ذكريات كرتونية بنسخة غير خاضعة للقصّ الرقابي.

أنتمي إلى جيل تعلم العربية الفصحى من متابعة “افتح يا سمسم” ومغامرات أبي الحروف.. وما زلت أذكره في ثيابه الرياضية وهو يمطّ الشدة وينفخ على السكون قادماً ليصلح ما أفسده خربوط: “أقوى من الشدة، أطول من المدة، أحدّ من السين … إنه الرجل العجيب، إنه أبو الحروف!”.

استوقفتني دعوة “خزّان” بتصميم صفحاتها وموسيقى الشارة المرافقة والشخصيات المطلة منها، جزء ملون من ذاكرتي وأنا طفلة، وخطر ببالي فوراً أن عليّ تلبية النداء لكنني احترت، فهناك الكثير والكثير من أفلام الكرتون وبرامج الأطفال التي أود الحديث عنها كلها لكن، هنا، عليّ أن أختار مراحل رحلتي في العودة بالزمن، أمنتجها، دون أن أنجرف في خوض تسلسل زمني متصل، ولو أن ذلك مغرٍ ومخيف في آن.

علي أن أقوم بقفزات، ذهاب وعودة إلى عالم بعيد مضى، لكم تمنيت في أحيان كثيرة تعبت فيها من سن الرشد، ومن عالم الكبار البشع، لو أنني علقت هناك، في زمن البراءة والطيبة والهموم البسيطة، ولم أكبر.

****

كان يوم الخميس مميزاً دوماً، فهو اليوم الأخير في الأسبوع المدرسي الذي يسبق العطلة، نستطيع فيه أن نلعب في الشارع قدر ما نريد دون التفكير بضرورة العودة للبيت لكتابة الوظائف، نركض ونصرخ بجنون ونتسلق الأشجار، ننكش التراب بحثاً عن الديدان والخنافس الحمراء المنقّطة بالأسود. كنت أحب دغدغة سيقانها وهي تسير فوق يدي، وما أن تصل إلى طرف أصابعي حتى أرفع يدي عالياً باتجاه السماء، فتدرك ما أريد، تفرد قشرتها الحمراء المنقطة لتظهر تحتها أجنحتها الرمادية الشفافة، وتطير إلى أن تختفي في الأفق.

أمكننا الاستمرار بهذا الجنون حتى المساء، لكن صراخنا ونحن نلعب في فترة الظهيرة كان ينتهي دائماً بخروج أحد الجيران إلى الشرفة لينهرنا و”يأمرنا” بالـ “ضبضبة” في منازلنا لأنها بالنسبة له فترة القيلولة المقدسة بعد الغداء.

ما كان يفسد الخميس أيضاً -إضافة إلى الجيران الغاضبين- برنامج الطلائع الذي يبدأ في الرابعة عصراً، وكان حضوره تعذيباً واجباً كي لا تفوتني بداية شارة “الأميرة ياقوت” المتنكرة كصبي تحارب الأشرار وترسي قواعد الحكم العادل في المملكة. مسلسل ظُلم في ذاكرة الأطفال تماماً كمسلسل “التنين الصغير” غريسو الذي يريد أن يعمل في الإطفاء رغم معارضة والده التنين الكبير، على حساب انتاجات كرتونية ملحمية أخرى كـ “جزيرة الكنز”، “الليدي أوسكار”، “ساندي بل” و “ريمي”، فقلة من الأطفال الكبار يتذكرونهما بحنين. 

لا أذكر الكثير من برنامج الطلائع سوى أغنية شارته التي ظلت محفورة من تلك الفترة: ” جينا جينا في موعدنا… نحمل بعثاً مع قائدنا…  ننثر ورداً لمعلمنا نهتف أهلاً لأهالينا… يا هلا هيييييه”، والفقرة التي كان يمثل فيها زيناتي قدسية دور جحا على ما أظن، وللصراحة كنت استثقل أداءه.

****

احتلّت أفلام الكرتون الروسية المدبلجة للعربية في موسكو حيزاً واسعاً من ذاكرتي، وكم كنا نتفكّه بخصوص لفظهم العربي ونحن نمثل أدوار الشخصيات فيها ونحن نلعب، أحدها “المهر الأحدب” وبطله أيفان وهو من انتاج “سويوزمولتفلم 1975”. 

يلفت النظر في أفلام هذه المرحلة السوفيتية حالة الطيبة الموجودة فيها، وفكرة العالم المثالي المصنوع من الخير الخالص، فحتى الأشرار ليسوا أشراراً حقيقيين إن نظرنا إليهم من زاوية أخرى، هم مجرد شخصيات ضلوا الطريق دون قصد، فكانوا الاستثناء لا القاعدة، على خلاف موجة الأنمي اليابانية العنيفة التي بدأت تظهر نهاية التسعينات ببعض شخصياتها المخيفة والمقززرة من ناحية الشكل والسلوك أيضاً، غيّرت الموجة هذه الذائقة الجمالية لأجيال أكبرهم يقترب الآن من سنواته الأربعين، وغرست فيهم عنفاً له انعكاساته في حياتنا اليومية الاستثنائية أيضاً. 

أفكر أحياناً كيف أمكن لمن شاهد رسوم كرتون طفولتنا أن يتحول شريراً حين يكبر، كل أولئك الجلادين والقتلة واللصوص والسياسيين وتجار الحرب، أحقاً عاشوا نفس طفولتنا؟

بالمناسبة، أنا متعلقة حتى الآن بالرسوم المتحركة، أحب متابعة كل جديد من ديزني وPixar وDream Works Animation، فيمكنني مثلاً مشاهدة “كيف تروض تنينك” أو “عصر الجليد” كل مرة بذهول المرة الأولى. وأعتقد أن سبب تعلقي هذا هو المخزون كبير من الذاكرة السمعية والبصرية أو عالم طفولتي الموازي الذي غذّته فيّ أمي بالكتب المصورة والمجلات والأسطوانات والمسرح.

أذكر جيداً السؤال الذي طرحته علي الدكتورة ماري الياس وأنا أمام لجنة القبول في المعهد العالي للفنون المسرحية، سألتني حينها ماذا أريد أن أفعل بعد تخرجي من المعهد، فجاوبت دون تردد أنني أريد العمل في مجال الأطفال.

وهذا ما كان.

بدأت العمل كمترجمة مع شركة الزهرة واطلعت على آلية عمل الدوبلاج، فقد كان هذا العالم يسحرني أيضاً إلى أن احتككت بمراحل صناعته.

استدعوني يوماً إلى مكتب أحد المدراء في موضوع خطير، إذ تورطوا بشراء مسلسل للأطفال وبعد الاطلاع عليه تبين أنه مليء بكل ما يمكن تصوره من المحاذير “الرقابية” في حينها، والمصيبة الكبرى أن لا أحد من المترجمين يقبل بترجمته كي لا يُخدش حياؤه. قبلت التحدي، وفاوضت على السعر، وضربت التسعيرة المعتمدة للترجمة كتعويض معنوي عن الضرر الذي سيصيبني جراء ترجمة كلمات بذيئة ومواقف مخجلة، فمن عمل في شركة الزهرة وسبيستوون يعلم تماماً أنه مكان استنزاف دون أي أمل بترفع وظيفي أو تطور على صعيد مهني ومالي، وخاصة للفريلانسرز أمثالي. 

كان المسلسل عن صبي صغير Titeuf (فرنسي انتاج 2001) يمر من الطفولة إلى المراهقة وما يرافق هذه المرحلة من حب فضول واستكشاف للجسد والجسد الآخر بقالب كوميدي، مشغول بطريقة ذكية تراعي علم نفس الطفل، انتهى به الأمر بمونتاج رقابي صارم وقصة تختلف تماماً عن الأصل بحسب المشاهد المتوفرة والمركبة بالمونتاج للباقي من كل حلقة. مهمتي كانت الأسهل، فأنا أترجم المكتوب “بأمانة علمية”، ولكن أتتخيلون معي ما عاناه كل من المعدّ والمونتير في كل حلقة وهما يركّبان قطع الـ”أحجية”؟

إنّ كوارث الرقابة والمونتاج في هذه الصناعة وخاصة في العالم العربي تعدّ ولا تُحصى، ألا يكفي مثلاً أن الأمير الذي أنقذ بياض الثلج أو فلّة من الساحرة الشريرة لم يكن عريساً منتظراً أيقظها بقبلة من سبات طويل ليعيشا بعدها بسعادة، بل أخاً لا أذكر إن كان شقيقاً أم لا، لكنه اندفع كالسهم بغيرة تجاه “عرضه” لينقذ أخته فتصبح خلوته بها قرب سريرها شرعية وبدون قبلة. هناك أيضاً قصة الآنسة حكمت، طويلة ورشيقة، شعر طويل ولكنها ترتدي ثيابًا رجالية، نراها دائماً برفقة إحدى طالباتها ذات جديلتين في علاقة غريبة مريبة تعاني الآنسة حكمت فيها الليل دون نوم، إلى أن استنتجت أن الآنسة هي أستاذ واقع بحب تلميذته، لكنه تحول لآنسة في علاقة مشبوهة مراعاة للمحاذير الرقابية المتعلقة بالحفاظ على أخلاق الأسرة من الانحراف في حب طبيعي بين رجل وامرأة لاستبدالها بحب مثلي لا يثير أي تساؤلات. 

مع تراجع المشاريع القومية واليسارية في أواخر القرن العشرين، وصعود المدّ الديني المحافظ كبديل أيديولوجي، انتقلت الرقابة على محتوى الطفل من الشأن التربوي “البريئ”، إلى ممارسة فكرية تعيد ترتيب الخيال نفسه، وتقصّه على قياس تصور أخلاقي رسمي للعالم. لم يعد السؤال: ما الذي يفهمه الطفل؟ بل: ما الذي يُسمح له أن يتخيله.

لكنني أعتبر نفسي من جيل محظوظ؛ من شاهدوا قبلة أندريه لأوسكار، وصدرها وهو يمزق قميصها ليذكرها بأنها امرأة قبيل القص والمونتاج. جيل يضحك من رقابة تُحوّل زجاجات الخمر إلى عصير عنب، وتجعل عبد الرحمن في “صقور الأرض” يترنح من السكّر لا من السُكر، كما أسترقّ النظر بفضول لـ “أغراض” طمطم وساسوكي وهما يقفزان عالياً في الهواء قبل أن تُغطّى بشرائط شفافة لا تُخفي بقدر ما تُعلن عن نفسها.

****

بعد انتهاء تجربتي مع عالم الكرتون المدبلج، بدأت بمرحلة أخرى اعتبرتها لسنوات مشروعاً خاصاً بي في محاولة لاستعادة عالم الطفولة البعيد أو الهروب إليه من واقع سوريا- لي، وخاصة بعد 2011. 

حاولت أن ابدأ بسلسلة من الترجمات لأدب الأطفال الروسي، كوني احتفظ بمكتبة كاملة لونت عالم طفولتي، وأردت بسذاجتي أن أشاركها مع الجيل الجديد، فكلنا نذكر الجهد الجبار الذي قدمته دار النشر الروسية “رادوغا” في حركة الترجمة للعربية التي توقفت مع انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن الموضوع لم يكن سهلاً وخاصة أنني كنت أتعامل مع الهيئة العامة السورية للكتاب. فإضافة للبيروقراطية السائدة فيها حيث يمكن أن تأخذ عملية الموافقة على المخطوط ونشره عامين كاملين بين أخذ ورد، والمراجعات المستمرة، والمكافأة المالية الزهيدة، انتهى المشروع بقرار مني حين قاموا بتعيين مراجع للنص الروسي للتأكد من صحة ترجمتي وأنا التي أتكلم الروسية كلغة أم أولى قبل أن يتعلمها حتى هو.

مع الوقت أخذ عملي مع محتوى الطفل أشكالاً أخرى أكثر تنوعاً واتصالاً بالإنتاج المباشر، فكتبت قصص الكوميكز، وبرامج ومسلسلات ومسرحيات، كما عملت في الاخراج وكانت تلك هي “المتعة الخالصة” بالنسبة لي.

أن تحوّل الورق إلى صورة ملونة دون أن تمسك بيدك الألوان، وتصنع شيئاً من لا شيء في دمشق 2013، حيث تتساقط قذائف الهاون عليها كأمطار، حواجز عسكرية تستهلك الوقت والأعصاب، لا كهرباء ولا ميزانية. 

لكن الدوبلاج ظل يفرض نفسه على مسرح الطفل أيضاً، كاستعارة الممثلين لأصوات الشخصيات من عالم الكرتون، كحلّ جاهز وسريع، بدل البحث عن صوت حيّ خاص بالعرض، مشكلة تطلبت العديد من البروفات للتخلص منها مع عدم قناعة. هذا الاستسهال ينسحب أيضاً على طريقة التعامل مع مسرح الطفل عموماً: رقصات وأغانٍ وتهريج، وقصة تعليمية مباشرة وفجّة، لا تفتح باب التفكير ولا توسّع الخيال، بل تكاد تخنقه. تتكرر الحكايات نفسها والصيغ نفسها، رغم وفرة المادة الغنية الممكن الاشتغال عليها، لكن قلّة فقط مستعدة للبحث خارج الدائرة المغلقة، فيبقى الدوران في الحلقة ذاتها.
في تجربتي، حاولت كسر هذا النمط، فانتقيت نصاً من طفولتي لا يعرفه أحد، واشتغلت على تحفيز الخيال والابتعاد عن تأطيره بصورة جاهزة، طبعاً أحد أسباب هذا الخيار كانت الميزانية التي لم يكن فيها حيز للديكور، خشبة سوداء فارغة، ممثلين يرتدون السواد مما توفر في مستودع مديرية المسارح والموسيقا، وحدها الدمى ملونة، الإضاءة والموسيقى بنمط الـ “راب”، ففاجأني الكبار بتفاعلهم معها حتى أكثر من الصغار. أعتقد أنني نجحت في صنع شيء مختلف، والمهم أنا راضية تماماً رغم كل الأعراض الجانبية للتجربة.

كبرنا، وكبر معنا مقصّ الرقيب، وتبدّلت الأصوات، لكنني ما زلت أبحث عن تلك المساحة الأولى: حيث كانت الحكاية تُروى كاملة، والخيال يُترك ليطير وحده. وما زلت أؤمن أن العمل للطفل هو من أصعب أشكال الكتابة والإخراج، لأنه يتعامل مع متفرّج يرى الكذب فوراً، ويملّ من الاستسهال بسرعة. الطفل لا يحتاج نسخة مصغّرة من عالم الكبار، إنما عالماً صادقاً، واسعاً، ومحترماً لذكائه يفتح له النوافذ ولا يغلق عليه القضبان. وربما لم يعد “أبو الحروف” قادراً على إصلاح كل ما أفسده خربوط، لكن المحاولة تستحق.