العدد المفقود .. في المكان الموعود

مجلة ماجد طفولة مشتركة بين البلدان

لدي هواية غريبة وجميلة وربما نادرة، نتقاسمها أنا وأخي وأختي؛ إذ نجمع أعداداً قديمة من مجلة ماجد، وتحديداً الأعداد التي تحتفي بعيد الاتحاد. ولدت وعشت في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكنا أنا وأخي وأختي كلّ ظهر أربعاء نترقب عودة ماما من العمل وفي يدها مجلة ماجد. قد تبدو هذه التفاصيل ذكريات عادية، لكنّها تحولت لي ولإخوتي لنوع من الأمان الذي ربما لم نكن نستوعبه حينها. ومع كل عدد جديد، كنا نشعر بسعادة غامرة، تطورت لولعٍ في البحث عن القديم من أعداد مجلة ماجد، وخصوصاً الصادرة منها في مناسبة عيد الاتحاد. وبذلك ضمت مجموعتنا الأعداد الصادرة من 1991 إلى 1993 وثم الأعداد الصادرة من 1995 إلى 1996، وظل العدد المفقود (عدد 1994) الحلقة الناقصة في هذه السلسلة. حتى قالت ابنة خالتي، في أحد صباحات اللاذقية، جملتها الحماسية: “أي شي ضايع بتقدروا تشوفوه بسوق الجمعة”.

بدأت رحلة البحث عن هذا العدد لنستكمل أعداد التسعينات من المكتبات التقليدية، بكثير من الأسئلة المكررة والخيبات المعادة حين أستمع للبائعين بأن الأعداد التي أطلبها لم تعد موجودة ، أو أن الاهتمام في سوريا ينصب على مجلات محلية (لم أتقاسمها مع أبناء جيلي في سوريا) مثل مجلة أسامة  التي أرى الحنين في عيون بنات خالاتي وأولاد خالاتي مجرد أن يذكروا مجلة أسامة ، بينما قد أجد تعجبهم بأنهم لا يشعرون بهذا الحنين إلى مجلة ماجد المفضلة لي دائما وأبداً .

( العدد المفقود  في المكان الموعود  )

لم تكن تجربتي مع البحث عن الكتب المستعملة محصورة باللاذقية، فقد تعودت أن أتحرك بين المدن حتى أصل إلى بائع كتب مميزة أو مكتبة قديمة، أنتقل أيام الحرب بين دمشق وحلب والقذائف، أقلب الصفحات بعناية، وأستفسر عن الطبعات الأولى وأعاين الرفوف المتروكة، لكنّي لم أشهد يوماً تجربة مثل تجربة سوق الجمعة. 

لا يعدّ سوق الجمعة سوقاً للأشياء المستعملة وحسب، إذ يمنح زواره نظاماً غير رسميّ لتداول الذاكرة أيضاً، ويصبح بذلك فضاءً قائماً بذاته للماضي ومستعمليه. أشياء غريبة وعملات نادرة وكتب عجيبة بطبعات تاريخية. كل شيّ يصل إلى هنا بطريقة ما: كتب، مجلات، ألعاب، أدوات منزلية، أشرطة قديمة ( كاسيتات ) ، أشياء خرجت من بيوت لم تعد تحتفظ بها، أو من حيوات تغيّرت فجأة.

في المرة الأولى التي دخلت فيها سوق الجمعة في اللاذقية، لم أكن أدرك قوانين السوق بعد. كنت برفقة أختي وأخي وابنة خالتي، نتحرك بين البسطات بحذرِ مَن لا يعرف قواعد المكان. ومنذ اللحظة الأولى، شعرت أن العيون تلتفت إلينا أكثر مما ينبغي. ربما لغرابتنا عن إيقاع السوق، وربّما هو نوع من القراءة التي يفرضها السوق على الزوار: من أنت، ماذا تريد، عما تبحث هنا؟ 

تحولت النظرات، نـظرات السوق وأهله إلى تقدير خفي، كأننا في موضع اختبار. هل يمكننا التمييز بين الشيء العادي والشيء الذي يحمل قيمة خفية كامنة. هل يمكننا أن نفهم تغيّر الأسعار؟ هل نعرف أن نلعب مع السوق لعبة القيمة الخفية؟ نفس الكتاب يمكن أن يصبح أغلى بمجرد أن يظهر في صوتك تردد، أو في عينيك رغبة جليّة. 

لعبت ابنة خالتي دور الوسيط بيننا وبين السوق، كأننا سيّاح في بلدنا ونضحك ، تترجم لنا السوق بلغتها، تعرف أين تقف، ومتى تتحدث، وكيف تخفض السعر أو تساوم، تنتقل  برشاقة وفراسة قناص النوادر بين بائع العملات، وبائع الكتب، وبائع المجلات القديمة، وكأنها تتحرك داخل شبكة خفية لا يراها الزائر الجديد. 

وفي تلك الشبكة الخفية، في لحظة نادرة، سأقف فجأة أنا وأخوتي عند عددنا المفقود! وقد انتقل من يد إلى يد إلى يد في دوامة كبيرة مليئة بآثار النظر واللمس، ومن مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ، وفي موسيقى الازدحام وصوت الباعة الذين يرددون عن نوع البضاعة. وصل إلينا. والآن نراه أمامنا ونرى ذاكرة طويلة ترقد داخله. 

كان الغلاف جميلاً مفعماً بالألوان والبهجة وربما في مرات كثيرة كنت أتخيل ألوانه. أخذني العدد في لحظة واحدة إلى سنوات من الاحتفال بعيد الاتحاد، كأني فجأة صرت مع صديقاتي في المدرسة، الثياب التقليدية، الحنّاء على اليدين، الهريس والبلاليط والأكل والثقافة التي التقيتها في احتفالات العيد. من قال أني سأتذكر كل هذا في سوق الجمعة في اللاذقية؟ عبور في الزمن كانت تلك اللحظة، كما كان العيد عبوراً لنا أنا وصديقاتي وطفولة مشتركة تجمعني من المتوسط بصديقات من الخليج، ربما زرقة البحر وملحه يذوبان كل اختلاف. 

أمسكتُ العدد أنا وأختي ، وربما ناظرته وحدي لوقت أطول. كنت أفكر كيف يجمع هذا العدد شتاتاً من الثقافات لأجده هنا على المتوسط. 

عشت في الإمارات أكثر من تسعةٍ وعشرين عامًا، وكان اليوم الوطني جزءًا من الإيقاع السنوي المألوف. احتفالات، أعلام، أناشيد، زينة في كل مكان. وكان المشهد يتكرر حتى بات طبيعياً، وروتينيًا أحيانًا. لم أكن أرى فيه استثناءً، بل جزءًا من الحياة اليومية. قمتُ فورًا بإرسال صورة إلى صديقاتي على الواتساب، في مجموعة تضم صديقات وزميلات المدرسة من فلسطين وسوريا والأردن ومصر والصومال والإمارات والبحرين والسودان وعمان، لأخبرهم بهذا الاكتشاف، كأنني أفتح نافذة صغيرة على ذاكرة مشتركة لم تغب تمامًاً ، أبدوا سعادتهم بهذا الاكتشاف، والجميع سألني “انتي وين؟”  أنا في سوريا، والمجلة القديمة معي.

 لم أعد أرى العدد كما كنت أراه طفلة، بل بدأت أقرأه كوثيقة أو كتمثيل لنوع معين من الاستقرار، لجسر بين الطفولة والشباب وهنا ظهر السؤال الأوسع لي، من “نحن” الذين نتشارك هذه المجلة؟

هناك جيل عربي كامل تشارك تجربة ثقافية متشابهة: قراءة نفس المجلات، مشاهدة نفس الكرتون، سماع نفس الأغاني. اللغة العربية الفصحى كانت وسيطًا أساسيًا، خلقت شعورًا بالوحدة، حتى مع اختلاف اللهجات في الحياة اليومية. وإن الذاكرة المشتركة لما أثّر في الطفولة العربية، هي مساحة يلتقي فيها أطفال من بلدان متعددة دون أن يعرفوا بعضهم. سوق الجمعة أيضاً، في هذا المعنى، المكان الذي يكشف كيف تنتقل هذه المنتجات الثقافية، كيف تخرج من سياقها الأصلي، وتدخل في سياقات جديدة، وكيف يعاد استهلاكها وإعادة فهمها، هو نقطة التقاء بين الاقتصاد البسيط، والذاكرة، والرغبة.

هناك، بين البسطات، لم أشتر مجلة عادية، وإنما استعدت طبقة من نفسي. واختبرت كيف يمكن لشيء ما، كعدد من مجلة، أن يحمل كل هذا الثقل، من طفولة،  وأماكن مختلفة، ولغات، وجنسيات متعددة ، وأسماء بحار متعددة ، وذكريات متقاطعة. وكأنّ ما نقرأه في طفولتنا لا يختفي، بل يتخفّى، ثم يعود إلينا ونحن كبار؛ في سوقٍ مزدحم، أو في احتفالٍ وطني، أو في لحظة نكتشف فيها أن البحث ذاته هو القصة.

في هذا التداخل، تتشكل فكرة أوسع عن التجربة المشتركة. فالتجربة لا تقوم على التطابق، بل على التقاطع برغم الاختلاف. هناك جيل عربي كامل تشارك ذاكرة ثقافية واحدة عبر المجلات والكرتون واللغة، حتى لو اختلفت السياقات السياسية والاجتماعية لحياته اليومية. أبطالنا مشتركون وحكاياتنا التي نحب وألوانها ورسومها مشتركة. 

وخلف هذا التشابه، توجد اختلافات دقيقة تصنع الفهم المختلف لكل تجربة. فالطفل الذي عاش هذه الثقافة في سياق مستقر ومنتظم، يختلف عن طفل وصل إليها عبر مسارات متقطعة أو غير مكتملة. ومع ذلك، يبقى الخيال المشترك هو الخيط الذي يربط الجميع، ويجعل من تلك المجلات أكثر من مجرد مواد مطبوعة، بل مساحات عبور بين عوالم متعددة وثقافات وحضارات متنوعة.

وفي النهاية، يتجاوز البحث فكرة المجلة ليصبح بحثاً عن أنفسنا نحن: كيف نُعيد قراءة طفولتنا حين نجدها مصادفة أمامنا على طاولة خشبية في سوق مزدحم، وكيف نفهم أن ما نظنه ضاع كان ينتظر فقط أن نعود إليه.