- مقدمة:
أتذكر أنني كنت أنتظر أن يلتفت.
كنت أجلس أمام الشاشة، أترقّب أن أتعرف أخيراً على ملامح وجه شخصية لم ترد أن تريني وجهها، وبطريقة ما، كنت أعرف، كما يعرف الطفل أشياء دون أن يخبره أحد، أن الوجه لن يظهر، ولم يعنني الأمر كثيراً، لكنني كنت أنتظر على كل حال.
كان الانتظار ذاته ليُنجح “غون” في اختبار الصيادين، لأن يسجل الكابتن ماجد الهدف، لأن تتم “ماري” العمل في الحديقة السرّية ولكي يظهر الجسد الطويل لصاحب الظل الطويل، فالظل للطفل لم يكن مجازياً. كم كرهت ذلك الانتظار وأحببت كل تلك الشخصيات وحكاياتهم بلا تحفّظ، بالكيفية الكاملة التي يحبّ بها الأطفال ما يشاهدونه أول مرة، دون أن نسأل من أين جاء، ومن قرّر ما سيصل إلينا منه، ومن قرّر ما لن يصل.
عودة لمن لم يلتفت؛ كان ذلك نبياً، ولم يكن له وجه، كما لم يكن له صوت أيضاً في أحيانٍ أخرى، حيث تكلّم “عنه” من كانوا حوله أو صوتٌ راوٍ أطلعنا عمّا حدث في تلك اللحظة. في كل الأحوال، كان هنالك مساحة كبيرة لمخيلتنا الطفولية لتنتج المعنى الذي نريد، لنعطي الشخصية المخفية بعداً يجعلها أقرب أو أبعد، لا فرق، لكنه سيجعلها مألوفة أكثر، لكننا عموماً، لم نسأل ما الذي كانت تصنعه بنا تلك الشاشة؟
سؤالي ليس نوعياً يتعلق بالجودة أو المتعة، وإنما سؤال فضفاض عن طبقة أعمق من وعينا لن نستحضرها كاملةً مهما حاولنا، لكن يمكننا أن نستقرئ في أثرها علّنا نكوّن سرديّة متناسقةً مع ذواتنا عمّا كان يتشكّل فينا حين كنا نظن أننا فقط نشاهد؟
سيتحدث هذا النص عن نشوء ما يمكن تسميته “بالكرتون أو الأنيميشن الإسلامي” من أفلام ومسلسلات عن حيوات الأنبياء والصحابة حملت طابعاً دينياً وتعليمياً في معظم الأحيان. وذلك بهدف التحليل لا المحاكمة.
- الكرتون الديني: ثلاثة أنماط رئيسية:
النمط السعودي
يعد الإسلام عموماً ديناً متحفظاً فيما يتعلق بالتصوير التشخيصي، غير أنّ موجةً مما يدعى “بالكرتون الإسلامي” بدأت في التسعينات ممتدةً إلى يومنا هذا أضفت طابعاً جديداً حول هذا التصوّر الديني. أفلام كرتون ومسلسلات طغت عليها الهوية الدينية الإسلامية تسعى إلى نشر القيم الإسلامية وتشكيل هوية جمهوره، مما دفع بشكل تلقائي إلى اختلاف في التأويلات حول طريقة العرض وسبل الإنتاج. بقي هذا الاختلاف ملحوظاً ككتلٍ مستقلة غير متجانسة – دون أن تكون متنازعةً للضرورة – جسّدت ثلاثة أنماط إنتاجية مرتبطة كل منها ببيئة ثقافية وسياسية محددة.
خلف النمط الأول نجد إنتاجاً سعودياً يجسّد الإسلام كحقيقة حصريّة. وجد هذا الإنتاج في شركة (Ella) لاحقاً (OK Toons) للمنتج أسامة خليفة المصدر المحوري. تأسست هذه الشركة عام 1992 وشكّلت بشكل فوري مفارقة جوهرية مع المذهب الوهابي الذي يعد تاريخياً المرجع الفكري الأساسي للشرعية السعودية، فالمذهب الوهابي يرفض بشكل قطعي التصوير التشخيصي، مما دفع المنتجين في بداية الأمر إلى توزيع الإنتاج على أشرطة VHS في البداية، بعيداً عن رقابة العلماء الدينيين، في محاولة ل “جس النبض” لم تقابل بالرفض إمّا بسبب محدودية الإنتاج أو بسبب الخطاب الديني الصريح الذي لم يشكّل “خطراً”. كانت السمات البصرية والسردية ثابتة في جميع هذه الأعمال: الفصحى حصراً بوصفها لغة القرآن ورمزاً للهوية الإسلامية، والأناشيد بلا موسيقى آلية لأن الموسيقى الآلية محرّمة وهابياً. على المستوى البصري، الوجوه مرآة الشخصية: المسلم وسيم هادئ، العدو ملامحه حادة وصوته خشن. ثمة معارك مشهدية لكن بلا دماء، والحقيقة الأخلاقية الكبرى أهم من الدقة التاريخية: فيلم محمد الفاتح (1995)، الذي أسس بصرياً لما تمّ إنتاجه فيما بعد، يُقدَّم فتح القسطنطينية بوصفه إنجازاً إنسانياً لا حرباً فقط والأناشيد تتولى السرد في مشاهد المعارك. يتبعه رحلة الخلود (1996) المستوحى من حديث “أصحاب الأخدود”، ثم عين جالوت (1998) الذي تجري أحداثه بين آسيا الوسطى وحلب والقاهرة، ويصوّر المسلمين بملامح وأزياء متماثلة بصرف النظر عن أصولهم العرقية موحياً بأن المسلم واحد بصرياً حيثما كان.
إضافة إلى السرديات التاريخية، يحتوي النتاج السعودي على إضفاء طابع إسلامي على نصوص غير إسلامية أو دينية بالمعنى الدقيق للكلمة، كإضافة مشاهد للصلاة في أحداث ألف ليلة وليلة في علي بابا والأربعين لصاً (1996)، أو في حكايات العم الحكيم (1999) حيث تُعاد كتابة كليلة ودمنة بمصطلحات إسلامية وأناشيد تختم كل حلقة بخلاصة أخلاقية ذات طابع ديني، ولعل الأكثر دلالة هو جزيرة النور المقتبس من حي بن يقظان لابن طفيل الذي يحوّل قصة عن الاهتداء إلى قصة ذات طابع إسلامي صريح يعاد فيه تسمية الشخصية الأساسية ب “عبد الله”، ويتم تقديم اكتشافاته الفلسفية في سياق استقرائي إسلامي بوصفها متوافقة والإسلام.
النمط المصري
بعيداً عن السياق السعودي، نجد في مصر النمط الثاني، الأكثر اعتدالاً، الناشئ تحت رقابة الأزهر. السياق الجوهري لفهم هذا النمط يكمن في منح حسني مبارك صلاحية الرقابة على المحتوى الإعلامي الديني للأزهر، مما يعني أن كل نص كرتون ديني سيعرض على الأزهر بصفته شريكاً غير محايد للدولة في بناء “إسلام رسمي معتدل” في مواجهة التيارات الإسلامية المعارضة. الشركة المحوريّة لهذا الإنتاج هي زمزم ميديا لزينب زمزم، التي بدأت بأنيميشن الصلصال عام 1995 بعملين متزامنين: يونس وأصحاب الأخدود، ثم أنتجت من قصص الأنبياء (1999) في ثلاثين حلقة، والسيرة النبوية (2002) في عشر حلقات. تابع هذا النمط مع سلسلة أسباب النزول (2005-2006)،وصولاً إلى قصص الحيوان في القرآن (2011) بميزانية مليوني دولار تبعتها قصص الإنسان في القرآن (2012)، وقصص النساء في القرآن (2013)، وقصص العجائب في القرآن (2014).
في اختلافٍ واضح مقارنةً بالإنتاج السعودي، الموسيقى الآلية مسموحة في الإنتاج المصري مما قد يعكس الاختلاف التشريعي ما بين الوهابية والشافعية، حيث تعتبر الأخيرة الموسيقى مكروهةً، لا محرّمةً، مقارنة بالأولى. أما الأنبياء، كما الحال في الإنتاج السعودي، فلا يُصوَّرون أبداً تبعاً لقرار الأزهر كما نجد في قصص الحيوان في القرآن حين يجب أن يكون النبي حاضراً في المشهد، يجسّد المشهد الشخصيات المحيطة التي تتحدث إليه، ثم يتدخل الراوي ليقتبس كلامه كحلٍّ بصري يتحاشى المحظور الفقهي لكنه في الوقت ذاته يُنتج صورة ذهنية مخصوصة عن النبي في وعي الطفل: صوت بلا وجه، حضور بلا ملامح.
من زاوية أخرى، توجد في بعض الأحيان عناصر هجينة متسرّبة إلى البنية الإسلامية المتعارف عليها، إذ تظهر في قصص الحيوان على سبيل المثال إشارة الإبهام للأعلى كعلامة موافقة في السياق الغربي، كما يتم بناء الشخصيات بشكل كبير وفقاً لمقاييس جمالية تبدو مشابهة لتلك المستعملة في ديزني حيث يربط الشكل الخارجي بالدور أو المكنون الأخلاقي للشخصية مع ملاحظة مهمة حيث تبنى الشخصيات السيئة وفقاً لدورهم السردي، لا دينهم، كما تحضر المرأة أحياناً بلا حجاب في المواقف الاعتيادية كما في قصص النساء في القرآن، عكس الإنتاج السعودي.
في السياق المصري يلاحظ اختلاف لافت في ظل ما يدعى “بالربيع العربي” بعد 2012. تحت حكم محمد مرسي نلحظ مشاهد تعكس تغيراً في النفس العام العاكس لتوجهات الإخوان المسلمين في السلطة حيث نرى في “قصص النساء في القرآن” مشاهد تحوي إيحاءات سياسية كمشاهد عن قاضٍ يُحاسب الخليفة على الظلم، ومدينة إسلامية مثالية يسودها العدل والمساواة أمام القانون. هذه الإيحاءات لم تبق طويلاً حاضرة على الشاشة، حيث تزامن مع استيلاء السيسي على السلطة مع إنتاج Cairo Cartoon سلسلة علماء المسلمين (2013) بتمويل قطري من قناة JCC اختفى فيه الخطاب الرمزي الإسلامي السياسي في دلالة على قرب الكرتون الديني من اللحظة السياسية عموماً.
النمط “الهجين”:
النمط الثالث نشأ في حيّز مختلف نوعياً؛ نشأ في المهجر جامعاً خليطاً ثقافي يحتوي على المألوف وغير المألوف من عناصر بصرية ورمزية. ممثلاً بـ The 99 للكويتي-الأمريكي نايف المطوع الذي أسس المشروع عام 2006 ك رد على تزايد الإسلاموفوبيا عالمياً بعد أحداث 11 أيلول. أعمال المهجر استقت من كتب بيت الحكمة البغدادي قبل دمار المغول في إحالة رمزية ربّما إلى فقدان “العصر الذهبي الإسلامي” وإمكانية استعادته في الحاضر. المشروع لقا صدىً عالمياً حيث مدحه أوباما في عام 2010 وتشارك في أعمال تعاونية مع DC Comics في قصص جمعت أبطال The 99 بسوبرمان وباتمان.
في هذا النمط نرى بعداً آخر، هجين، عولمي ربّما، يصدّر نتاجاً يجمع ما بين عناصر ثقافية “قريبة وبعيدة” في محاولة لتصدير المألوف وجعل الغريب مألوفاً. يمكننا أيضاً رؤيته في سياق تليين التقليدي ومحاولة تصديره مرمّزاً بعناصر “عالمية”. هذا الدمج أدّى في كثير من الأحيان إلى جدالات مجتمعية حول إمكانية عرض النسخة الكرتونية المتلفزة المعروضة على قناة ام بي سي 3 من سلسلة القصص المصورة، حيث اعتبرها على سبيل المثال المجتمع السعودي والكويتي بأنها تجسّد أسماء الله الحسنى في صور آدمية مما يعتبر إساءة سواء لذات الله أو للدين. عموماً، يحافظ هذا النمط على “قيمٍ إسلامية” جوهرية كالجماعية واحترام الكبار والعدل ويجمعها مع جماليات السوبرهيرو الأمريكي الخالصة، وهو تعبير عن تجربة الشباب المسلم في الغرب لا عن إسلام الداخل العربي.
خلاصة يمكن القول أن الأنماط أو السياقات الثلاثة تتفق على بعض الأشياء التي يمكن أن نعتبرها جوهرية، ألا وهي الفصحى كرمز هوياتي أكثر منه لغة تواصلية، إضافة إلى الاتفاق على عدم التصوير التشخيصي للأفراد الذي يحملون رمزية دينية نبوية أو صحابيّة، لكن، لطبيعة الاختلاف، يمكننا القول أن الأنيميشن الإسلامي في مجمله لم يكن ظاهرة واحدة. فقد ظهر في حقل تتنازع عليه عدة رؤى تتنافس على صياغة “الإسلام الحقيقي” في ذهن الطفل’. فالسعودية تقدّمه حقيقةً حصريةً في مواجهة آخر مُدان أو مستتاب. أما المصرية، تقدّمه اعتدالاً وانسجاماً تحت سلطة الدولة. والديسبورا (إنتاج المهجر) تقدّمه قيماً كونية قابلة للتوافق مع الحداثة الغربية. وكلها معاً بَنَت في وعي الطفل صورة عن الإسلام والتاريخ والآخر لم يسأل أحد عن رأيه فيها. لكن يبقى السؤال هنا في كيفية استقبال الطفل لهذا الاختلاف والتنوع؟ وما أثره عليه؟
- أثر غياب الوجه وملء الفجوة:
عودة إلى ذلك الوجه المخفي نجد خلف الغياب وانتظار الطفل لأن يلتفت ذلك الوجه أو يظهر قراراً ليس فنياً في حد ذاته، بل كان السؤال لاهوتياً وصل إلى طاولة الرسم الكرتوني موعذاً بطريقة تصرّف ما، فالوجه يغيب ويُستبدل بنور أو ظلّ أو زاوية مقطوعة، والغياب كما في الحال السعودي، لم يكن واحداً فالأنبياء غائبون بشكل كامل حيث تجنّبت أعمال Ella الاقتراب من قصصهم وفضّلت التاريخ الإسلامي اللاحق: الفتوحات، السلاطين، الأبطال المسلمون الذين يمكن رسم وجوههم. ما ينتج عن ذلك في النص البصري شخصية تعيش بوصفها غياباً منظّماً. الطفل الذي اعتاد أن يتعرّف على البطل بملامحه وجد نفسه أمام بطل بلا ملامح. وكان على مخيّلة الطفل نفسه أن تملأ هذا الفراغ وجوه مما أشبعت به في كرتون آخر، فالكرتون العربي الديني لم ينشأ في فراغ، بل رافقه على قنوات أخرى في ساعات أخرى نماذج مستوردة تحمل في معانيها وطرق تصويرها مفردات بصرية ومفاهيمية مختلفة.
من جهة أخرى، لم تصلنا مسلسلات الكرتون كما صنعت طبعاً، فالدبلجة في أدبيات الترجمة السمعية البصرية هي فعل إعادة كتابة للعمل. وبالتالي فإن لكل صوت يختار قيمة معينة ولكل مشهد يحذف موقف يتخذ، وإن ما يصل للمتلقي نصٌّ ثالث (غير الأصلي والمترجم) تشكّل في المسافة بين نية المرسل وشرط التلقي. فالأطفال الذين نشأوا على متابعة “جو البطل” تابعوا نصّاً مختلفاً عن تلك عند الطفل الياباني أو الإيطالي الذي صُنع المسلسل بالاشتراك معهم. فقد حُذفت إشارات الكحول وطمست بعض العلاقات، واستبدلت مقاطع الموسيقا، دون أن يعرف الأطفال طبعاً.
تكمن إشكالية هذه الأعمال المستوردة في كونها مصدراً بصرياً يعود إليه الطفل المتلقي لملئ الوجه الذي لا يظهر، وتتضح في البعد الثقافي والدور الرمزي الذي جسّدته هذه الأعمال في “حيّزها” الأول ما قبل الترجمة والدبلجة، خصوصاً وأن الكرتون المستورد كان يعرض الأجساد بحرّية أكبر: جو يتألم، تسيل الدماء من داي الشجاع، والكابتن ماجد يتعب، يتصبب عرقاً ويبكي أحياناً. بمعنى آخر، كانت أجساد أبطاله تحمل التاريخ المادي للصراع، بينما، في المقابل، تعامل الكرتون الديني مع الجسد بحذر مستمر، كأن ثمة خطاً غير مسمّى حول إظهاره في ألمه الحقيقي. الجسد الأهم في المشهد الثقافي كان مخفياً، والأجساد المعروضة بسخاء كانت كلها لآخرين.
لكي أستعيض عن هذا الوجه بغيره مما أرى على قنوات أخرى، أو في مسلسلات كرتون أخرى، كنت أعيش ثنائية غريبة لكنها حتمية، فالأجساد هنا لا تشبهني لكنّ الوجه الأقرب محجوب، وفي الوسط كنت طفلاً يبني علاقته بجسده وبالآخر وبالمقدس من هذه المواد المتناقضة معاً. ما جعل الأمر أكثر تناقضاً وإشكاليّة بالنسبة لي هي المقارنات التي حدثت بشكل عفوي مع المحتوى الديني المدرسي، فالكتب المدرسية لمادة التربية الدينية في سوريا لم تحتوي على أيّ تجسيد تصويري لأي شيء تلقيناه في الحصة المدرسية. بقيت كل الشخصيات التي ذكرت في الحيّز التخيلي، كما بقيت كل الأماكن في الحيّز الجغرافي المجرّد دون أن نرى صورة لغار حراء أو للكعبة حتى.
أتت الشخصيات “المستوردة” التي استقينا منها مصدراً تصويرياً للوجه الغائب في معظم الأحيان من مسلسلات يابانية بشكل أساسي أو غربية أوروبية وأمريكية بشكل أقل، مما أعطانا كأطفال عرب “مسطرة” محددة من الهيئات والأشكال نستعملها في مخيلتنا تجاه وجه النبي الغائب. بحكم أن الكرتون المدبلج الياباني كان “عديم الرائحة الثقافية” كما يصفه Koichi Iwabuchi، شابه في أشكال شخصياته تلك الموجودة في المسلسلات الأوروبية مجرّداً عمداً من العلامات اليابانية الصريحة ليكون قابلاً للتصدير العالمي؛ تركنا هذا الأمر في حيّز تخيلي نستقطب فيه عناصر بعيدة شكليّاً عمّا نراه في حياتنا اليومية لنرى فيها رمزاً ثقافياً دينياً لا يشبهنا بشكل مباشر.
ثمة آلية يصفها فرانز فانون في سياق مختلف تماماً، لكنها تلقي هنا ضوءاً جانبياً لا يمكن تجاهله. في “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” يصف فانون ما يحدث حين يُداوم الإنسان على التماهي مع صور لا تشبهه: يبدأ تدريجياً بالنظر إلى نفسه بعيون تلك الصور. يتشرّب معاييرها لأنها الصور الوحيدة المتاحة للتقليد. نحن لسنا في سياق الاستعمار المباشر الذي يصفه فانون، والمسافة بين سياقه وسياقنا يجب أن تُقرَّ صريحة. لكن الطفل العربي الذي نشأ على ساعات طويلة من كرتون بطلاته بيض أو شُقر أو مرسومين بجماليات يابانية لا تشبهه، تعلّم بطريقة ما أن ينظر إلى نفسه كمتلقٍّ لا كمصدر. كمن يشاهد حكاية الآخرين لا كمن تُكتب عنه الحكايا.
ما عجز الكرتون الديني عن صنعه:
عجز الكرتون الديني، بكل أشكاله عن صنع شخصيات تحمل التباساً حقيقياً. كان الخير خيراً صريحاً و”الشر” شراً واضحاً يمكن فهمه بمفردات يومية أو تعليمية دينية كالشرك مثلاً، والصراع كان دائماً يسير نحو نهاية أخلاقية مُحكمة. تلك الأحكام الضعيفة فنياً كانت شرطاً فرضته النية التربوية للعمل. لا يمكنك أن تُعلّم وأن تترك السؤال مفتوحاً في الوقت ذاته. وحين يُغلق السؤال مبكراً، لا يتعلم الطفل كيف يجلس مع السؤال المفتوح، وهي مهارة ستحتاجها لاحقاً في كل شيء. كذلك عجز الكرتون الديني عن إنتاج شخصية أنثوية فاعلة بصدق. فالمرأة في ذلك الكرتون كانت إما أماً حاضنة أو فتاة تحتاج المساعدة أو استثناءً بطولياً مُبرَّراً بظروف خاصة. الفاعلية الأنثوية الطبيعية، التي تحدث لأن الفتاة تريد أن تفعل لا لأن الظروف أجبرتها، لم تجد مكانها. وهذا الغياب لم يكن بريئاً، كان يُعلّم شيئاً في صمته.
هذا النقص في طرح الأسئلة والميل إلى إعطاء الإجابات بإمكاننا إرجاعه إلى الصفة الأيديولوجية للكرتون الديني. فلم يطرح الكرتون الديني نفسه كأداة تعليمية في الدرجة الأولى كما في خطبة أو كتاب مدرسي، ولكنقدّم مادّة “ترفيهية”، مما يجعله أكثر فاعلية. لكنّه حوّل الخيار الثقافي إلى حقيقة يبدو السؤال عنها غريباً، فهذا المطروح على الشاشة ما هو إلا تأريخ لما حدث، (يمكن ملاحظة هذه الطريقة في الطرح من قبل الأنماط الثلاثة بطريقة مختلفة لكنّها تشاركت على أن المطروح ليس رؤية بل هي “الإسلام”) أما الطفل فلم يكن يعرف أنه يتلقى خياراً واحداً من خيارات ممكنة، بل كان يظن أنه يتلقى الحقيقة الصرف كما هي.
لكن الكرتون الديني، في أحسن لحظاته، فعل شيئاً لم يفعله الكرتون المستورد قط: اعترف بالطفل. أعطاه مكاناً في الحكاية بوصفه مركزاً لا هامشاً. فقد شاهد الطفل تاريخاً يُقال له إنه تاريخه، شعر بالقرب من حكاياته التي سمعها خارج الصندوق المدعو بالتلفاز في المدرسة، ومن أحاديث العائلة والشارع. ولم يكن الكرتون المستورد بهذا القرب قط. كان جميلاً، مشوّقاً، حرّاً، لكنه لم يعترف بي كطفل من تلك المنطقة. الإنصاف يقتضي أن يُقال: هذا الاعتراف جاء مشروطاً بالفصحى التي لا ينطق بها أحد في الشارع، وبالنهايات المحكمة التي لا تشبه فوضى الحياة، وبأبطال لا يتعبون إلا بالقدر الذي تسمح به الرسالة التربوية. كان اعترافاً بصورة ما أُريد للطفل أن يكون، لا بما هو عليه فعلاً.
هنا تكمن المفارقة الأعمق. الكرتون الديني، بأنماطه الثلاثة، لم يكن يُعلّم الطفل عن الدين بالمعنى الإجرائي فحسب، بل كان يُعلّمه كيف يرى. والفارق هنا جوهري: التعليم عن الدين يمكن مراجعته لاحقاً، أما تشكيل طريقة الرؤية يعمل في طبقة أعمق يصعب الوصول إليها. حين يتعلم الطفل أن الخير له شكل محدد وملامح معينة، وأن الصراع له بنية ثابتة تنتهي دائماً بنهاية أخلاقية مُحكمة، فهو لا يتعلم قيماً بل يتعلم نمطاً إدراكياً، يتعلّم طريقة لقراءة العالم تسبق أي محتوى بعينه. هذا النمط الإدراكي هو ما يبقى بعد أن تُنسى قصص الأنبياء وتتلاشى تفاصيل الفتوحات.
- الفصام الهادئ (الخاتمة):
تزامن الكرتون الديني مع كرتون مستورد يعمل بمنطق مغاير تماماً. منطق لا يعلم بالمعنى الصريح ولكن يقدّم نموذجاً مختلفاً لمعاني البطولة؛ أجساد تتألم وتُعافى، شخصيات متناقضة، وعالم لا تتوقف صراعاته بحقيقة أخلاقية ناجزة. وهكذا وقع الطفل أمام الشاشة بين نموذجين متعارضين. ومن انتبه؟
جاء الكرتون الديني ليرسّخ هوية الطفل العربي المسلم وليعطيه مكانه في الحكاية الكبرى، وصل إليه بعد أن كانت أدوات الاستقبال قد تشكّلت بالفعل على يد الكرتون الآخر. لم يكن الطفل يستقبل الرسالة الدينية بوعي نقي، هو كان يمرّرها عبر مصفاة بصرية ومفاهيمية صنعها عالم آخر. هذا ما يُفسّر التجاوب العاطفي المختلف: لم يكن الكرتون الياباني أجمل أو أكثر إتقاناً دائماً، لكنه كان يتكلم بلغة المصفاة ذاتها، فيما الكرتون الديني كان يطلب منه تعليق تلك المصفاة، دون أن يعطيه أدوات بديلة.
ثمة عالمان لا يلتقيان. هذه هي الرسالة التي كنا نتلقاها أطفالاً. عالم المشاعر والإثارة والجسد المتألم، وعالم الدين والقيم والنهايات المحكمة. ولأن أحداً لم يربط بينهما أمام الطفل، تعلّم هو أن يُبقيهما منفصلين. الصلاة في مكان، والكابتن ماجد في مكان آخر. المعجزة في حيّز، والانتصار الدرامي في حيّز مختلف. وفي المسافة بين الحيّزين نشأ ذلك الشعور الغامض بأن ما تعلّمته لا يتطابق تماماً مع ما تشعر به، وهو شعور لا يجد له الكثيرون اسماً حتى اليوم.
وهكذا بقي الوجه غائباً على مستويين: غاب بصرياً حين لم يُرسَم، وغاب أكثر حين رُسم لكنه لم يشبه أحداً يعرفه الطفل، لا في الشارع ولا في المرآة.
ولم نزل كغيرنا من الأطفال ننتظر من ذلك الوجه أن يلتفت!
المصادر المستعملة:
Yves Gambier، أدبيات الترجمة السمعية البصرية
Koichi Iwabuchi، Recentering Globalization
Homi Bhabha، The Location of Culture
Frantz Fanon، Black Skin, White Masks
Omar Sayfo Arab Animation: Images of Identity (Edinburgh University Press, 2021

