Author: آنّا عكاش

  • ذكريات كرتونية بنسخة غير خاضعة للقصّ الرقابي.

    ذكريات كرتونية بنسخة غير خاضعة للقصّ الرقابي.

    أنتمي إلى جيل تعلم العربية الفصحى من متابعة “افتح يا سمسم” ومغامرات أبي الحروف.. وما زلت أذكره في ثيابه الرياضية وهو يمطّ الشدة وينفخ على السكون قادماً ليصلح ما أفسده خربوط: “أقوى من الشدة، أطول من المدة، أحدّ من السين … إنه الرجل العجيب، إنه أبو الحروف!”.

    استوقفتني دعوة “خزّان” بتصميم صفحاتها وموسيقى الشارة المرافقة والشخصيات المطلة منها، جزء ملون من ذاكرتي وأنا طفلة، وخطر ببالي فوراً أن عليّ تلبية النداء لكنني احترت، فهناك الكثير والكثير من أفلام الكرتون وبرامج الأطفال التي أود الحديث عنها كلها لكن، هنا، عليّ أن أختار مراحل رحلتي في العودة بالزمن، أمنتجها، دون أن أنجرف في خوض تسلسل زمني متصل، ولو أن ذلك مغرٍ ومخيف في آن.

    علي أن أقوم بقفزات، ذهاب وعودة إلى عالم بعيد مضى، لكم تمنيت في أحيان كثيرة تعبت فيها من سن الرشد، ومن عالم الكبار البشع، لو أنني علقت هناك، في زمن البراءة والطيبة والهموم البسيطة، ولم أكبر.

    ****

    كان يوم الخميس مميزاً دوماً، فهو اليوم الأخير في الأسبوع المدرسي الذي يسبق العطلة، نستطيع فيه أن نلعب في الشارع قدر ما نريد دون التفكير بضرورة العودة للبيت لكتابة الوظائف، نركض ونصرخ بجنون ونتسلق الأشجار، ننكش التراب بحثاً عن الديدان والخنافس الحمراء المنقّطة بالأسود. كنت أحب دغدغة سيقانها وهي تسير فوق يدي، وما أن تصل إلى طرف أصابعي حتى أرفع يدي عالياً باتجاه السماء، فتدرك ما أريد، تفرد قشرتها الحمراء المنقطة لتظهر تحتها أجنحتها الرمادية الشفافة، وتطير إلى أن تختفي في الأفق.

    أمكننا الاستمرار بهذا الجنون حتى المساء، لكن صراخنا ونحن نلعب في فترة الظهيرة كان ينتهي دائماً بخروج أحد الجيران إلى الشرفة لينهرنا و”يأمرنا” بالـ “ضبضبة” في منازلنا لأنها بالنسبة له فترة القيلولة المقدسة بعد الغداء.

    ما كان يفسد الخميس أيضاً -إضافة إلى الجيران الغاضبين- برنامج الطلائع الذي يبدأ في الرابعة عصراً، وكان حضوره تعذيباً واجباً كي لا تفوتني بداية شارة “الأميرة ياقوت” المتنكرة كصبي تحارب الأشرار وترسي قواعد الحكم العادل في المملكة. مسلسل ظُلم في ذاكرة الأطفال تماماً كمسلسل “التنين الصغير” غريسو الذي يريد أن يعمل في الإطفاء رغم معارضة والده التنين الكبير، على حساب انتاجات كرتونية ملحمية أخرى كـ “جزيرة الكنز”، “الليدي أوسكار”، “ساندي بل” و “ريمي”، فقلة من الأطفال الكبار يتذكرونهما بحنين. 

    لا أذكر الكثير من برنامج الطلائع سوى أغنية شارته التي ظلت محفورة من تلك الفترة: ” جينا جينا في موعدنا… نحمل بعثاً مع قائدنا…  ننثر ورداً لمعلمنا نهتف أهلاً لأهالينا… يا هلا هيييييه”، والفقرة التي كان يمثل فيها زيناتي قدسية دور جحا على ما أظن، وللصراحة كنت استثقل أداءه.

    ****

    احتلّت أفلام الكرتون الروسية المدبلجة للعربية في موسكو حيزاً واسعاً من ذاكرتي، وكم كنا نتفكّه بخصوص لفظهم العربي ونحن نمثل أدوار الشخصيات فيها ونحن نلعب، أحدها “المهر الأحدب” وبطله أيفان وهو من انتاج “سويوزمولتفلم 1975”. 

    يلفت النظر في أفلام هذه المرحلة السوفيتية حالة الطيبة الموجودة فيها، وفكرة العالم المثالي المصنوع من الخير الخالص، فحتى الأشرار ليسوا أشراراً حقيقيين إن نظرنا إليهم من زاوية أخرى، هم مجرد شخصيات ضلوا الطريق دون قصد، فكانوا الاستثناء لا القاعدة، على خلاف موجة الأنمي اليابانية العنيفة التي بدأت تظهر نهاية التسعينات ببعض شخصياتها المخيفة والمقززرة من ناحية الشكل والسلوك أيضاً، غيّرت الموجة هذه الذائقة الجمالية لأجيال أكبرهم يقترب الآن من سنواته الأربعين، وغرست فيهم عنفاً له انعكاساته في حياتنا اليومية الاستثنائية أيضاً. 

    أفكر أحياناً كيف أمكن لمن شاهد رسوم كرتون طفولتنا أن يتحول شريراً حين يكبر، كل أولئك الجلادين والقتلة واللصوص والسياسيين وتجار الحرب، أحقاً عاشوا نفس طفولتنا؟

    بالمناسبة، أنا متعلقة حتى الآن بالرسوم المتحركة، أحب متابعة كل جديد من ديزني وPixar وDream Works Animation، فيمكنني مثلاً مشاهدة “كيف تروض تنينك” أو “عصر الجليد” كل مرة بذهول المرة الأولى. وأعتقد أن سبب تعلقي هذا هو المخزون كبير من الذاكرة السمعية والبصرية أو عالم طفولتي الموازي الذي غذّته فيّ أمي بالكتب المصورة والمجلات والأسطوانات والمسرح.

    أذكر جيداً السؤال الذي طرحته علي الدكتورة ماري الياس وأنا أمام لجنة القبول في المعهد العالي للفنون المسرحية، سألتني حينها ماذا أريد أن أفعل بعد تخرجي من المعهد، فجاوبت دون تردد أنني أريد العمل في مجال الأطفال.

    وهذا ما كان.

    بدأت العمل كمترجمة مع شركة الزهرة واطلعت على آلية عمل الدوبلاج، فقد كان هذا العالم يسحرني أيضاً إلى أن احتككت بمراحل صناعته.

    استدعوني يوماً إلى مكتب أحد المدراء في موضوع خطير، إذ تورطوا بشراء مسلسل للأطفال وبعد الاطلاع عليه تبين أنه مليء بكل ما يمكن تصوره من المحاذير “الرقابية” في حينها، والمصيبة الكبرى أن لا أحد من المترجمين يقبل بترجمته كي لا يُخدش حياؤه. قبلت التحدي، وفاوضت على السعر، وضربت التسعيرة المعتمدة للترجمة كتعويض معنوي عن الضرر الذي سيصيبني جراء ترجمة كلمات بذيئة ومواقف مخجلة، فمن عمل في شركة الزهرة وسبيستوون يعلم تماماً أنه مكان استنزاف دون أي أمل بترفع وظيفي أو تطور على صعيد مهني ومالي، وخاصة للفريلانسرز أمثالي. 

    كان المسلسل عن صبي صغير Titeuf (فرنسي انتاج 2001) يمر من الطفولة إلى المراهقة وما يرافق هذه المرحلة من حب فضول واستكشاف للجسد والجسد الآخر بقالب كوميدي، مشغول بطريقة ذكية تراعي علم نفس الطفل، انتهى به الأمر بمونتاج رقابي صارم وقصة تختلف تماماً عن الأصل بحسب المشاهد المتوفرة والمركبة بالمونتاج للباقي من كل حلقة. مهمتي كانت الأسهل، فأنا أترجم المكتوب “بأمانة علمية”، ولكن أتتخيلون معي ما عاناه كل من المعدّ والمونتير في كل حلقة وهما يركّبان قطع الـ”أحجية”؟

    إنّ كوارث الرقابة والمونتاج في هذه الصناعة وخاصة في العالم العربي تعدّ ولا تُحصى، ألا يكفي مثلاً أن الأمير الذي أنقذ بياض الثلج أو فلّة من الساحرة الشريرة لم يكن عريساً منتظراً أيقظها بقبلة من سبات طويل ليعيشا بعدها بسعادة، بل أخاً لا أذكر إن كان شقيقاً أم لا، لكنه اندفع كالسهم بغيرة تجاه “عرضه” لينقذ أخته فتصبح خلوته بها قرب سريرها شرعية وبدون قبلة. هناك أيضاً قصة الآنسة حكمت، طويلة ورشيقة، شعر طويل ولكنها ترتدي ثيابًا رجالية، نراها دائماً برفقة إحدى طالباتها ذات جديلتين في علاقة غريبة مريبة تعاني الآنسة حكمت فيها الليل دون نوم، إلى أن استنتجت أن الآنسة هي أستاذ واقع بحب تلميذته، لكنه تحول لآنسة في علاقة مشبوهة مراعاة للمحاذير الرقابية المتعلقة بالحفاظ على أخلاق الأسرة من الانحراف في حب طبيعي بين رجل وامرأة لاستبدالها بحب مثلي لا يثير أي تساؤلات. 

    مع تراجع المشاريع القومية واليسارية في أواخر القرن العشرين، وصعود المدّ الديني المحافظ كبديل أيديولوجي، انتقلت الرقابة على محتوى الطفل من الشأن التربوي “البريئ”، إلى ممارسة فكرية تعيد ترتيب الخيال نفسه، وتقصّه على قياس تصور أخلاقي رسمي للعالم. لم يعد السؤال: ما الذي يفهمه الطفل؟ بل: ما الذي يُسمح له أن يتخيله.

    لكنني أعتبر نفسي من جيل محظوظ؛ من شاهدوا قبلة أندريه لأوسكار، وصدرها وهو يمزق قميصها ليذكرها بأنها امرأة قبيل القص والمونتاج. جيل يضحك من رقابة تُحوّل زجاجات الخمر إلى عصير عنب، وتجعل عبد الرحمن في “صقور الأرض” يترنح من السكّر لا من السُكر، كما أسترقّ النظر بفضول لـ “أغراض” طمطم وساسوكي وهما يقفزان عالياً في الهواء قبل أن تُغطّى بشرائط شفافة لا تُخفي بقدر ما تُعلن عن نفسها.

    ****

    بعد انتهاء تجربتي مع عالم الكرتون المدبلج، بدأت بمرحلة أخرى اعتبرتها لسنوات مشروعاً خاصاً بي في محاولة لاستعادة عالم الطفولة البعيد أو الهروب إليه من واقع سوريا- لي، وخاصة بعد 2011. 

    حاولت أن ابدأ بسلسلة من الترجمات لأدب الأطفال الروسي، كوني احتفظ بمكتبة كاملة لونت عالم طفولتي، وأردت بسذاجتي أن أشاركها مع الجيل الجديد، فكلنا نذكر الجهد الجبار الذي قدمته دار النشر الروسية “رادوغا” في حركة الترجمة للعربية التي توقفت مع انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن الموضوع لم يكن سهلاً وخاصة أنني كنت أتعامل مع الهيئة العامة السورية للكتاب. فإضافة للبيروقراطية السائدة فيها حيث يمكن أن تأخذ عملية الموافقة على المخطوط ونشره عامين كاملين بين أخذ ورد، والمراجعات المستمرة، والمكافأة المالية الزهيدة، انتهى المشروع بقرار مني حين قاموا بتعيين مراجع للنص الروسي للتأكد من صحة ترجمتي وأنا التي أتكلم الروسية كلغة أم أولى قبل أن يتعلمها حتى هو.

    مع الوقت أخذ عملي مع محتوى الطفل أشكالاً أخرى أكثر تنوعاً واتصالاً بالإنتاج المباشر، فكتبت قصص الكوميكز، وبرامج ومسلسلات ومسرحيات، كما عملت في الاخراج وكانت تلك هي “المتعة الخالصة” بالنسبة لي.

    أن تحوّل الورق إلى صورة ملونة دون أن تمسك بيدك الألوان، وتصنع شيئاً من لا شيء في دمشق 2013، حيث تتساقط قذائف الهاون عليها كأمطار، حواجز عسكرية تستهلك الوقت والأعصاب، لا كهرباء ولا ميزانية. 

    لكن الدوبلاج ظل يفرض نفسه على مسرح الطفل أيضاً، كاستعارة الممثلين لأصوات الشخصيات من عالم الكرتون، كحلّ جاهز وسريع، بدل البحث عن صوت حيّ خاص بالعرض، مشكلة تطلبت العديد من البروفات للتخلص منها مع عدم قناعة. هذا الاستسهال ينسحب أيضاً على طريقة التعامل مع مسرح الطفل عموماً: رقصات وأغانٍ وتهريج، وقصة تعليمية مباشرة وفجّة، لا تفتح باب التفكير ولا توسّع الخيال، بل تكاد تخنقه. تتكرر الحكايات نفسها والصيغ نفسها، رغم وفرة المادة الغنية الممكن الاشتغال عليها، لكن قلّة فقط مستعدة للبحث خارج الدائرة المغلقة، فيبقى الدوران في الحلقة ذاتها.
    في تجربتي، حاولت كسر هذا النمط، فانتقيت نصاً من طفولتي لا يعرفه أحد، واشتغلت على تحفيز الخيال والابتعاد عن تأطيره بصورة جاهزة، طبعاً أحد أسباب هذا الخيار كانت الميزانية التي لم يكن فيها حيز للديكور، خشبة سوداء فارغة، ممثلين يرتدون السواد مما توفر في مستودع مديرية المسارح والموسيقا، وحدها الدمى ملونة، الإضاءة والموسيقى بنمط الـ “راب”، ففاجأني الكبار بتفاعلهم معها حتى أكثر من الصغار. أعتقد أنني نجحت في صنع شيء مختلف، والمهم أنا راضية تماماً رغم كل الأعراض الجانبية للتجربة.

    كبرنا، وكبر معنا مقصّ الرقيب، وتبدّلت الأصوات، لكنني ما زلت أبحث عن تلك المساحة الأولى: حيث كانت الحكاية تُروى كاملة، والخيال يُترك ليطير وحده. وما زلت أؤمن أن العمل للطفل هو من أصعب أشكال الكتابة والإخراج، لأنه يتعامل مع متفرّج يرى الكذب فوراً، ويملّ من الاستسهال بسرعة. الطفل لا يحتاج نسخة مصغّرة من عالم الكبار، إنما عالماً صادقاً، واسعاً، ومحترماً لذكائه يفتح له النوافذ ولا يغلق عليه القضبان. وربما لم يعد “أبو الحروف” قادراً على إصلاح كل ما أفسده خربوط، لكن المحاولة تستحق.

  • نحو شبكات ثقافية سورية بديلة

    نحو شبكات ثقافية سورية بديلة

    بين النجاة الفردية والعمل الجماعي

    تشهد سوريا إحدى أشد لحظات الهشاشة في المشهد الثقافي منذ عقود؛ فبعد سنوات الحرب والانقسام، تراجعت المؤسسات الرسمية عن أداء دورها في رعاية الثقافة والفنون، بينما وجد الفنانون والمبادرات المستقلّة أنفسهم في مواجهة تحديات غير مسبوقة؛ سواء كانت تمويلية أو تنظيمية أو أمنية.

    في هذا السياق، يصبح التعاون بين المبادرات والمؤسسات الثقافية المستقلة ضرورةً وجوديّة، تفرضها الحاجة إلى الاستمرار، ومسعىً للحفاظ على مساحات الفعل الثقافي والفني في مواجهة الخراب.

     شكّل العمل الثقافي المستقل في سوريا تحديًا منذ عام 2011، إذ عانت المبادرات والمؤسسات الصغيرة من عزلة وتشتت نتيجة غياب الدعم، وامتازت بصعوبة الوصول إلى التمويل حيث كانت العقوبات المفروضة على سوريا تجعل من شبه المستحيل على المبادرات الصغيرة الحصول على المنح، نظرًا لقلة المؤسسات المانحة المستعدّة للتعامل مع الداخل السوري، إضافةً للرقابة والظروف السياسية والأمنية التي كبّلت الحقل الثقافي.

    لكن، ورغم كل العقبات، ظهرت خلال هذه الفترة مبادرات متفرقة من كيانات فنية مستقلة – مسرحية، موسيقية وبصرية – تسعى إلى الاستمرار رغم الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الخانقة، وانطلاقًا من الحاجة المتكرّرة للتعاون بهدف الاستمرارية في الإنتاج الفني، إذ أنّ هذه الكيانات غالبًا ما تعمل بموارد محدودة جدًا، وتواجه صعوبات لوجستية وتقنية تجعل العمل منفردًا شبه مستحيل.

    في عام 2021 جرت محاولة أولى لتأسيس شبكة للتحالفات الفنية في سوريا، تحت مسمى “شبكة التحالفات الفنية”، لتكون مظلة للتعاون المشترك في الإنتاج والتدريب والبحث عن التمويل.

    ضمّت هذه المبادرة كيانات مثل مشروع مراية المسرحي، كورال غاردينيا، بيت الفن، فرقة ليش، وغيرها، وتأسست على بروتوكول تفاهم ينظم العمل المشترك مع الحفاظ على استقلالية كلّ كيان. ورغم أنّ المشروع لم يكتمل، إلّا أنّه شكّل لحظة مهمة أظهرت الحاجة الملحة لبنية تضامنية تدعم الثقافة المستقلة داخل سوريا.

    ما بعد السقوط: بين رفع العقوبات وتخبّط المؤسسات

    مع سقوط النظام وبدء الحديث عن إلغاء العقوبات، تغيّرت المعادلة جزئيًا، بعض المراكز الثقافية الأجنبية بدأت تتحسس الطريق لافتتاح مراكز لها في سوريا مجددًا، في محاولة لـ”جس النبض”.

    في المقابل لم تلعب وزارة الثقافة السورية أي دورٍ يُذكر: إذ انكفأت على نفسها طويلًا، ولم يكن لها وجود فعلي في حكومة إدلب، فيما ظلت بعد السقوط تحت إدارة الوزيرة السابقة لكن بصلاحيات مجمّدة، بانتظار انتقالها للوزير الجديد الذي أظهر منذ البداية افتقارًا لفهم آلية عمل الوزارة أو إدارة الحقل الثقافي. هذه الثغرة جعلت المشهد أكثر هشاشة، وعمّقت الحاجة لبٌنية مستقلة تعوّض غياب المرجعيات الرسمية.

    الحاجة إلى تحالفات جديدة:

    تتضح الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء تحالفات فنية سورية وسط كلّ هذه التحولات، هذه التحالفات لا يُراد لها أن تكون مجرد مظلات إدارية أو تنسيقية، بل فضاءات حقيقية لتقاسم الموارد، مشاركة المعرفة، بناء قدرات مشتركة، والدفاع عن حق الثقافة في الحياة والحرية.
    فالثقافة هي مجال للمقاومة وإنتاج المعنى، ولا يمكن أن تستمر إلا عبر البنية الجماعية التي تكسر العزلة وتعيد للفعل الثقافي موقعه في الفضاء العام.

    في هذا السياق، يصبح التفكير في بناء شبكة ثقافية سورية أمرًا حتميًّا، ليس فقط لمشاركة الموارد والخبرات، بل أيضًا لخلق مساحة تفاوض جماعية مع الجهات المانحة المحلية والدولية، ولمواجهة التحديات المشتركة مثل غياب البنية التحتية، ضعف الوصول إلى الجمهور، والحاجة لتوثيق وإنتاج معرفة ثقافية مستقلة.

    من الأمثلة الحيّة في التجارب المشتركة، تعاون “مشروع مراية المسرحي” مع “كورال غاردينيا” في أعمال مسرحية غنائية أو مشاريع بودكاست توثيقية، تبرهن أن التعاون ممكن وفعّال. لكن المطلوب الآن أن تتجاوز هذه المبادرات حدود الثنائية إلى شكل أوسع من التحالفات الشبكية، القادرة على:

    • ضمان حد أدنى من الموارد التقنية واللوجستية.
    • حماية الاستمرارية في وجه أي انقطاع تمويلي أو سياسي.
    • خلق قوة تفاوضية أكبر أمام المانحين والشركاء الدوليين.

    التحالفات كقوة ضغط:

    التحالفات الثقافية ليست مجرّد تكتلات مهنية أو منصات لتبادل الخبرات، بل يمكن أن تتحوّل إلى قوة ضغط سياسية واجتماعية تدفع باتجاه التغيير.

    في سوريا، قدّم مطلع الألفية مثالًا واضحًا مع ما عُرف بـ “ربيع دمشق”، حين اجتمع عشرات المثقفين والفنانين لإطلاق بيانات ومنتديات، مثل “بيان الـ 99” و “إعلان دمشق”. كانت تلك أول محاولة جماعية لتأطير أصوات المثقفين السوريين في مواجهة السلطة، وصياغة خطاب ديمقراطي بديل.

    هذه المبادرات لم تكن مجرّد مواقف فردية، بل كانت تحالفًا ثقافيًّا فكريًّا، أعاد تعريف دور المثقف والفنان كفاعل في الحقل العام، ومهّد لاحقًا للحظة الثورة السورية.

    ما جرى في سوريا يجد صداه في تجارب عربية موازية. ففي تونس، كان للحركات الثقافية والمسرحية المستقلة دور محوري بعد 2011 في ترسيخ فضاءات النقاش العام، وتحويل الفعل الفني إلى ممارسة سياسية تضغط باتجاه مسار العدالة الانتقالية.

    وفي فلسطين، شكّلت مبادرات مثل “عونة ” شبكات عمل تضامنية تجاوزت الطابع الفني الصرف، لتصبح أدوات دعم مجتمعي في مواجهة الاستعمار اليومي. هذه التجارب تظهر أن التحالفات الثقافية، حين تتجاوز منطق الفردية وتتحول إلى كيانات جماعية منظّمة، تستطيع أن تخلق كتلة ضاغطة حقيقية، قادرة على التأثير في الوعي العام والسياسات على حد سواء.

    ولا ننفي كذلك جدوى الشبكات في توسيع دور الممارسة الفنية الثقافية كشبكة “تماسي” العربية التي جمعت مؤسسات فنون أداء من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتنسيق عروض، مشاريع، تدريب مشترك وتبادل خبرات، إضافة إلى برنامج الدعم والتشبيك التي تقدمها “مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة” حيث تعتمد آليات عملها بشكل أساسي على الشراكات وتقاسم الموارد.

    مثل هذه التجارب تقدم إلهامًا لسوريا في بناء شبكة مرنة، غير مركزية، تحترم خصوصيّة كل مبادرة، لكنها تخلق قوةً تفاوضيّة ومعرفيّة أكبر من قدرة أي مؤسسة بمفردها وطريقًا ممكنًا إذا توفرت الإرادة والرؤية والتنظيم.

    نحو رؤية مستقبلية:

    إن التفكير في شبكة ثقافية سورية اليوم هو استثمار في المستقبل: مستقبل تتقاطع فيه الفنون مع العدالة الاجتماعية، والذاكرة مع التغيير السياسي، والتجريب الفني مع بناء بدائل مستدامة. ولعلّ اللحظة الراهنة، بكل هشاشتها، هي أكثر اللحظات إلحاحًا لالتقاط هذه الفرصة. وبخاصة أنّ المجتمع السوري يعيش اليوم حالة تشظي جغرافي واجتماعي، لكن الفنون بقيت من بين المساحات القليلة القادرة على وصل ما انقطع.

    يكتسب التعاون أهميته من موقع الثقافة في لحظة ما بعد الحرب. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي أداة للمواجهة والشفاء وإعادة بناء الثقة بين الأفراد والجماعات وإحداث أثر ملموس في الفضاء العام. تمتلك المشاريع المشتركة قدرة على إنتاج سرديات جديدة تتجاوز خطاب الثأر والانقسام، وتمنح السوريين فرصة لرواية قصتهم بأصوات متعددة، بعيدًا عن احتكار السلطة أو الاصطفافات السياسية. إنها محاولة لإعادة الاعتبار لوظيفة الثقافة كذاكرة جمعية، وكحقل مقاومة مدني في وجه محاولات المحو والإنكار.

    إن الرهان على التعاون حاليًا في سوريا هو رهان على المستقبل. فهو يسعى إلى تأسيس فضاء ثقافي بديل، أكثر عدلًا وتعددية، يعترف بتجارب الناجين والناجيات، ويعيد وضع الفن في قلب النقاش حول العدالة الانتقالية وبناء السلام.

    من هنا، لا يُنظر إلى التعاون الثقافي بوصفه مجرد تقاطع مهني أو تبادل خبرات، بل كجزءٍ من معركة أوسع لصياغة مجتمع أكثر إنصافًا، يملك القدرة على إنتاج معنى جديد بعد كل ما عاشه من فقدان ودمار.

    وكما كان ربيع دمشق شرارة أمل أعادت تعريف دور المثقف، يمكن للتحالفات الثقافية اليوم أن تكون الشرارة التي تعيد كتابة الحكاية السورية، لا بوصفها تاريخًا من الدم والانقسام، بل كمسار نحو المصالحة والكرامة الإنسانية.