرأةً فارسة، ممّا شكّل لديها روحًا متحدّيةً وحسًّا تهكّميًا عاليًا، فهي تسخر من جيروديل لأنه يخاف مبارزة النساء، وتتصدى لسخرية الآخرين منها حين لا يأخذونها على محمل الجدّ في البداية لكونها امرأةً تقود الرجال في الجيش. كان البعض، مثل مربيتها، يتحسّرون لأن والدها ظلمها بتربيتها كرجل، وحتى والدها وصل إلى تلك النتيجة في النهاية، فأراد تزويجها.

لوحة تجسد أوسكار كآلهة حرب- رسمها رسام العائلة قبل موتها.
أوسكار تراقص الملكة ماري أنطوانيت في إحدى الحفلات. (المسلسل)

 رغم أنّ النساء بلغن مكانةً عاليةً عشيةَ الثورة الفرنسية، حسب سيمون دو بوفوار في  الجنس الآخر، فخلقن لأنفسهنّ إمكانيّاتٍ للعمل، وأخذت حياةُ الصالونات انطلاقةً جديدة، وكانت النساء يقمن بكلّ شيء، حسب تعبير القاضي الفرنسي مونتسكيو، الذي عاش قبل مئة عام من الثورة.

 إلا أنّ النظام الأبوي لا يزال يحتكر المناصب العلميّة الرفيعة للرجال، ويُبقي لمعظم النساء مهنَ التدبير، بحيث إنّ أفضلَ ما يمكنهنّ الوصول إليه هو أن يَكُنَّ وصيفاتٍ في المجتمع الأعمّ.

وهكذا حاولت النساء اللواتي أحطن بأوسكار تحسين أوضاعهن من خلال استغلال الصفات النمطية الأنثوية التي اتصفن بها، فكنّ يُضطررن إلى كسب قبول الرجال من خلال المساومة أو الجسد لأجل النجاة والتقدم الاجتماعي حسب ميليت، مثل وضع مدام دوباري، المومسٌ السابقة التي استطاعت خداع نبيلٍ ما ونيل ثروته عبر تسميمه، حتى وصلت إلى بلاط قصر فيرساي وصارت عشيقة الملك، فتمتّعت بنفوذٍ كبير وبذّرت ضرائب الشعب، لكن سرعان ما طُردت ونُفيت بعد وفاته فخسرت مكتسباتها. وكذلك مدام بولينياك، الصديقة المقرّبة للملكة، التي كانت مجرد مغنية أوبرا من الطبقة البرجوازية، ولمّا أعجبت بها الملكة استغلّتها بولينياك عبر النفاق والخداع لنيل مكانتها الاجتماعية.

تذكر ميليت أنّ النظام الأبوي يخلق العداء بين النساء؛ فالعاهرة تبحث عن أمان واحترام ربّة المنزل، والأخيرة تحسدها على حريتها وفرصتها في المغامرة وتعرّضها إلى العالم الحقيقي. من خلال هذه الديناميكية، كثرت المؤامرات في البلاط؛ فكانت الملكة ماري أنطوانيت تتجاهل مدام دوباري، وكانت فتيات البلاط يخفن من التصرف بما لا يلائم مكانتهن، لكنهن يحلمن بالحب والحرية، حتى لو كان ذلك على حساب صحتهن النفسية؛ فنجد ابنة مدام بولينياك تنتحر لأنها أرادت أن تحب، بدل أن تتزوج رجلًا يكبرها بثلاثين عامًا. لكن ماري أنطوانيت تحدّت البلاط بعفويتها وصراحتها، ولم تمتنع عن عشقها للكونت السويدي فيرسن حين لم تجد الحب في زواجها.

يجول العمل على نماذج نساء فرنسا قُبيلَ الثورة فنرى أيضًا نساء الطبقة الثالثة الفقيرة القاطنة في باريس، روزالي وجان، الأختين متناقضتي الطباع. عملت روزالي بجدّ، وكانت مخلصةً لأفكارها طوال المسلسل؛ إذ حاولت في البداية الانتقام لمقتل والدتها، ومن ثم حاولت أن تكون مخلصةً لأوسكار لأنها اعتنت بها، إلى أن صارت توزّع المنشورات في مقتبل الثورة الفرنسية مع زوجها الصحفي برنارد. أما جان، فقد تخلّت عن أسرتها لأجل الثروة والنفوذ اللذين حصلت عليهما عن طريق الخيانة والقتل، ومن ثم عاشت على الاحتيال والابتزاز المالي إلى أن وصلت إلى المحاكمة علنًا في مكيدة القلادة.

تسخر جان من المجتمع كله، من القيم التي تجعل النساء شريرات وتدين الفقيرات؛ فتحوّلت إلى بطلةٍ للشعب، وزهدت في الحياة وباتت عدميةً بعد أن كانت طموحةً وشرهةً إلى السلطة والمال. لم تسمح جان للمجتمع بأن يعاقبها، فتقول قبل انتحارها بأيام: “لقد كان شيئًا ممتعًا، لطالما أردت أن أقوم بمقلبٍ كهذا”.

أوسكار وجان في مواجهة خطرة (المسلسل)

يطرح المسلسل جان كشخصيةً أشدّ إشكاليةً من أوسكار، سخرت من الملكية، ترى الحياة كمقلبٍ يسخر من المجتمع الأبوي والطبقي، فتتحول إلى بطلةٍ تتحدى بطولة أوسكار في تراجيديتها، حيث إنّ كلتيهما كانتا وقودًا ساهم في اندلاع الثورة، إلى جانب نساء الشعب اللواتي عملن لتأمين قوتهن، وحملن الأسلحة وخرجن في المظاهرات مع الرجال في الثورة الفرنسية، وكنّ معهم عند سقوط الباستيل، إلّا أنهن لم يستطعن أن يخرجن عن دورهن الجندري كما فعلت جان وأوسكار بتحدي البنية ككل.

لم تكن أوسكار لتختلف عن بقية النساء لولا أنها وُلدت بعد أربع فتيات في عائلة عسكرية، فقرّر والدها تربيتها كرجل. تظهر لوثة الجنون في عيني والد أوسكار للدلالة على غرابة هذا القرار في ذلك الزمن، حيث لم يكن صحيًا أو رائجًا الانحراف عن النمطية السائدة، كما تظهر وطأة النظام الأبوي الذي لا يجعل الرجل يهنأ إلّا بعد أن يأتيه وريثٌ ذكرٌ لعائلته أو لعرشه.

هكذا لم تكن أوسكار امرأةً حرّةً اختارت أن تصير رجلًا، ولكنها قُيّدت بتربيةٍ ذكورية جعلت مصيرها قدريًا. فعانت ارتباكًا جندريًا وجنسيًا وعاطفيًا، إضافةً إلى ارتباكها الطبقي. أحبّت الكونت فيرسن في البداية لأنه متناسبٌ مع مكانتها الطبقية، ولم تستطع التعبير عن حبها لأندريه الذي كان مرافقًا وخادمًا لها طوال حياتها لأنه أدنى منها طبقيًا، ولكن مشكلتها الأساسية أنها كانت، لفترةٍ طويلة، تقمع مشاعرها العاطفية كرجل وميولها الجنسية كامرأة.

يُذكر خلال المسلسل أنّ أوسكار جميلة الوجه والقوام، وتلفت النظر إلى أنوثتها حتى لو وصفها البعض بالمسترجلة. يظن الرجال أنها رجلٌ ذو ملامح ناعمة، حتى إنهم يشتهونها مثليًا. تبدي النساء إعجابهن بها، ويتمنين لو كانت رجلًا كي يتزوجنها أو يراقصنها، بينما تقابلهنّ أوسكار ببرود، وتعاملهن وكأنها ليست منهن، وربما هذا جعلها كارهةً للنساء في بعض الأحيان؛ حيث كانت تشارك في عباراتٍ مثل “يا للنساء”، وترمي الفساتين المقدّمة إليها وترفض الرقص. كما تعامل أوسكار الرجال بعدوانيةٍ وندّية، فكانت تصدّ كل المبادرات، وتتجاهل حب أندريه لها، وتسامحه بعد فترةٍ قصيرة من اعتدائه عليها، منكرةً أن لديها ثديين قد كشفهما. وحين وقعت في حب فيرسن، تتهرب لدى أول لمسةٍ جسديةٍ منه في المرة الوحيدة التي تقرر فيها ارتداء فستان وتمثيل دور الأنثى.

أوسكار لحظة اعتداء أندريه. مكشوفة الصدر.

كان يمكن لأوسكار أن تحظى بعلاقةٍ مثلية، وحتى لو كانت عذرية؛ فهي تشعر بعطفٍ وحنان تجاه النساء القريبات منها، وتعبّر عن جمال ماري أنطوانيت، إلّا أنها حين تتعرّض إلى حب روزالي المثلي تكتفي باحتضانه بحماية ولا توليه أهمية. حين تُتّهم أوسكار بعلاقتها “السحاقية” مع ماري أنطوانيت، تستهجن ذلك لا لكونه افتراءً فحسب، فهي لم تتخيل ذلك أصلًا. كما شغلت أوسكار نفسها عن هذا الارتباك الجنسي بمثلث الحب غير المحقق والمؤلم، رغم إدراكها لعلاقة الحب المشتعلة بين فيرسن وماري أنطوانيت، فبدل أن توجه حبها نحو أنطوانيت أو روزالي، نراها توجهه نحو فيرسن، مكتفيةً بمشاعرها العذرية تجاه الملكة وبصداقة فيرسن، ولا تواجه حب أندريه إلّا عندما تُهدَّد حياتهما بالموت. فماذا لو عاشت أوسكار حياةً مثليةً سرية مع أنثى من طبقةٍ فقيرة مثل روزالي بدل أندريه؟

تذكر سيمون دو بوفوار في  الجنس الآخر “أنّنا عادةً ما نتصوّر المرأةَ المثلية شبيهةً بالرجال، وأنّ ذكوريتَها ناتجةٌ عن اضطرابٍ هرموني؛ ولكنّ كثيرًا من المثليّات بين النساء هنّ الأشدّ أنوثة. وعلى العكس، فإنّ عددًا كبيرًا من النساء المسترجلات غيريّاتُ الجنس”.

كما تؤكّد أنّه لا يوجد عاملٌ حاسمٌ في الميل الجنسي؛ فالأمر خيارٌ ضمن مجموعةٍ معقّدة، تُعبّر عن وضع الفرد العام تجاه الوجود.

تُبدي أوسكار ارتباكًا جندريًا في البداية، ولكنّها تُظهر فخرها أيضًا بكونها امرأةً وقويّةً في مناسباتٍ عدّة؛ فحُلَّ هذا الصراع سريعًا. فلم ترفض أوسكار أنوثتها تمامًا، وتتماهى مع الأب، بتعبير دو بوفوار، فتبقى في المرحلة البظريّة وتتحوّل إلى المثليّة الجنسيّة. لكن أثّر تماهيها معه في جعلها أخلاقيّةً تحمل مُثُلَه العليا.

قرر صنّاع المسلسل ألّا يُحمّلوا حياة أوسكار المعقّدة خلال الثورة صراعًا مثليًا خارجيًا مع المجتمع، بل جعلوه صراعًا طبقيًا وسياسيًا. تتعرّض أوسكار، عبر أربعين حلقة، لدروسٍ قاسية حول حياة الناس الذين لا تنتمي إليهم طبقيًا.

 فترى الناس يموتون جوعًا ويُضطرون إلى بيع أجسادهم وخيانة التزاماتهم لأجل تدبير لقمة العيش، كما تعايش أندريه يوميًا وهو يعاني صراعًا بين حبه لها وطاعته للنبلاء، وبين إحساسه العميق باللاعدالة وبانتمائه إلى قيم العهد الجديد. فكان أندريه الشاهد المديد في حياة أوسكار، وهما كأخوين لا يتفارقان، ومن هنا جاء الحب بينهما حبًا لا بين رجل وامرأة، بل حبًا خالصًا لإنسانين تخطّيا فروقهما الطبقية في لحظةٍ تاريخية. في هذه الحالة فحسب تستسلم أوسكار للفعل الجنسي وتحل صراعها الداخلي. يرينا المشهد عناقًا عاطفيًا بين جسدين عاريين غيريين؛ فأوسكار ترى نفسها امرأةً رغم تربيتها كرجل، وكأنها أخذت أفضل ما في الجندرين. ولكن ماذا لو كانت أوسكار ترى نفسها رجلًا؟ لكان عناقها مع أندريه عناقًا كويريًا بالمعنى المعاصر.

أوسكار وأندريه بعد هجوم الناس عليهما لأنهما من الحرس الفرنسي

تطرّق صنّاع المسلسل إلى كويرية أوسكار ثم تلافوها سريعًا، وتحاشوا تمامًا طرح مسألة مثليتها، رغم تلميحاتهم المتعددة خلال المسلسل. لم تَرِد السحاقية إلّا كتهمةٍ تدعو إلى الخجل وتدل على الانحطاط. قد يتساءل البعض عن سبب هذا الخيار في السبعينيات، بعد الثورة الجنسية وبطلان اعتبار المثلية مرضًا نفسيًا: هل وُجدت قيودٌ إنتاجية رقابية تعيقهم عن ذلك؟ خاصةً وأن الرسّامة أصدرت فيما بعد مانغا «كلودين» حول شخصية ترانس/عابرة جندريًا عام 1978. يذكر بعض النقاد أن الرومانسيات الغيرية كانت شائكةً حتى في رقابة ذلك العصر. في ظل الإنتاجات الكويرية المتهافتة في زمننا الحالي، أُعيد إنتاجٌ ضعيف للمانغا عام 2025، لكنه لم يتطرق أبدًا إلى مثلية أوسكار، بل تجاهل حتى اللفتات الذكية والدرامية المتعلقة بالموضوع في المسلسل الكلاسيكي.

قدّمت لنا مسرحيات «شكسبير»، وخاصة كوميدياته، بطلاتٍ يلبسن ملابس الجنس الآخر ويخفين هويتهن، ممّا يوحي، حسب تعبير بام موريس، بالصفة التعددية اللامحدودة للحالة الجنسية. ويعرض لنا التاريخ نساءً محاربات مثل «جان دارك» التي حاربت في حرب المئة عام، وكذلك فعلت وردة فيرساي. ألهمت أوسكار الفتيات على أن يكنّ قويات ويخرجن من قيد ضعفهن الجسدي، وكادت أن تلهم الترانس والمثليين، ولربما ألهبت خيالاتهم، وإن خيّبتها على صعيد التحقق الدرامي، في عالمٍ لا يزال يستنكر أن تحارب امرأةٌ في جيش، أو تتنافس النساء ضد الرجال في الرياضات، وتكثر النقاشات حول انضمام أفراد الترانس إلى أيٍّ من الفرق الرياضية وأيّ الخيارات هو أشد عدالة. ورغم وصول عددٍ من النساء إلى امتيازاتٍ ومناصب في عددٍ من بلدان العالم، هل سيتخلّين عن مناصبهن لينضممن إلى حراك النساء اللواتي يقاتلن بعرق جبينهن، وضد شرفٍ يقيّدهن، فيضحّين بحياتهن معهن كما فعلت أوسكار؟

أوسكار لحظة قصف المدافع على الباستيل قبل موتها بقليل