Author: علي حويجة

  • الكرتون الديني – أين اختفى وجهي؟ 

    الكرتون الديني – أين اختفى وجهي؟ 

    1. مقدمة: 

    أتذكر أنني كنت أنتظر أن يلتفت.

    كنت أجلس أمام الشاشة، أترقّب أن أتعرف أخيراً على ملامح وجه شخصية لم ترد أن تريني وجهها، وبطريقة ما، كنت أعرف، كما يعرف الطفل أشياء دون أن يخبره أحد، أن الوجه لن يظهر، ولم يعنني الأمر كثيراً، لكنني كنت أنتظر على كل حال.

    كان الانتظار ذاته ليُنجح “غون” في اختبار الصيادين، لأن يسجل الكابتن ماجد الهدف، لأن تتم “ماري” العمل في الحديقة السرّية ولكي يظهر الجسد الطويل لصاحب الظل الطويل، فالظل للطفل لم يكن مجازياً. كم كرهت ذلك الانتظار وأحببت كل تلك الشخصيات وحكاياتهم بلا تحفّظ، بالكيفية الكاملة التي يحبّ بها الأطفال ما يشاهدونه أول مرة، دون أن نسأل من أين جاء، ومن قرّر ما سيصل إلينا منه، ومن قرّر ما لن يصل.

    عودة لمن لم يلتفت؛ كان ذلك نبياً، ولم يكن له وجه، كما لم يكن له صوت أيضاً في أحيانٍ أخرى، حيث تكلّم “عنه” من كانوا حوله أو صوتٌ راوٍ أطلعنا عمّا حدث في تلك اللحظة. في كل الأحوال، كان هنالك مساحة كبيرة لمخيلتنا الطفولية لتنتج المعنى الذي نريد،  لنعطي الشخصية المخفية بعداً يجعلها أقرب أو أبعد، لا فرق، لكنه سيجعلها مألوفة أكثر، لكننا عموماً، لم نسأل ما الذي كانت تصنعه بنا تلك الشاشة؟

     سؤالي ليس نوعياً يتعلق بالجودة أو المتعة، وإنما سؤال فضفاض عن طبقة أعمق من وعينا لن نستحضرها كاملةً مهما حاولنا، لكن يمكننا أن نستقرئ في أثرها علّنا نكوّن سرديّة متناسقةً مع ذواتنا عمّا كان يتشكّل فينا حين كنا نظن أننا فقط نشاهد؟

    سيتحدث هذا النص عن نشوء ما يمكن تسميته “بالكرتون أو الأنيميشن الإسلامي” من أفلام ومسلسلات عن حيوات الأنبياء والصحابة حملت طابعاً دينياً وتعليمياً في معظم الأحيان. وذلك بهدف التحليل لا المحاكمة. 

    1. الكرتون الديني: ثلاثة أنماط رئيسية:

    النمط السعودي 

    يعد الإسلام عموماً ديناً متحفظاً فيما يتعلق بالتصوير التشخيصي، غير أنّ موجةً مما يدعى “بالكرتون الإسلامي” بدأت في التسعينات ممتدةً إلى يومنا هذا أضفت طابعاً جديداً حول هذا التصوّر الديني. أفلام كرتون ومسلسلات طغت عليها الهوية الدينية الإسلامية تسعى إلى نشر القيم الإسلامية وتشكيل هوية جمهوره، مما دفع بشكل تلقائي إلى اختلاف في التأويلات حول طريقة العرض وسبل الإنتاج. بقي هذا الاختلاف ملحوظاً ككتلٍ مستقلة غير متجانسة – دون أن تكون متنازعةً للضرورة – جسّدت ثلاثة أنماط إنتاجية مرتبطة كل منها ببيئة ثقافية وسياسية محددة.

    خلف النمط الأول نجد إنتاجاً سعودياً يجسّد الإسلام كحقيقة حصريّة. وجد هذا الإنتاج في شركة (Ella) لاحقاً (OK Toons) للمنتج أسامة خليفة المصدر المحوري. تأسست هذه الشركة عام 1992 وشكّلت بشكل فوري مفارقة جوهرية مع المذهب الوهابي الذي يعد تاريخياً المرجع الفكري الأساسي للشرعية السعودية، فالمذهب الوهابي يرفض بشكل قطعي التصوير التشخيصي، مما دفع المنتجين في بداية الأمر إلى توزيع الإنتاج على أشرطة VHS في البداية، بعيداً عن رقابة العلماء الدينيين، في محاولة ل “جس النبض” لم تقابل بالرفض إمّا بسبب محدودية الإنتاج أو بسبب الخطاب الديني الصريح الذي لم يشكّل “خطراً”. كانت السمات البصرية والسردية ثابتة في جميع هذه الأعمال: الفصحى حصراً بوصفها لغة القرآن ورمزاً للهوية الإسلامية، والأناشيد بلا موسيقى آلية لأن الموسيقى الآلية محرّمة وهابياً. على المستوى البصري، الوجوه مرآة الشخصية: المسلم وسيم هادئ، العدو ملامحه حادة وصوته خشن. ثمة معارك مشهدية لكن بلا دماء، والحقيقة الأخلاقية الكبرى أهم من الدقة التاريخية: فيلم محمد الفاتح (1995)، الذي أسس بصرياً لما تمّ إنتاجه فيما بعد، يُقدَّم فتح القسطنطينية بوصفه إنجازاً إنسانياً لا حرباً فقط والأناشيد تتولى السرد في مشاهد المعارك. يتبعه رحلة الخلود (1996) المستوحى من حديث “أصحاب الأخدود”، ثم عين جالوت (1998) الذي تجري أحداثه بين آسيا الوسطى وحلب والقاهرة، ويصوّر المسلمين بملامح وأزياء متماثلة بصرف النظر عن أصولهم العرقية موحياً بأن المسلم واحد بصرياً حيثما كان.

    إضافة إلى السرديات التاريخية، يحتوي النتاج السعودي على إضفاء طابع إسلامي على نصوص غير إسلامية أو دينية بالمعنى الدقيق للكلمة، كإضافة مشاهد للصلاة في أحداث ألف ليلة وليلة في علي بابا والأربعين لصاً (1996)، أو في حكايات العم الحكيم (1999) حيث تُعاد كتابة كليلة ودمنة بمصطلحات إسلامية وأناشيد تختم كل حلقة بخلاصة أخلاقية ذات طابع ديني، ولعل الأكثر دلالة هو جزيرة النور المقتبس من حي بن يقظان لابن طفيل الذي يحوّل قصة عن الاهتداء إلى قصة ذات طابع إسلامي صريح يعاد فيه تسمية الشخصية الأساسية ب “عبد الله”، ويتم تقديم اكتشافاته الفلسفية في سياق استقرائي إسلامي بوصفها متوافقة والإسلام.

    النمط المصري

    بعيداً عن السياق السعودي، نجد في مصر النمط الثاني، الأكثر اعتدالاً، الناشئ تحت رقابة الأزهر. السياق الجوهري لفهم هذا النمط يكمن في منح حسني مبارك صلاحية الرقابة على المحتوى الإعلامي الديني للأزهر، مما يعني أن كل نص كرتون ديني سيعرض على الأزهر بصفته شريكاً غير محايد للدولة في بناء “إسلام رسمي معتدل” في مواجهة التيارات الإسلامية المعارضة. الشركة المحوريّة لهذا الإنتاج هي زمزم ميديا لزينب زمزم، التي بدأت بأنيميشن الصلصال عام 1995 بعملين متزامنين: يونس وأصحاب الأخدود، ثم أنتجت من قصص الأنبياء (1999) في ثلاثين حلقة، والسيرة النبوية (2002) في عشر حلقات. تابع هذا النمط مع سلسلة أسباب النزول (2005-2006)،وصولاً إلى قصص الحيوان في القرآن (2011) بميزانية مليوني دولار تبعتها قصص الإنسان في القرآن (2012)، وقصص النساء في القرآن (2013)، وقصص العجائب في القرآن (2014). 

    في اختلافٍ واضح مقارنةً بالإنتاج السعودي، الموسيقى الآلية مسموحة في الإنتاج المصري مما قد يعكس الاختلاف التشريعي ما بين الوهابية والشافعية، حيث تعتبر الأخيرة الموسيقى مكروهةً، لا محرّمةً، مقارنة بالأولى. أما الأنبياء، كما الحال في الإنتاج السعودي، فلا يُصوَّرون أبداً تبعاً لقرار الأزهر كما نجد في قصص الحيوان في القرآن حين يجب أن يكون النبي حاضراً في المشهد، يجسّد المشهد الشخصيات المحيطة التي تتحدث إليه، ثم يتدخل الراوي ليقتبس كلامه كحلٍّ بصري يتحاشى المحظور الفقهي لكنه في الوقت ذاته يُنتج صورة ذهنية مخصوصة عن النبي في وعي الطفل: صوت بلا وجه، حضور بلا ملامح.

    من زاوية أخرى، توجد في بعض الأحيان عناصر هجينة متسرّبة إلى البنية الإسلامية المتعارف عليها، إذ تظهر في قصص الحيوان على سبيل المثال إشارة الإبهام للأعلى كعلامة موافقة في السياق الغربي، كما يتم بناء الشخصيات بشكل كبير وفقاً لمقاييس جمالية تبدو مشابهة لتلك المستعملة في ديزني حيث يربط الشكل الخارجي بالدور أو المكنون الأخلاقي للشخصية مع ملاحظة مهمة حيث تبنى الشخصيات السيئة وفقاً لدورهم السردي، لا دينهم، كما تحضر المرأة أحياناً بلا حجاب في المواقف الاعتيادية كما في قصص النساء في القرآن، عكس الإنتاج السعودي.

    في السياق المصري يلاحظ اختلاف لافت في ظل ما يدعى “بالربيع العربي” بعد 2012. تحت حكم محمد مرسي نلحظ مشاهد تعكس تغيراً في النفس العام العاكس لتوجهات الإخوان المسلمين في السلطة حيث نرى في “قصص النساء في القرآن” مشاهد تحوي إيحاءات سياسية كمشاهد عن قاضٍ يُحاسب الخليفة على الظلم، ومدينة إسلامية مثالية يسودها العدل والمساواة أمام القانون. هذه الإيحاءات لم تبق طويلاً حاضرة على الشاشة، حيث تزامن مع استيلاء السيسي على السلطة مع إنتاج Cairo Cartoon سلسلة علماء المسلمين (2013) بتمويل قطري من قناة JCC اختفى فيه الخطاب الرمزي الإسلامي السياسي في دلالة على قرب الكرتون الديني من اللحظة السياسية عموماً.

     النمط “الهجين”: 

    النمط الثالث نشأ في حيّز مختلف نوعياً؛ نشأ في المهجر جامعاً خليطاً ثقافي يحتوي على المألوف وغير المألوف من عناصر بصرية ورمزية. ممثلاً بـ The 99 للكويتي-الأمريكي نايف المطوع الذي أسس المشروع عام 2006 ك رد على تزايد الإسلاموفوبيا عالمياً بعد أحداث 11 أيلول. أعمال المهجر استقت من كتب بيت الحكمة البغدادي قبل دمار المغول في إحالة رمزية ربّما إلى فقدان “العصر الذهبي الإسلامي” وإمكانية استعادته في الحاضر. المشروع لقا صدىً عالمياً حيث مدحه أوباما في عام 2010 وتشارك في أعمال تعاونية مع DC Comics في قصص جمعت أبطال The 99 بسوبرمان وباتمان.

    في هذا النمط نرى بعداً آخر، هجين، عولمي ربّما، يصدّر نتاجاً يجمع ما بين عناصر ثقافية “قريبة وبعيدة” في محاولة لتصدير المألوف وجعل الغريب مألوفاً. يمكننا أيضاً رؤيته في سياق تليين التقليدي ومحاولة تصديره مرمّزاً بعناصر “عالمية”. هذا الدمج أدّى في كثير من الأحيان إلى جدالات مجتمعية حول إمكانية عرض النسخة الكرتونية المتلفزة المعروضة على قناة ام بي سي 3 من سلسلة القصص المصورة، حيث اعتبرها على سبيل المثال المجتمع السعودي والكويتي بأنها تجسّد أسماء الله الحسنى في صور آدمية مما يعتبر إساءة سواء لذات الله أو للدين. عموماً، يحافظ هذا النمط على “قيمٍ إسلامية” جوهرية كالجماعية واحترام الكبار والعدل ويجمعها مع جماليات السوبرهيرو الأمريكي الخالصة، وهو تعبير عن تجربة الشباب المسلم في الغرب لا عن إسلام الداخل العربي.

    خلاصة يمكن القول أن الأنماط أو السياقات الثلاثة تتفق على بعض الأشياء التي يمكن أن نعتبرها جوهرية، ألا وهي الفصحى كرمز هوياتي أكثر منه لغة تواصلية، إضافة إلى الاتفاق على عدم التصوير التشخيصي للأفراد الذي يحملون رمزية دينية نبوية أو صحابيّة، لكن، لطبيعة الاختلاف، يمكننا القول أن الأنيميشن الإسلامي في مجمله لم يكن ظاهرة واحدة. فقد ظهر في حقل تتنازع عليه عدة رؤى تتنافس على صياغة “الإسلام الحقيقي” في ذهن الطفل’. فالسعودية تقدّمه حقيقةً حصريةً في مواجهة آخر مُدان أو مستتاب. أما المصرية، تقدّمه اعتدالاً وانسجاماً تحت سلطة الدولة. والديسبورا (إنتاج المهجر) تقدّمه قيماً كونية قابلة للتوافق مع الحداثة الغربية. وكلها معاً بَنَت في وعي الطفل صورة عن الإسلام والتاريخ والآخر لم يسأل أحد عن رأيه فيها. لكن يبقى السؤال هنا في كيفية استقبال الطفل لهذا الاختلاف والتنوع؟ وما أثره عليه؟

    1. أثر غياب الوجه وملء الفجوة: 

    عودة إلى ذلك الوجه المخفي نجد خلف الغياب وانتظار الطفل لأن يلتفت ذلك الوجه أو يظهر قراراً ليس فنياً في حد ذاته، بل كان السؤال لاهوتياً وصل إلى طاولة الرسم الكرتوني موعذاً بطريقة تصرّف ما، فالوجه يغيب ويُستبدل بنور أو ظلّ أو زاوية مقطوعة، والغياب كما في الحال السعودي، لم يكن واحداً فالأنبياء غائبون بشكل كامل حيث تجنّبت أعمال Ella الاقتراب من قصصهم وفضّلت التاريخ الإسلامي اللاحق: الفتوحات، السلاطين، الأبطال المسلمون الذين يمكن رسم وجوههم. ما ينتج عن ذلك في النص البصري شخصية تعيش بوصفها غياباً منظّماً. الطفل الذي اعتاد أن يتعرّف على البطل بملامحه وجد نفسه أمام بطل بلا ملامح. وكان على مخيّلة الطفل نفسه أن تملأ هذا الفراغ وجوه مما أشبعت به في كرتون آخر، فالكرتون العربي الديني لم ينشأ في فراغ، بل رافقه على قنوات أخرى في ساعات أخرى نماذج مستوردة تحمل في معانيها وطرق تصويرها مفردات بصرية ومفاهيمية مختلفة.

    من جهة أخرى، لم تصلنا مسلسلات الكرتون كما صنعت طبعاً، فالدبلجة في أدبيات الترجمة السمعية البصرية هي فعل إعادة كتابة للعمل. وبالتالي فإن لكل صوت يختار قيمة معينة ولكل مشهد يحذف موقف يتخذ، وإن ما يصل للمتلقي نصٌّ ثالث (غير الأصلي والمترجم) تشكّل في المسافة بين نية المرسل وشرط التلقي. فالأطفال الذين نشأوا على متابعة “جو البطل” تابعوا نصّاً مختلفاً عن تلك عند الطفل الياباني أو الإيطالي الذي صُنع المسلسل بالاشتراك معهم. فقد حُذفت إشارات الكحول وطمست بعض العلاقات، واستبدلت مقاطع الموسيقا، دون أن يعرف الأطفال طبعاً. 

    تكمن إشكالية هذه الأعمال المستوردة في كونها مصدراً بصرياً يعود إليه الطفل المتلقي لملئ الوجه الذي لا يظهر، وتتضح في البعد الثقافي والدور الرمزي الذي جسّدته هذه الأعمال في “حيّزها” الأول ما قبل الترجمة والدبلجة، خصوصاً وأن الكرتون المستورد كان يعرض الأجساد بحرّية أكبر: جو يتألم، تسيل الدماء من داي الشجاع، والكابتن ماجد يتعب، يتصبب عرقاً ويبكي أحياناً. بمعنى آخر، كانت أجساد أبطاله تحمل التاريخ المادي للصراع، بينما، في المقابل، تعامل الكرتون الديني مع الجسد بحذر مستمر، كأن ثمة خطاً غير مسمّى حول إظهاره في ألمه الحقيقي. الجسد الأهم في المشهد الثقافي كان مخفياً، والأجساد المعروضة بسخاء كانت كلها لآخرين. 

    لكي أستعيض عن هذا الوجه بغيره مما أرى على قنوات أخرى، أو في مسلسلات كرتون أخرى، كنت أعيش ثنائية غريبة لكنها حتمية، فالأجساد هنا لا تشبهني لكنّ الوجه الأقرب محجوب، وفي الوسط كنت طفلاً يبني علاقته بجسده وبالآخر وبالمقدس من هذه المواد المتناقضة معاً. ما جعل الأمر أكثر تناقضاً وإشكاليّة بالنسبة لي هي المقارنات التي حدثت بشكل عفوي مع المحتوى الديني المدرسي، فالكتب المدرسية لمادة التربية الدينية في سوريا لم تحتوي على أيّ تجسيد تصويري لأي شيء تلقيناه في الحصة المدرسية. بقيت كل الشخصيات التي ذكرت في الحيّز التخيلي، كما بقيت كل الأماكن في الحيّز الجغرافي المجرّد دون أن نرى صورة لغار حراء أو للكعبة حتى.

    أتت الشخصيات “المستوردة” التي استقينا منها مصدراً تصويرياً للوجه الغائب  في معظم الأحيان من مسلسلات يابانية بشكل أساسي أو غربية أوروبية وأمريكية بشكل أقل، مما أعطانا كأطفال عرب “مسطرة” محددة من الهيئات والأشكال نستعملها في مخيلتنا تجاه وجه النبي الغائب. بحكم أن الكرتون المدبلج الياباني كان “عديم الرائحة الثقافية” كما يصفه Koichi Iwabuchi، شابه في أشكال شخصياته تلك الموجودة في المسلسلات الأوروبية مجرّداً عمداً من العلامات اليابانية الصريحة ليكون قابلاً للتصدير العالمي؛ تركنا هذا الأمر في حيّز تخيلي نستقطب فيه عناصر بعيدة شكليّاً عمّا نراه في حياتنا اليومية لنرى فيها رمزاً ثقافياً دينياً لا يشبهنا بشكل مباشر.

    ثمة آلية يصفها فرانز فانون في سياق مختلف تماماً، لكنها تلقي هنا ضوءاً جانبياً لا يمكن تجاهله. في “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” يصف فانون ما يحدث حين يُداوم الإنسان على التماهي مع صور لا تشبهه: يبدأ تدريجياً بالنظر إلى نفسه بعيون تلك الصور. يتشرّب معاييرها لأنها الصور الوحيدة المتاحة للتقليد. نحن لسنا في سياق الاستعمار المباشر الذي يصفه فانون، والمسافة بين سياقه وسياقنا يجب أن تُقرَّ صريحة. لكن الطفل العربي الذي نشأ على ساعات طويلة من كرتون بطلاته بيض أو شُقر أو مرسومين بجماليات يابانية لا تشبهه، تعلّم بطريقة ما أن ينظر إلى نفسه كمتلقٍّ لا كمصدر. كمن يشاهد حكاية الآخرين لا كمن تُكتب عنه الحكايا.

      ما عجز الكرتون الديني عن صنعه:

    عجز الكرتون الديني، بكل أشكاله عن صنع شخصيات تحمل التباساً حقيقياً. كان الخير خيراً صريحاً و”الشر” شراً واضحاً يمكن فهمه بمفردات يومية أو تعليمية دينية كالشرك مثلاً، والصراع كان دائماً يسير نحو نهاية أخلاقية مُحكمة. تلك الأحكام الضعيفة فنياً  كانت شرطاً فرضته النية التربوية للعمل. لا يمكنك أن تُعلّم وأن تترك السؤال مفتوحاً في الوقت ذاته. وحين يُغلق السؤال مبكراً، لا يتعلم الطفل كيف يجلس مع السؤال المفتوح، وهي مهارة ستحتاجها لاحقاً في كل شيء. كذلك عجز الكرتون الديني عن إنتاج شخصية أنثوية فاعلة بصدق. فالمرأة في ذلك الكرتون كانت إما أماً حاضنة أو فتاة تحتاج المساعدة أو استثناءً بطولياً مُبرَّراً بظروف خاصة. الفاعلية الأنثوية الطبيعية، التي تحدث لأن الفتاة تريد أن تفعل لا لأن الظروف أجبرتها، لم تجد مكانها. وهذا الغياب لم يكن بريئاً، كان يُعلّم شيئاً في صمته.

    هذا النقص في طرح الأسئلة والميل إلى إعطاء الإجابات بإمكاننا إرجاعه إلى الصفة الأيديولوجية للكرتون الديني. فلم يطرح الكرتون الديني نفسه كأداة تعليمية في الدرجة الأولى كما في خطبة أو كتاب مدرسي، ولكنقدّم مادّة “ترفيهية”، مما يجعله أكثر فاعلية. لكنّه حوّل الخيار الثقافي إلى حقيقة يبدو السؤال عنها غريباً، فهذا المطروح على الشاشة ما هو إلا تأريخ لما حدث، (يمكن ملاحظة هذه الطريقة في الطرح من قبل الأنماط الثلاثة بطريقة مختلفة لكنّها تشاركت على أن المطروح ليس رؤية بل هي “الإسلام”) أما الطفل فلم يكن يعرف أنه يتلقى خياراً واحداً من خيارات ممكنة، بل كان يظن أنه يتلقى الحقيقة الصرف كما هي.

    لكن الكرتون الديني، في أحسن لحظاته، فعل شيئاً لم يفعله الكرتون المستورد قط: اعترف بالطفل. أعطاه مكاناً في الحكاية بوصفه مركزاً لا هامشاً. فقد شاهد الطفل تاريخاً يُقال له إنه تاريخه، شعر بالقرب من حكاياته التي سمعها خارج الصندوق المدعو بالتلفاز في المدرسة، ومن أحاديث العائلة والشارع. ولم يكن الكرتون المستورد بهذا القرب قط. كان جميلاً، مشوّقاً، حرّاً، لكنه لم يعترف بي كطفل من تلك المنطقة. الإنصاف يقتضي أن يُقال: هذا الاعتراف جاء مشروطاً بالفصحى التي لا ينطق بها أحد في الشارع، وبالنهايات المحكمة التي لا تشبه فوضى الحياة، وبأبطال لا يتعبون إلا بالقدر الذي تسمح به الرسالة التربوية. كان اعترافاً بصورة ما أُريد للطفل أن يكون، لا بما هو عليه فعلاً.

    هنا تكمن المفارقة الأعمق. الكرتون الديني، بأنماطه الثلاثة، لم يكن يُعلّم الطفل عن الدين بالمعنى الإجرائي فحسب، بل كان يُعلّمه كيف يرى. والفارق هنا جوهري: التعليم عن الدين يمكن مراجعته لاحقاً، أما تشكيل طريقة الرؤية يعمل في طبقة أعمق يصعب الوصول إليها. حين يتعلم الطفل أن الخير له شكل محدد وملامح معينة، وأن الصراع له بنية ثابتة تنتهي دائماً بنهاية أخلاقية مُحكمة، فهو لا يتعلم قيماً بل يتعلم نمطاً إدراكياً، يتعلّم طريقة لقراءة العالم تسبق أي محتوى بعينه. هذا النمط الإدراكي هو ما يبقى بعد أن تُنسى قصص الأنبياء وتتلاشى تفاصيل الفتوحات.

    1. الفصام الهادئ (الخاتمة):

    تزامن الكرتون الديني مع كرتون مستورد يعمل بمنطق مغاير تماماً. منطق لا يعلم بالمعنى الصريح ولكن يقدّم نموذجاً مختلفاً لمعاني البطولة؛ أجساد تتألم وتُعافى، شخصيات متناقضة، وعالم لا تتوقف صراعاته بحقيقة أخلاقية ناجزة. وهكذا وقع الطفل أمام الشاشة بين نموذجين متعارضين. ومن انتبه؟

    جاء الكرتون الديني ليرسّخ هوية الطفل العربي المسلم وليعطيه مكانه في الحكاية الكبرى، وصل إليه بعد أن كانت أدوات الاستقبال قد تشكّلت بالفعل على يد الكرتون الآخر. لم يكن الطفل يستقبل الرسالة الدينية بوعي نقي، هو كان يمرّرها عبر مصفاة بصرية ومفاهيمية صنعها عالم آخر. هذا ما يُفسّر التجاوب العاطفي المختلف: لم يكن الكرتون الياباني أجمل أو أكثر إتقاناً دائماً، لكنه كان يتكلم بلغة المصفاة ذاتها، فيما الكرتون الديني كان يطلب منه تعليق تلك المصفاة، دون أن يعطيه أدوات بديلة.

    ثمة عالمان لا يلتقيان. هذه هي الرسالة التي كنا نتلقاها أطفالاً. عالم المشاعر والإثارة والجسد المتألم، وعالم الدين والقيم والنهايات المحكمة. ولأن أحداً لم يربط بينهما أمام الطفل، تعلّم هو أن يُبقيهما منفصلين. الصلاة في مكان، والكابتن ماجد في مكان آخر. المعجزة في حيّز، والانتصار الدرامي في حيّز مختلف. وفي المسافة بين الحيّزين نشأ ذلك الشعور الغامض بأن ما تعلّمته لا يتطابق تماماً مع ما تشعر به، وهو شعور لا يجد له الكثيرون اسماً حتى اليوم.

    وهكذا بقي الوجه غائباً على مستويين: غاب بصرياً حين لم يُرسَم، وغاب أكثر حين رُسم لكنه لم يشبه أحداً يعرفه الطفل، لا في الشارع ولا في المرآة.

    ولم نزل كغيرنا من الأطفال ننتظر من ذلك الوجه أن يلتفت!

    المصادر المستعملة: 

    Yves Gambier، أدبيات الترجمة السمعية البصرية

     Koichi Iwabuchi، Recentering Globalization

     Homi Bhabha، The Location of Culture 

    Frantz Fanon، Black Skin, White Masks

    Omar Sayfo Arab Animation: Images of Identity (Edinburgh University Press, 2021

  • السجن كمؤسسة ثقافية

    السجن كمؤسسة ثقافية

    الضرورة الأخلاقية تفرض مدخلها:

    كتابة هذا النص وضعتني أمام أسئلة أخلاقيّة عدّة دفعتني في كثير من الأحيان إلى التفكّر طويلًا بما أنا فاعلٌ أثناء الكتابة، قائلٌ ما بعدها، فما يحتويه النص من آراء وقراءات في أحد المواضيع الأكثر إيلامًا لمن عاشوا في سوريا جعل كل كلمة وفكرة تخضع لساعات من المساءلات الأخلاقية حول مضمونها، خصوصًا في هذه الفترة المحبطة من تاريخ سوريا فيما يتعلّق بملف المعتقلين والمعتقلات. فماذا يعني أن نتناول، نحن الذين لم نَعِش التجربة كاملة، أحد أكثر فصول العنف قسوة في التاريخ السوري؟ ما الحق الذي نملكه في تفسير عذابات عاشها آخرون داخل مساحات اختُطفت فيها اللغة والكرامة والزمن؟ وما الدور الذي يمكن للنص أن يلعبه في زمنٍ يبدو فيه ملف المعتقلين السياسيين أكثر تجمّدًا وبؤسًا من أي وقت مضى؟

    لذا وجب التنويه أن هذا النص كُتب بعد عدّة مقابلات كتابية مع معتقلين ومعتقلات سابقين وسابقات، ويحتوي بشكل أساسي على استقراءات في أجوبة الجميع على ما طُرح من أسئلة، أيّ أنّه يمثّل نتاج هذه التساؤلات دون أن يحمل أجوبة جاهزة. جاء التبحّر في محتوى هذا النص في محاولة لتقديم إطار لقراءة ثقافية/سياسية للسجن، ليس بوصفه استثناءً ضمن السياق السوري، بل بوصفه أداةً مكثّفةً لسلطةٍ قمعية فرضت ثقلها على البلاد لما يزيد عن نصف قرن من الزمن، ليعطي بذلك انعكاسًا قاسيًا للأدوات التي حُكمت بها سوريا في عهد الأسد. هذا النص لا يدوّن شهاداتٍ، لأنّ الشهادات تنطق بنفسها، ولا يدّعي النطق باسم أصحاب التجربة، لأنّ هذه مغالطة لا يحق لأي كاتب الوقوع فيها، لكنه يحاول، بقدر ما تسمح به الكتابة، أن يعاين أثر السجن على الوعي، على اللغة، على المواطنة، على مفهوم الدولة، وعلى الإنتاج الثقافي الذي وُلد في قلب العتمة. 

    سفينة من عيدان الكبريت. الحمزة فاضل. كفرسوسة

    الثقافة المضادة: تشكلها وسياقها.

    يحاول هذا النص من خلال ذلك تأطير ما يُدعى بـ”الثقافة المضادّة” في المجتمع السوري، الثقافة التي لم تأتِ من فضاء حرّ تقليدي من حيث السياق المؤسّساتي، بل تشكّلت همسًا، تحت الأرض، في عوالم معتمة بعيدة حاولت سلطةٌ شموليةٌ حجبها عن الحيّز العام، سواء على الصعيد المادي الملموس أو الرمزي. تشكّلت من الضبط القسري للكلمة، من حاجات البقاء، من شبكات صغيرة من الفاعلية الأخلاقية التي قاومت منطق الشمولية دون أن تعلن نفسها مقاومة.

    كتبت ما كتبت، وحذفت ما حذفت، لكن يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا في عمق هذا النص: كيف نعاين القهر، وما سببه أو “نتج” عنه؟ كيف نسلّط الضوء على الجرح دون تحويل المكتوب إلى استثمار في ألم التجارب، سواء للمعتقلين والمعتقلات وذويهم، خصوصًا وأننا في سوريا ما بعد الأسد لا نزال لمّ نقدر أن نبدأ كمجتمع في طريق العدالة الانتقالية التي نجد في مركزها ملف الاعتقال والتغييب القسري. هذا النص لا يدّعي معرفة لا يملكها، ولا يختزل تجارب أليمة في مفاهيم نظرية، لذلك كان من الضروري التعمّق في المقدّمة، كي لا ينزلق النص في احتمال المغالطات الأخلاقية، وكي يبقى واعيًا لحدوده في عدم كونه شهادةً أو بديلًا عنها، وفي عدم كونه تحليلًا قانونيًا أو سياسيًا شاملًا، بل قراءة ثقافية تنطلق من احترام التجربة، لا من ادّعاء امتلاكها.

    الهدف من هذا النص هو محاولة رسم صورة تعبيرية تحليلية، قدر الإمكان، عن العلاقة بين السجن بوصفه آلة قمع في السياق السوري، وبين النتاج الثقافي الذي نتج بسبب الديناميكية القمعية ذاتها، في مواجهتها، متجاوزًا في ذلك التعبير الفردي، مشكّلًا جزءًا من أشكال السياسة غير المعلنة، وسياسة الذاكرة، وسياسة البقاء.

     هو نص يحاول أن يوضّح كيف أصبح السجن جزءًا من المخيال السوري، وكيف ولّدت قسوته لغة جديدة ووعيًا جديدًا، ليتحرّك هذا النص بعد ذلك بكل محاولاته وتواضعه، وفيما قد يُخفق بأن يقوله، في حيّز من الحاجة إلى حفظ الذاكرة، وصون العهد لتحقيق العدالة لمن استشهدوا، لإنصاف تجاربهم وتجاربهنّ، وفي الوقت ذاته ليتحرّك في حيّز من الحذر من التحدّث بلسان من دفعوا حيواتهم وحيواتهنّ ثمنًا لوصولنا إلى سوريا ما بعد الأسد. 

    لذلك يتحرّك المكتوب بين الوصف والتحليل، بين النظرية والاحترام، وبين الرغبة في الفهم والخوف من تجاوز حدود الفهم. إنّه محاولة لفتح حوار لا لإغلاقه، ولمساءلة الدولة بوصفها بنية قمعية، ولإعادة الاعتبار للثقافة المضادّة التي تشكّلت في مواجهة هذه البنية، والتي ما زالت اليوم، في حاضر سوريا المعلّق، واحدة من أهم أشكال المقاومة الرمزية التي يملكها السوريون والسوريات وأكثرها حاجة للإنصاف. كما أنّه من الضروري جدًّا التنويه إلى أنّ محتوى النص في تحليلاته للمعتقلات السورية يتحدّث عن المعتقلات السياسية في عهد الأسد الأب بشكل خاص.

    عالمُ السجن المُغيب:

    في الصف العاشر، وحين التقطت معي معلمة مادة العلوم كتاب «القوقعة» لمصطفى خليفة، أتذكر أنّ مشاعرَ الخوفِ التي تملّكتني حينها حملت معها ثقلًا رمزيًا لم أكن أدركه بالكامل في تلك اللحظة. ركضت خلف المعلمة التي عبّرت مرارًا، وبعنف ظاهر في لغة الجسد، عن تأييدها لبشار الأسد، محاولًا استرداد الكتاب قبل أن تعطيه إلى مديرة المدرسة.هذا الخوف لم يأتِ من احتمالية عقاب لفظي أو جسدي اعتدنا عليه في المدرسة، بل تجاوز الأمر ليصبح وجوديًا، اصطحب معه ظلال العوالم نفسها التي كتب عنها مصطفى خليفة، تلك التي تسرق الوقت، وتخفي الجسد، وتكدّس الغبار فوق الآثار الشخصية.

    كانت المعلمة على بُعد خطوات قليلة من غرفة الإدارة قبل أن أصل إليها، وقد اقتنعت أخيرًا بإعادة الكتاب شرط ألّا تجد معي أي كتاب غير مدرسي بعد ذلك. وافقت مرتاحًا حينها، وشعرت لأول مرة بالمسافة التي تفصل العوالم السورية عن بعضها.

    فالمعلمة هذه لم تكن على دراية بواقع الإخفاء السوري، بمعتقلاته تحت الأرض، وبحيواته المحجوبة عن الحيّز العام اليومي. لم تعرف أن هذا الكتاب ممنوع في سوريا، وأنه يعرّض حامله للمساءلة على أقل تقدير، وذلك بالرغم من كونها تعبّر بشكل روبوتي عن تفانيها في دعم مسيرة بشار الأسد.

    عدم معرفتها هذا، أو هذا الانكشاف الهائل للبعد الرمزي الثقيل بين عوالم سورية لا تلتقي، بقي عالقًا في ذاكرتي. فالتباعد هنا لا يُختزل بكونها «مؤيدة للنظام» وكوني «معارضًا له»، بل إن العوالم التي جسّدناها في تلك اللحظة لا يمكن أن تتفاعل وتلتقي في فضاء عام واحد.

    فالحيّز العام الذي صاغته السلطة ليس للمشاركة، بل للانضباط والانصياع، ليس للتداول والمعنى، بل للرقابة وإعادة إنتاج الخطاب الواحد. الكتاب الذي أدخلته إلى «الفضاء العام المغلق» أتى من أماكن مادية وفكرية تحاول السلطة السورية إخفاءها وتحييدها وإلغاء أثرها.

    والمعلمة التي جسّدت في تلك اللحظة بنية ذهنية تتحرك ضمن هذا «الفضاء المغلق» لم تكن لتدري بأن «أحياز الظل» تتناقل المعرفة والحكايات سرًا لتشكّل وعيًا يتجاوز الخطاب الرسمي. فهي لم تعرف أن هذا الكتاب يُعد «خطرًا»، لا لأن الخطر غير موجود، بل لأنها تتحرك داخل فضاء عام صُمّم بحيث يمنع المعرفة من التسرّب.

    كتاب «القوقعة» لا يجسّد حالة فردية في السياق السوري. فالقمع الذي دأبت المنظومة الأمنية الأسدية على ممارسته أدى، دون رغبة منها طبعًا، إلى نشوء عوالم تتفاعل فيما بينها في الخفاء، يتعرّض أفرادها للملاحقة والتغييب، ويتابعون هناك، في الظلال، شتى أشكال الإنتاج المعرفي الموازي للخطاب السلطوي والمضاد له.

    تعدّد أشكال الإنتاج تجاوز الأدبي المكتوب أو الشفوي ليشمل صناعات يدوية بدأت بسيطة وتطوّرت حتى أصبحت مهارات ومهنًا خارج السجن للبعض، أو هوايات مورست حتى غدت احترافية في أدائها لترافق أصحابها في حياتهم اليومية بعد السجن.

    على هذا النحو يعاين هذا النص النتاج الثقافي من داخل المعتقلات السورية في عهد الأسد الأب تحديدًا بوصفه نتاجًا موازيًا وامتدادًا لثقافة التخويف. فهو يكشف بشكل غير مباشر حدود السلطة وعلاقاتها المعقّدة مع الإنتاج الثقافي، موضحًا أن ما يحدث داخل السجون ليس استثناءً، بل تكثيفًا لما يجري خارجها.

    الدولة هي ذاتها التي تراقب أجساد المعتقلين كما تراقب اللغة في الإعلام والصحافة والتعليم. الفرق هنا أن النتاج الثقافي يختبئ من الرقابة، ويتحوّل إلى آلية بقاء ومقاومة رمزية، ليكثر همسًا في الخفاء.

    خرز. الحمزة فاضل. كفرسوسة

    مناورات الفعل الثقافي تحت وطأة العنف:

    على اختلاف أشكال النتاج الثقافي السجني في السياق السوري نجد أنّ القمع الممنهج هنا لا يوقف الفعل الثقافي، بل يعيد تشكيله، يغيّر آلياته ويضفي إليه بعدًا آخر يتحدّى الرقابة خالقًا جماليات جديدة قائمة على الإيحاء والإخفاء. السرّية تتحوّل إلى مبدأ جمالي وتوحيدي للتجارب المجابهة بعنف السلطات السياسية وجهدها الدؤوب على قولبة المجتمع كما تشتهي. النتاج الإبداعي من نصوص مكتوبة، إلى حفر قطع شطرنج أو حياكة جُعَب، أو الممارسات اليومية من غناء وتعليم ذاتي أو جلسات نقاشات بمواضيع شتّى، كل هذه الممارسات تصبح فعلًا رمزيًا للبقاء. هي ما يسمّيه ميشيل دو سرتو بـ”تكتيكات الضعفاء”، لتمطيط أشكال الاستخدام الخلّاق للحدود المفروضة.

    هذه العلاقة بين القمع والنتاج الإبداعي في السياق السوري جليّة الوضوح، ومتناقضة في طبيعتها، فمن جهة سعت أجهزة الدولة إلى تقويض الذات المعارضة وتحويلها إلى نسخة فارغة من القدرة على الإبداع الشخصي، لكنها من جهة أخرى أنتجت داخل معتقلاتها مساحةً لا مهرب فيها إلا الخيال والغوص في الداخل. أصبحت اللغة وسيلة بقاءٍ ومقاومة، فتكاثفت، وفقًا لآراء المعتقلين الذين قابلتهم، الممارسات الشعرية والمسرحية والروائية، ليغدو الإخفاء الذي هدف في جوهره إلى تعطيل الفعل والقول محفّزًا “على نحو غير مقصود” لإنتاج خطاب ثقافي بديل. تصبح هذه العلاقة المتناقضة أوضح من خلال معاينة البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أنتجتها ممارسات السلطة “التأديبية”، فالسلطة لا تعمل فقط من خلال العنف المباشر، بل أيضًا عبر الإشراط الإجرائي أو الأدواتي، أي توزيع الخوف على الجسد الاجتماعي، لتصبح نتائج أو “عواقب” الفعل أكثر حضورًا في النفس.

    مقاومة ضدّ النسيان:

     هذه الممارسة تبلغ في السجن حدّها الأقصى من خلال المراقبة الدائمة، والانضباط اليومي، والحجب الكلّي للمعلومات، وتدمير الإحساس بالزمن. لذلك نجد في استمرارية الإنتاج الثقافي بعدًا آخر غير التعبير الإبداعي، إذ تصبح الفاعلية الثقافية وسيلة لتثبيت الوجود في مواجهة المحو.

     يمكن مقاطعة هذا النتاج بما وصفه جيمس سكوت بـ”الخطاب الخفي”، حيث إنّ اللغة التي تنتجها هذه المجموعة المضطهدة في السياق السوري من قصيدة تُقال همسًا، أو حقيبة تُحاك سرًّا، أو مسرحية تُقام خفيةً، أو مقال يُكتب على ورق السجائر، ليست مجرد تعبير أدبي، بل فعل سياسي مضاد، يشوّش من مكانه الخاص أحاديّة الرؤية لدى السلطة الحاكمة، وفعل ثقافي موازٍ أنتجته ديناميكيات القمع “دون قصد”.

     يمثّل الإنتاج الثقافي الكتابي هنا استمرارًا للنشاط السياسي بأدوات رمزية، حيث إنّ النصوص التي كُتبت لم تكن للنشر بالضرورة، بقدر ما كانت لإبقاء الذاكرة حيّة، والصلة مع الذات صحيّة من خلال محاولات لترتيبها ومساءلتها في غياب التماس المباشر مع المشاع العام. بهذا المعنى، يتحوّل الإبداع إلى استجابة أنطولوجية للعدم كما استجابة أنثروبولوجية لمحاولة السلطة الاستحواذ على المعنى، لا إلى مجرّد ردّ سياسي على القهر.

    الفعالية الثقافية تحت الأرض وراء الجدران:

    يقدّم هذا المنظور تحليلًا مغايرًا لوظيفة الفاعلية الثقافية ومنشئها في ظل سلطة شمولية، حيث يغدو النتاج أثرًا لافتقاد الحرية، عاكسًا ديناميكيات إغلاق السلطة للمجال العام وإخضاعه للرقابة الشديدة، لتنشأ ثقافة موازية، أو ما يسميه رانسيير «الحيّز غير المرئي في توزيع المحسوس»هناك، في الظل، تُمارَس الثقافة وتُستعاد الذاكرة، لا لمعارضة السلطة والاستيلاء على آليات الدولة، بل لإعادة تعريف علاقة المضطهد/ة مع آليات اضطهاده/ا. فالذاكرة والإنتاج الثقافي في المعتقل بعدان متداخلان لهما جذر مشترك: مقاومة المحو.

    حين تُقوّض السلطة الحركة وتحجب الخارج بجدران صمّاء وقضبان عالية، فإنها تسعى إلى إبقاء الإنسان المقموع في «الآن»: بلا صوت ولا تاريخ، بلا أمس ولا غد.

     يصبح فعل العودة إلى الذاكرة ممارسة سياسية وأخلاقية، كما يتجاوز الإنتاج الثقافي هدفه التوثيقي ليكون فعلًا وجوديًا يحافظ على الذات من تشرذمها، من أن تعلق في الآن إلى الأبد. للإنتاج الثقافي أبعاد زمنية لا تعرف الحدود المادية، ولا احتكار الذاكرة الجماعية الذي تسعى إليه الأنظمة الشمولية عبر بناء سياق رسمي للتاريخ يحدّد ما قيل وسيُقال، وما نُسي وسيُنسى. فيما تحاول السلطة تحويل الماضي إلى وسيلة للضبط والتهويل، يعيد الإنتاج الثقافي لما مضى بعده التأمّلي النوستالجي ليملأه بشتى ألوان الرحلات الشعورية.

    امتلاك الزمن المأسور:

    إنّ نتاج المعتقلين والمعتقلات قبل وبعد الخروج يمثّل إعادة بناء للذات وللجماعة معًا. فالتجربة التي فُرضت في العزلة والسرّية تُحوَّل إلى شهادة، إلى خطاب موجّه إلى الآخر، يعيد إدخال المحجوب بالقسوة إلى الحيّز العام، حيث إنّ الذاكرة لا تكتمل إلا حين تُروى. هذا النتاج فعل إعادة امتلاك للزمن المفقود. إنّها طريقة لإعادة ترتيب الفوضى الأخلاقية التي خلّفها العنف، ومنحها بنية عقلية قابلة للفهم لتعود إلى أحاديث المجتمع، إلى طرقاته ومدارسه آثارًا غير مباشرة، لتكمل الجزء المحجوب من هوية المكان، وتترك رموزًا في ضوء “الذاكرة الثقافية” كما يقدّمها يان أسمان، الذي يقول إنّ الذاكرة ليست فقط استحضار ماضٍ، بل هي أقرب إلى أن تكون نظامًا رمزيًا يحفظ به المجتمع تجربته ويتناقلها جيلًا تلو جيل. 

    التجارب المقموعة هنا حين “تعود” إلى الحيّز العام نتاجًا يحمل في جعبته ما يحمله من الرموز التي تؤرشف المأساة، وتتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق جماعي، معيدةً لمن يُراد لهم أن يصمتوا موقعهم كفاعلين:ات في التاريخ. تعود مجسّدةً “ثقافة مضادّة مواجهة”. فالمؤسّسة التي سعت إلى إلغاء الذات، وتعطيل اللغة، ومحو الزمن، أنتجت – على نحو غير مقصود – حقلًا ثقافيًا موازيًا.

     هذه الثقافة المضادّة لا تتّخذ شكل بيان سياسي، ولا خطاب أيديولوجي مباشر، بل تتجلّى في ممارسات صغيرة هشّة لكنها شديدة الدلالة، لا لتُفهم كتعويض عن الحرمان، بل كوسائل بقاء، ومحاولات لإعادة تثبيت الإنسان في عالم يسعى إلى تفريغه من المعنى. من كتبت قصيدةً، أو من صنع قلادةً، لا يبحث عن مكان في السياق العام “الرسمي”، بل يتحرّك في الظل، خارج الحقل المؤسّساتي الرسمي وفي مواجهته؛ لا بحثًا عن الاعتراف، بل عن الاستمرار، والتشبّث الصابر بالذات الإنسانية.

    بين الضرورة والجمالية، في نقد النتاج السجني:

    بحكم هذه الطبيعة الإنسانية الجوهرية، يطرح النتاج الثقافي للمعتقلات إشكالية مركزية في النقد الثقافي تتعلق بآليات معاينته. فالمعايير الجمالية تختلف عن المعايير الأخلاقية حين نعاين نتاجًا خرج من الألم والقهر ليقدّم، على سبيل المثال، نصًا روائيًا هو في آنٍ واحد أدب توثيقي. النص الناتج عن المعتقل يعيد تعريف الحدود بين الإبداعي والتوثيقي بشكل مغاير، حيث تقف الغاية الجمالية غالبًا في ظل الضرورة الوجودية، ليتحوّل النص إلى فعل شهادة في محاولة لإنقاذ التجربة من الصمت.

    ازدواجية الخطاب أثناء الكتابة تظهر أيضًا أثناء القراءة، ما يؤدي إلى تشرذم معايير المعاينة. ويتكثّف هذا التوتر في نصوص تحمل قيمة أدبية خاصة، حيث يغيب التركيز على زخرفة اللغة والبنية الأسلوبية، وينتج ما يمكن تسميته «جماليات التقشّف».تصبح الفجوات في النص، والتكرار، والتلعثم، مكوّنات أسلوبية تعبّر عن استحالة القول بقدر ما تعبّر عن الرغبة فيه.

    يتقاطع هذا التصوّر مع ما يسمّيه رولان بارت “الكتابة الصفرية”، أي الكتابة التي تتخلّى عن الزخرفة لتقترب من جوهر التجربة. فحين تغيب كل أدوات الإنتاج، وحين تغيب الحرّية التي تُعدّ أساسًا مركزيًا للإنتاج الإبداعي، يصبح الصدق ذاته شكلًا من أشكال الجمال، لتُقاس القيمة الجمالية بمدى الاقتراب من الحقيقة.

     ذلك لا يعني أنّ القيمة الإنسانية للنتاج الثقافي من المعتقل تلغي ضرورته أو صلبه الجمالي، إذ إنّ المغزى الإنساني لهذه النتاجات قد لا يتطابق مع المغزى الثقافي أو المعرفي العام. بهذا المعنى تتجاوز هذه الإشكالية البعد الأدبي لتصبح سؤالًا في أخلاقيّات فلسفة التمثيل: فكيف يمكن للغة، وهي أداة ناقصة في أساسها مقابل التجربة، أن تمثّل هذه التجربة، وأن تنقلها إلى الحيّز العام، وهي تجربة تصل “حدود المعنى” حيث يتفكّك المفهوم قبل أن يُصاغ؟ إنّ التعذيب، والاختفاء، والعزل، والوحدة القسرية، والتلاشي الزمني ليست أحداثًا يمكن ردّها إلى حبكة أو وصفة، بل هي استراتيجيات تستهدف المعنى، هي أحوال وجودية تقف عند الحدّ الذي تبدأ فيه اللغة الأدبية بالفشل. عند هذه الحدود ينتج ما أسميناه بـ”جماليات التقشّف” أو “جماليّات الحدّ الأدنى”، التي لا تسعى إلى ممارسة جمالية كأولوية، بل تأتي من ضرورة الحفاظ على الذات.

    تظهر هذه الإشكالية أيضًا في النقاش حول “جماليات الألم”، التي تناولتها سوزان زونتاغ في Regarding the Pain of Others. فتمثيل المعاناة يحمل دائمًا خطر تحويلها إلى مشهد جمالي منفصل عن واقعها الأخلاقي، فكيف يُعبّر عن الألم دون أن يُستثمر؟ وكيف يحافظ على صدق التجربة دون الوقوع في فخّ التجميل؟ في هذا المعنى، يتحوّل السؤال الجمالي إلى سؤال أخلاقي، لأنّ الفن الذي يروي المأساة دون مسؤولية نحوها يفقد شرعيته الإنسانية. 

    هذه الأسئلة جوهرية في تعاملنا مع النتاج الثقافي السجني، الكتابي والمادي الحِرفي أو الفكري على حدّ سواء، لأنّ كل تفصيل في هذا النتاج يفترض مسؤولية أخلاقية تستدعي محاسبة داخلية أثناء المعاينة، حيث تغدو الأدوات الأدبية كـ”التجميل” أو “الاختزال”، على سبيل المثال، تهديدًا ممكنًا تجاه إعطاء التجربة حقّها. المعاينة والتعاطي مع هذا النتاج لا يجسّدان “فرجة”، بل “شهادة ثانية”، لا يطلبان “إعجابًا” بل “مسؤولية”، ولا “تقييمًا” بقدر “إصغاء”. ففي هذه المعاينة المعقّدة يتحوّل الجمالي إلى امتداد للأخلاقي، ويتحوّل الأخلاقي إلى شرط للقول. فالنتاج هنا يتحوّل إلى فعل مقاومة، لا لأنّه يتقصّد ذلك، بل لأنّه يرفض الصمت ويبني إرثًا في حيّز معرفي موازٍ له رموزه الخاصة، ليوثّق أنّ تلك التجارب “حدثت”.

    ما بعد الأسد: الذاكرة والعدالة المفقودة:

    في السياق السوري ما بعد سقوط الأسد يمثّل هذا التساؤل أولوية قصوى، فالمجتمع الخارج من قهر عقود طويلة وجد في سياسات السلطة الانتقالية إهمالًا مفرطًا ومؤذيًا تجاه ملف الاعتقال والتغييب القسري، حيث تحوّلت ساحات الجرائم إلى فوضى عامّة، من ضياع وسرقة وثائق رسمية للتجارة بها، إلى دهن جدران سجون حملت ما حملت من شهادات وذكريات. 

    هذا التعاطي قليل المسؤولية مع ملف الاعتقال – إذا افترضنا حسن النيّة – لن يفضي إلى إكرام ذكرى من رحلوا عنّا داخل السجون، ولا إلى معالجة أثر عقود من القهر، كما لن يفضي إلى فهم ما فعله هذا العنف بالإنسان الفرد، وبالمجتمع، وبعلاقتهما مع الدولة والذات. استباحة مسارح الجريمة لتصوير محتوى “تأثيري” لوسائل التواصل الاجتماعي، أو لتحويلها إلى مسارح تصوير مسلسلات قبل أن تعرف عائلات المفقودين مصائر أحبّتها، هذا التعاطي يصرخ بوقاحة أنّ ما حصل داخل المعتقلات وما خرج منها يمثّل حدثًا انتهى دون صلة بالحاضر. فالمسافة الزمنية بين زمن الأسد الأب أو الابن والحاضر السوري ليست مسافة انقطاع، بل مسافة تراكم. 

    كل ما حدث داخل المعتقلات، في الظل، في الحيّز الثقافي الموازي، عليه أن يعود ليأخذ مكانه في الحوار المجتمعي. ربط التجربة بالحاضر ليس خيارًا منهجيًا فقط، بل هو شرط لفهم سوريا اليوم، شرط لفهم علاقتنا بالذاكرة، بالمواطنة، وبالعدالة الممكنة في مستقبل لم يُكتب بعد.

    هنا تلعب الثقافة المضادّة التي نشأت في المعتقلات دورًا محوريًا. فهي لا تطالب بالانتقام، ولا تسعى إلى إغلاق الماضي، بل تُبقيه حاضرًا بوصفه معرفة ضرورية. إنّ هذا النتاج يربط العدالة بالذاكرة لا بالنسيان، ويذكّر بأنّ أي مصالحة لا تقوم على الاعتراف بالتجربة الإنسانية ستبقى شكلية وهشّة. من هنا، لا يمكن التعامل مع النتاج الثقافي السجني كنتاج هامشي، بل كإرث ثقافي وسياسي يفرض نفسه على الحاضر ويطالب بالإنصاف.

     فالعدالة في السياق السوري ليست فصلًا مؤجّلًا أو منفصلًا، بل هي في جوهرها محاولة لاستعادة الإنسان السوري من التشييء الذي مارسته السلطة الأسديّة في حقّه. لهذا يصبح هذا النتاج، بكل ما كُتب وصُنع وما قيل همسًا، أحد أهم مصادر العدالة المستقبلية.

     ففي السياق السوري الحالي، الذي يعيش على حافة زمنين، بين زمن القمع الذي لم يُحاسَب بعد وزمن المستقبل الذي لم يُفتتح بعد، يصبح النتاج الثقافي الموازي مرآة تُرينا ما لا يزال يعمل في العمق: صمت الضحايا، غياب المفقودين، استمرار البنية التي ولّدت السجون، وضرورة مساءلتها. إن قراءة هذه التجارب في “الآن” السوري ليست قراءة من الماضي، بل قراءة في ما لم يُنجَز بعد: العدالة، السردية المشتركة، إعادة تشكيل العقد الاجتماعي. هذا النتاج ليس فقط ما نقرأه، بل هو ما يعيد قراءة المجتمع نفسه، بكونه تخليدًا لمن وهبوا حيواتهم شجعانًا، وبكونه “بوصلة حقوقية” تشير إلى الممكن الأخلاقي والسياسي بعد سقوط النظام، لأنّها تكشف ما حاولت السلطة حذفه، وتعيد صياغة الذاكرة بوصفها أداة للمطالبة بالحق، وبالإنصاف، وبكرامة تُبنى عليها الدولة المستقبلية. إنّ العدالة الانتقالية بعد الأسد لن تتحقّق بمجرّد محاكمة أو لجنة، بل بخلق ذاكرة عامّة لا يمكن التلاعب بها. والنتاج السجني، بهذا المعنى، ليس شاهدًا فقط، بل شريكًا في كتابة هذه الذاكرة.

  • اضطرابات تفارقيّة في مشهد الهوية

    اضطرابات تفارقيّة في مشهد الهوية

    يحاول هذا النص أن يعاين اللجوء السوري من منظور نفسي؛ بشكل أدق، أن ينظر في تشتت الهوية الجمعية الناتج عن التبعثر السوري في العالم ويناقش تقاطعات نتائج هذا التشتت والاضطرابات التفارقية أو الانفصالية (sredosiD evitaicossiD)

    يتحدّث النص عن رحلة الهوية الجامعة ويفترضها شخصاً أو كياناً (لأني أريد أن أتفادى الحديث بصيغة المفرد الغائب الذكر كما هو شائع.)

    سيتخلل هذا النص اقتطاعات. لن تمثّل هذه الاقتطاعات استمرارية موضوعيّةً للنص (وهو المطلوب)، بل ستؤدي دوراً وظيفياً يتماشى والموضوع الأساسي (الاضطرابات التفارقية) أو ما يسمى الاقتطاع.

    أذكر أنّ المحاضرة يومها كانت عن الاضطرابات التفارقية. كما أذكر، لتناقض الأمر، أن تركيزي كان حاضراً دونما انقطاع على غير المعتاد، ولأن هذا الحدث العابر اليومي شاء أن يبقى عالقاً في الذاكرة أو أن يتحول لنصّ ضمن دعوة استكتاب حول “السرديات السّورية”، صادف أن يكون تاريخ هذا اليوم هو ذاته تاريخ خروجي وعائلتي من سوريا قبل عشر سنوات. عقدٌ مرّ على ذكرى الاقتطاع الأول في حياتي، كما كثر غيري لم تسنح لهم الفرصة بأن يكملوا سيرورتهم دونما خلل.

    يتخلل السرديّة السورية حدثٌ لمّا تتبلور نتائجه بعد على ماهية ما يدعى بـ “الهوية السوريّة الجامعة”، ألا وهو المغادرة الجمعية لسوريا، حيث أننا ما زلنا – على تنوّعنا – نعاين عن بعدٍ أبعاد هذا الحدثِ، لأننا، ولحتمية التجرّبة، نجسّد النتائج وننتظر أن نعيش استقراراً ولو كان بسيطاً على الصعيد الخارجي والداخلي، كي نقدر أن نسبر أغوار ما حدث.

    تقول البروفيسورة إن الاضطرابات أو الأعراض التفارقية ترتبط بشكل وثيقٍ بحدثٍ تراوماتي دون القدرة على مواجهته أو استيعابه، ليكون الخروج من الموقف، ولو عقليّاً، الوسيلة الأفضل لحماية الذات من أثر هذا الحدث. وفي ظل حكمٍ دكتاتوري في سوريا امتدّ قرابة الخمسين عاماً تكثّفت فيه سياسات القمع والصّدمات النفسية الناتجة عن العنف، الفقد، أو حالة الذعر المستمرة، لم تكن حركة الخروج مجرّد حدثٍ عارض، بل جزء من كلٍّ سياسي، اقتصاديٍّ ومعيشي لمن لم ينسجموا مع الصيغة المعطاة مسبقاً لكيفية التصرف تحت حكم الأسد. الأمر بسيطٌ، اضطرت هوية المكانِ الجامعة في لحظة ما لأن تغادر، لأن تتبعثر في مختلف أماكن العالم دونما تحضير؛ حدث الأمر فجأة، على عجلٍ وبشكل حتميّ تاركاً وراءه مئات الآلاف من الأفراد (الهويّات الفرديّة) تتخبّط في احتمالات الغد، وتمثّل في ذات الوقت الاقتطاع الذي حصل، تجسّد التغييرات الناتجة عنه.

    اقتطاع أول:

    في ساحة جامعتي المستقبليّة

    الفتاة الشقراء التي تقفز على حبل،

    الشاب الذي ينشز بصوته صمتي،

    شجرةٌ اتكأت عليها،

    حبات المطر الخفيفة،

    الشمس الخجولة،

    غياب صوت الحرب،

    تفاصيلٌ مثقلةُ بالغياب، والبعد. تفاصيل غريبة

    وأنا – في الحنين –

    كنت أحاول ثني الهواء لأختفي. 

    وجدت هذا النص مؤخراً في إحدى دفاتري، وانتابني شعورٌ بالوضوح حينما قرأته، كأنني أقرأ رسالةً عابرةً للزمن منّي إليّ. ثني الهواء للاختفاء، غرابة التفاصيل المحيطة، والميل إلى تشويهها والانسلاخ عنها، ما هي إلا دلالات الانفصال الذي حدث، خصوصاً وأن عمري حينها كان شهرين فقط بعيد المغادرة. 

    تشمل الاضطرابات التفارقية أعراضاً كانفصال عن الذات (noitazilanosrepeD) أو انفصال عن المحيط حيث يعاش كغير واقعي أو مفهوم (noitazilaereD) . أعراض يمكن استشفافها في كثير من التعابير المستخدمة من شفاه سورية في التعبير عن واقعها اليومي، كالشعور بالانفصال عن الجذر، أو الشعور بفقدان جزءٍ من الذات وسط تفاصيل مكانية تبدو بعيدةً رغم قربها المادي وكأنما الفرد يقطن عالماً مزدوجاً: حاضرٌ غير مألوف لمّا يغدو أليفاً لطيفاً بعد، وماض لمّا “يكتمل” بعد؛ لا يأنف أن يكون قريباً رغم بعده. في الترحال ما بين التفاصيل المألوفة والمفروضة تغدو هذه الهوية الجمعية عرضةً للتعب، عرضةً للتنافر في مكوناتها، لا كلل في محاولاتها اختبار شعور الاستمرارية الذي يبدو دوماً أقرب مما هو عليه في الواقع.

    الذاكرة السورية تضمر يوماً بعد يوم، تغدو أبعد وأفقر تفاصيلاً، بالرغم من محاولاتها الدؤوبة بأن تحضر من خلال استعمال أصناف بهارات، زيارة موسيقى قديمة، زراعة نباتاتٍ محددة على “البلكون” أو إضفاء “طابعٍ سوري” على مكان السكن. تبقى هذه المحاولات هزيلة، غير مجدية في الإقناع بأن ما نعيشه اليوم هو امتداد بما عشناه قبل الخروج. على سبيل المثال، في الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها سمعت وقرأت ممن ذهبوا بزيارة قصيرة إلى سوريا بعيد سقوط نظام الأسد بأن الشاورما هناك لها طعم مختلف تماماً، وهذا طبيعي بكل تأكيد، أقصد أنّ الذاكرة الأبعد زمنياً ستصبح على كل حالٍ أضعف في لحظة ما، لكنّ الذاكرة حين يتخللها حدث يعطّل استمراريتها ويقسمها نوعياً إلى “ما قبل” و”ما بعد” الحدث، تضطرب، لا إرادياً، في محاولاتها للوصول لما هو هناك على الضفة الأخرى من هذا الحدث، من المغادرة، كما هو الحال في الاضطرابات التفارقية حيث تبدو الأحداث وكأنما تنتمي إلى “زمنٍ ضائع لا يعود”[1]، إلى عالمٍ مختلف كنّا فيه هويّات شديدة البعد عن الآن، تظهر في ومضات وصور مشوشة غير قادرةٍ على أن توحي، أو تمنح شعوراً بالاستمرارية. الأمر لا يمثّل نسياناً طبيعياً، ويغدو مؤلماً، صارخاً وحدثاً جللاً حينما نعود إلى المكان، إلى سوريا، ولا نجد أنفسنا.. لأننا لم نستمر. نشعر بالاغتراب، نحن من نهيم على وجهنا جماعةً في بحثنا المستمر عن ذواتنا المشتركة.

    كذا هو الأمر أيضاً في الاضطرابات التفارقيّة؛ يصبح الجسد الذاتي غريباً. يحتاج وقتاً وجهداً لكي يبقى أو يعود مألوفاً وقد لا يعود، كما تنظر الهوية السورية المغادرة إلى ذاتها سابقاً كحدثٍ ضبابي لا متجانس مع سيرورة الواقع الحالي، كأمرٍ حدثَ في مكان ما لم أعد أشبهه أو يشبهني، لكنّه يرافقني في صفاتٍ كاسمي مثلاً أو لغتي الداخلية. اغترابٌ آخر. اغترابٌ داخلي حين تعود الهوية السورية إلى الجغرافية السوريّة لتجد أن العملة أصبحت غير مفهومة، وأن الطرقات تغيّرت والحيّ التي ترعرعت فيه قد اكتسب صفاتٍ جديدة خاليةٍ من أثرِها. تدرك الهوية حينها أن الانفصال لا يتعلق فقط بمفهوم الوطن كمساحة ماديّة، بل يمتد إلى الشعور بفقدان “الجسد السوري” ما قبل الاقتطاع، ما قبل المغادرة؛ بمعنى أن الذاكرة الجسدية – الإحساس بالشوارع، الأصوات، الروائح – تستدعي الاستمرارية وتبهت مع الزمن دونها. تدرك الهوية حينها أن شعور الانتماء يتمنى أحيانا وبحزن عميق لو أنّ شيئاً لم يتغير، لو أنّه قد عاد إلى ما تركه ليجده على حاله.

    اقتطاع: كتبت هذا النص القريب جداً من قلبي حينما عدت إلى انتمائي في لحظة ما ولم أجده:  

    حاذري “المضي”، الطريق شديد الانتحار

    الانحدار

    الانحدار

    حاذري “الحياة”، الطريق شديد الانحدار

    الانتحار

    الانتحار

    حاذري المضي، الطريق شديد الانحدار

    الحياة!

    الانتحار؟

    حاذري الحياة، الطريق شديد الانتحار.

    الطريق!؟

    تصل البروفيسورة في شرحها عن الاضطرابات التفارقية إلى تلك حيث يعيش الشخص بعدة هويّات تختلف فيما بينها بالتواصل مع المحيط، أي في طريقة التفكير، في الوجدان، في اللغة وأسلوبها، في الذاكرة المرافقة، في التصرفات والانفعالات، ليجسّد هذا الانتقال بين الهويّات المختلفة آليّة عكسيّة دفاعية للبقاء، لمواجهة الواقع، للتكيّف مع سياقاتٍ مختلفة قد تتناقض فيما بينها. في التجربة السوريّة نجد أن القفز ما بين الهويَات وفقاً لمعطيات المحيط يكاد يكون تلقائياً من المنظور الفردي لضرورته في الانسجام مع التفاصيل، لكنّه يجسّد في ذات الوقت الانقطاع الذي نصادفه ونتكلّم عنه دوماً في الاضطرابات التفارقية. أيضاً من منظورٍ خارجي، من منظور الآخر، الهوية السورية التي لم تغادر تصنّف تلك التي غادرت بأنها بعيدة نوعيّاً وتمثّل اختلافاً. كما هو الحال بالنسبة للهويات السورية المغادرة، فالهوية السوريّة – الألمانية تختلف عن السورية – التركية، أو الهولندية، أو الأردنية والبرازيلية في حيواتها اليومية، لغاتها، مشاعرها ومختلف تفاصيلها حدّ الانقطاع.

    اقتطاع بعيد هروب الأسد:

    صديق: يا ريت فينا نبدّل الأماكن، اللي ضلّو جوا يطلعو عشر سنين لبرا، يعيشو اللي عشناه، واللي طلعو لبرا يرجعو لجوا سوريا عشر سنين، يتحمّلو اللي تحمّلوه اللي ضلو. كل ما فكر باللي بقيو بشعر بخجل واحترام هائل بسبب اللي اضطرو يتحملّوه. لا كهربا، لا مي، ولا أي مقومات للحياة. طبعاً ما عم قول انو هون بالخارج كنّا عم نعيش نزهة. بس اللي عاش غير اللي سمع.

    صديقة: ما بدي حدا يحكي عني، انا ضلّيت بالبلد وعشت اللي ما عاشوه كتار هلق يلي عم يحاولو يحكو عني وعن تجربتي.. تجربتنا كلنا يلي بقينا. من بعد ما صار عندن المصادر والوسائل انهم يطورو من حالهم برا جايين بعد سقوط النظام ياخد مساحات أصوات يلي ضلو. مش عدل هالشي، ولا بدي حدا يقلي عن معاناة البيروقراطية والعنصرية والعيشة بالمجتمع الأبيض لما فيك تشحن موبايلك وتدفي حالك ايمتا ما بدك. بكره اللي بيفرضو عليي بحديثن صيغة ما أنا عشت شي مختلف عنها. لازم نعترف بهاد الاختلاف ونشوفو ونصدق انو ما عنا نفس التجربة.

    سيحتاج الأمر الكثير من الصبر والجهد والحوار المستمر لكي تتكوّن صورة أوضح لماهيّة ما يدعى بهوية المكان الجامعة، وما يزيد الأمر صعوبةً هو غياب المساحة للتفكّر في ممارسة التنوع الإثني، الطائفي أو العرقي للمجتمع السوري في حقبة حكم الأسد الأب والابن على حدّ سواء، حيث دأبت جهود السلطة إلى صبغ “الهوية الوطنية” بلون الحزب الواحد، دونما إعطاء الفرصة للمكونات المجتمعية المتغايرة بأن تتفق أو تختلف حتى فيما بينها لكي تعطي نتاجاً ما. “التجانس” المفروض كان قسرياً، خاضعاً للخوف من التغييب من قبل السلطة في حال الحياد عمّا ارتآه حكم الحزب الواحد صحيحاً، حتّى أصبح الخوف ربّما هو العنصر المشترك الأوحد على امتداد الجغرافية السورية؛ جمعنا لكنّه فشل في أن يوّحدنا. كما أن هذا التجانس المفروض عمد على إقصاء “قانوني” لمكوّناتٍ مجتمعية من القدرة على التأثير في الحياة السياسية – حال وجدت – كما أنكر مكنونات هويّات ثقافية عديدة، كما هو الحال فيما يتعلق بالمكوّن الكردي أو الفلسطيني-السوري على سبيل المثال لا الحصر ودون الخوض في تفاصيل إضافية، لأن هذا الموضوع يتطلب نصّاً مفصّلا آخر.

    تتحدث البروفيسورة في نهاية المحاضرة عن أساليب العلاج للاضطرابات التفارقية، وتركّز على أهمية السّرد لدوره في ترميم القطع وإضفاء شعور باستمرارية الهوية، بتناسق وتكامل مكوناتها التي أوصلت إلى الآن. في التجربة السوريّة يبقى الأمر مشابهاً، بل وملحّاً أكثر من أي وقت مضى منذ اللجوء، منذ الثورة، منذ استلام الأسد الأب، منذ خروج المستعمر الفرنسي؛ المجتمع السوري بحاجة أن يتكلم، أن يدخل في حوارٍ صبورٍ ليعاين هول المصيبة وليعيد ترميم ما خُرّب دونما عناية منذ 2011 على أقلِّ تقدير، بل وليكوّن للمرّة الأولى ربما نواة هويّة جامعة منصفة لجميع مكوّناتها. الأمر ليس “بسهولة” سردٍ زمنيٍّ للماضي، بل هو أقرب لحياكة نسيجٍ من التجارب، والمشاعر، والاكتشافات والنتائج المستقاة من هذا الألم كله كي نصل إلى سياقٍ ما في ظل هذه الفوضى، كل نعرف ما فقدنا وما اكتسبنا، وكي نكرّم ذكرى من فقدنا؛ من قدّموا أنفسهم/ن كي نصل إلى هذا اللحظة.

    في حالات الانفصال، تحاول المعالجة النفسية تكرار اسم الشخص بهدوء، كي يعود إلى اللحظة الآنية..

    لنكرر أسماءنا بهدوء

    لنكرر أسماء من رحلوا بهدوء

    لنكرر وجودنا بهدوء

    لنصل معاً

    بهدوء.


    [1] درويش

    صورة الغلاف © أوس حويجة، ٢٢٠٢