من غيّر قواعد ألعابنا؟ كيف سرقت العلامات التجارية ساحات اللعب؟

ما زالت نغمةُ إعلانِ «نيوبوي» ترنُّ في أذني، تلك النغمةُ التي تظهر في الأوترو بآخرِ الإعلان، والتي دفعتني لزيارةِ متجرِ «نيوبوي» في حلب منذُ فترةٍ قريبة، من بابِ الفضول. حينها استفقت على ذكرياتي وحروبي للحصولِ على ألعابِه.

 أذكر فرحي تمامًا الآن، حين اشترى لي أبي سيارة «سابق ولاحق»، كانت في علبةٍ أنيقةٍ وبألوانٍ جميلةٍ وتصميمٍ مبهر، لكنّي حين أخذتُها معي إلى المدرسة لبدءِ التحدّي، فوجئتُ بأنّ صبيّا معنا في الصف ترفّع عن اللعبِ معي، لأنّ سيارتي غير أصليةٍ وقد تُكسر في الحال عند أيّ نزالٍ بسيط، بينما سيارته أصليةٌ وصلته كهديةٍ من خاله من «نيوبوي» في السعودية.

حين عدتُ إلى المنزل، فتحتُ علبة معدّاتي، وهي علبةُ حلوياتٍ قديمةٌ فيها قطعُ تبديلٍ من ألعابٍ تالفة، وبدأتُ بتعديلِ السيارة لتكون أقوى. فكرتُ بوصلِ محرّكٍ ثانٍ، لكن جسم اللعبة لمّ يتّسع له، فقرّرتُ حينها تغيير المسنّناتِ الخارجيّةِ البلاستيكيّة لأضيف عناصر حادّةً تؤذي سيارات المتسابقين، تمامًا كما في الكرتونِ الأصلي. وقد وصل بي الأمر إلى إضافة شفرات حلاقةٍ على حوافّ السيارة، إلّا أنّها فشلت عند الاختبار.

بينما أستذكرُ تلك الأيام، أرى أنَّ طفولتنا قد عاصرتْ ثلاثَ مراحل أساسيّةٍ من الكرتونِ والألعاب:

  • المرحلةُ الأولى: وفيها الألعاب الجماعيّة القديمة التي يطوّرها الطفلُ بخيالِه، مقابل محدوديّةِ انتشارِ الكرتون، وذلك ضمن الفضائيّات المحليّةِ التي تعرضُ بعضَ الكرتونِ المدبلج والبرامجَ المحليّة في ساعةٍ محدّدةٍ يوميًّا، أغلبها كان تعديلاتٍ على ألعاب قديمة، حافظت على نفس شكلها ولكن أضيفت عليها عناصر جديدةَ للحكاية مستوحاة من ذاكَ الكرتون.
  • المرحلةُ الثانية: الثورة الرقمية، وثورةَ الألوانِ والتنوع، حين دخلتِ الفضائيّاتُ منازلنا، ووجدنا «سبيستون» وغيرها من القنوات ببرامجِها ودبلجتها بديلًا عن برامج القنوات التلفزيونيّة المحليّة. وهنا بدأ تأثيرُ الكرتونِ وحكاياته يظهرُ في مخيالِ الطفل بشكل أكثر فجاجة، فهو يحركهُ ويكونه، من خلال ألعابِنا المرتبطةِ بالحكايا شبهِ التقليديّة، مثل ورقِ اللعبِ الذي كنّا نشتريه أو نحصلُ عليه كهديةٍ مع البسكويت، ارتبطَ كلّ شيءٍ تدريجيًا بالكرتون.
  • المرحلةُ الثالثة:  ظهور شركاتِ التوزيعِ والمتاجرِ العالميّة وإعلاناتِها المميّزة على قنواتٍ مثل «سبيستون». وهنا بدأتِ اللعبةُ الاقتصاديّة، حين أصبحتْ جميعُ ألعابِنا مستوحاةً من الكرتون ومرتبطةً بسلاسلِ توريدٍ عالميّة، وبات الطفلُ بذلك يشتري الحكايةَ كمنتج.

لكن كيف حصلَ التغيير؟ وكيف أثّر علينا كأطفال؟ دعونا نكتشفُ ذلك!

وداعًا للألعابِ المحليّة

كانت الألعاب شكلًا من أشكالِ البيئة الثقافيّةِ المحليّة وامتدادًا للحياةِ اليوميّة، فكانت تصنع من موادٍ متوفّرةٍ في أيّ حيٍّ “أحجار، حُفَر في التراب، طبشورٌ للرسم على الأرض”، كما أنّ قواعد اللعبِ كانت تتناسبُ مع مكانِ اللعب وبيئتِه، لذلك تراها تتغيّرُ مع تغيّرِ الأجيال، كما أنّها أحيانًا قد تختلفُ بعضَ الشيءِ من حيّ لآخر، إذ يمكنُ أن نعتبرها، في الجوهر، ممارسةً اجتماعيّة ثقافيّة.

انسحبتِ الهويّة المحليّة للألعابِ تدريجيًّا مع ظهورِ الألعابِ المرتبطةِ بالكرتون، لتظهرَ الشخصيّات المحميّة بحقوقِ ملكيّةٍ بقصّةٍ وشكلٍ واضحَين، مع نسَخٍ حصريّةٍ غيرِ قابلةٍ للتعديل أو التوطين. فقيمةُ اللعبةِ أصبحت مرتبطةً باقتناءِ المنتج الأصليِّ نفسِه.

قدّم الفيلسوفان «تيودور أدورنو» و«ماكس هوركهايمر» في كتابِهما «جدل التنوير»1944 مصطلح “صناعة الثقافة” والذي يعني أنّ الثقافةَ أصبحت نظامَ إنتاجٍ متكاملًا يصمم المحتوى فيه وفقَ منطقِ السوق. القصةُ، الشخصيةُ، وحتى العالم الخياليّ، جميعها عناصرُ في نظام إنتاجٍ هدفُه النهائي توسيع دائرة الاستهلاك.[1]

لقد أصبحت الشخصيّات جاهزةً تصل من خارجِ السياق المحليّ، ليكون الطفلُ مستوردًا ومستهلكًا مستهدفًا لدى صنّاعِ الرموزِ الثقافيّةِ العالميّة، بدلًا من أن يكون منتجًا لها. ويمكنُنا أن نرى ذلك بوضوحٍ من خلالِ شخصيّات الكرتون التي لم تعد مجرّد قصّة، فهي شخصيّاتٌ قابلةٌ للتحويلِ إلى منتجات. بذلك تتغيّرُ حتى نظرةُ الطفلِ للألعاب، إذ يُصرّ على اقتناءِ نسخها الأصليّة، والتي غالبًا ما تكونُ ذاتَ سعرٍ مرتفعٍ مقارنةً بالبدائل الأرخص ذاتِ المنشأِ المحليّ أو الصينيّ أو حتى الألعابِ التقليديّة.

بذلك نرى أنّ تغيّر الألعاب تعدّى كونه تغيّرًا في نوعِ الترفيه، إذ بات الطفل جزءًا من تحوّلٍ ثقافيٍّ أوسع، وانتقلت طفولته من الفضاء المحليّ إلى فضاءٍ عالميٍّ مليءٍ بالرموز والألعابِ التي تُستهلكُ في كلِّ مكان.

الطفولةُ كجزءٍ من اقتصادِ الامتيازات

شكل انتشارُ الكرتون في العالمِ العربيّ ظاهرةً إعلاميّةً وثقافيّةً في المنطقة، وأيضًا سلسلةً اقتصاديّةً مترابطةً تبدأ بإنتاجِ الأنمي في اليابان، ثم دبلجتِه وعرضه عبر قنواتٍ مثل «سبيستون»، ثم تسويقِ منتجاتِه عبر شركاتِ الألعابِ والمتاجر؛ ليصبح الكرتونُ محتوى ترفيهيًّا وأيضًا محرّكًا اقتصاديًّا لصناعةٍ كاملةٍ تقوم على تحويل المخيالِ الطفوليّ إلى سوقٍ استهلاكيّةٍ واسعة.

كان ذلك أيضًا ظهورًا متأخّرًا لنموذجٍ عالميّ قائمٍ أصلًا على تحويل الشخصيّات الكرتونيّةِ إلى منتجاتٍ استهلاكيّة، حيث أصبح المسلسل الكرتونيّ أداةً لبناء العلامة التجاريّةِ للشخصيّات، بينما تتحقّق الأرباح الأساسيّةُ من المنتجات المرتبطةِ بها، مثل الألعابِ والملابس والأدواتِ المدرسيّةِ والبطاقاتِ والمنتجاتِ الغذائيّة.

يحكمُ هذا النموذج سوق الكرتون والألعابِ عالميًّا من خلالِ سلسلةٍ من التراخيصِ والشراكات، إذ تمنحُ شركاتُ الإنتاجِ ترخيصًا لإنتاجِ الألعاب والمنتجاتِ وتوزيعِها. وهذا ما نراه في شركة «Toei Animation» المشهورةِ بإنتاج «أبطال الديجيتال» و«دراجون بول»، وشراكتِها مع شركة «Bandai» لإنتاجِ الألعاب. كما نراه كذلك في شركة «d-rights» المنتجةِ لمسلسل «بي بليد»، وشراكاتِها مع «Hasbro» و«Sunrights» لإنتاجِ وتوزيعِ المنتجات.

في السياقِ العربيّ، ظهرت قناةُ «سبيستون» كأحد أهمّ الفاعلين في تشكيلِ هذا الاقتصاد في المنطقة. فالقناةُ التي أطلقت بثّها الفضائيّ عام 2000 اعتمدتْ بشكلٍ أساسيٍّ على استيرادِ الأنمي اليابانيّ ودبلجته إلى العربية[2]، مستفيدةً من موجةِ الانتشارِ العالميّ لهذا النوع من الرسومِ المتحرّكة. وقدّ لعبت مجموعة «سبيستون» دوراً محورياً في هذه العملية من خلالِ شراءِ حقوقُ البثّ والترخيصِ وتوزيع الأعمال اليابانيّة، ما جعلها من أبرزِ الوسطاء بين شركاتِ الإنتاج العالمية والسوقِ العربيّة.

توضحُ بيانات المجموعةِ أنها تمتلكُ اليومَ واحدةً من أكبرِ مكتبات الأنمي المدبلج عربيًّا في المنطقة، إذ تضمُّ نحو 30 ألفَ حلقةٍ من الأعمالِ المختلفة، وهو ما يعكسُ حجمَ الاستثمار في هذا النوعِ من المحتوى وتأثيرَه طويلَ المدى في تشكيلِ ثقافةِ الأطفالِ في الشرقِ الأوسط وشمالِ أفريقيا.

غير أنّ الأهميّة الاقتصاديّة لهذه القنوات لا تكمنُ في البثِّ التلفزيونيّ وحده، بل في قدرتِها على تحفيزِ سوقِ المنتجاتِ المرتبطةِ بالشخصيات[3]. فقد أسّست «سبيستون» منذ وقتٍ مبكرٍ ذراعًا متخصّصًا في الترخيص والتسويقِ التجاريّ وهو «Spacetoon Licensing»، عمل على إدارة حقوق استخدامِ الشخصيّات الكرتونيّةِ في مجموعةٍ واسعةٍ من المنتجاتِ والأنشطة، بما يشملُ الألعابَ والملابسَ والمجلّاتِ والمنتجاتِ الترويجيّة، وحتى الفعاليّات الترفيهيّة. وقد ساهم هذا النشاطُ في نشرِ ثقافة الترخيصِ التجاريّ للمنتجاتِ المرتبطةِ بالكرتونِ في المنطقة، وهي ممارسةٌ كانت محدودةَ الانتشار قبل ذلك.[4]

بعد انتقالِ نموذجِ الترخيصِ والتسويقِ التجاريّ إلى السوقِ العربيّ، برز دور الشركات الإقليميّة مثل «NewBoy»، إذ أصبحتْ إحدى أهمِّ شركاتِ الألعابِ في الشرقِ الأوسط. فقد بنتِ الشركةُ نموذجَ أعمالها على شراءِ حقوقِ استخدامِ الشخصيّاتِ الكرتونيّة وتسويقِها عبر مجموعةٍ واسعةٍ من المنتجات. وتشيرُ بيانات الشركة إلى أنّ نشاطَ الترخيصِ أصبح أحد أهمّ ركائزِها الاستراتيجيّة. وقد توسّعتْ عمليّاتُ الشركة لتشملَ دولَ الخليجِ وبلادَ الشام وشمالَ أفريقيا، إضافةً إلى أسواقٍ أخرى مثل الهند وإندونيسيا.[5]

كما دخلت «NewBoy» في شراكاتٍ مباشرةٍ مع شركات الإنتاجِ اليابانيّة. ففي عام 2008 مثلًا، وقّعتِ الشركة اتفاقيّةً مع شركة «d-rights» اليابانيّة لتطويرِ مسلسل أنمي جديدٍ مكوّنٍ من 52 حلقةً موجّهٍ للأطفال بين 4 و12 عامًا، على أن يكونَ المسلسلُ قائمًا أساسًا على مفهوم لعبةٍ جديدةٍ تطوّرها الشركة[6]. ويعكسُ هذا النموذج طبيعة العلاقةِ بين الكرتون وصناعة الألعاب، إذ يصبحُ المحتوى التلفزيونيّ عنصرًا مهمًّا في استراتيجيّة تسويقِ الألعاب، وليس العكس.

من طرفٍ آخر، ومقابلَ هذا النموذج الذي قادتهُ الشركاتُ العالميّة، ظهرت ديناميكيّةٌ مختلفةٌ في الأسواقِ المحليّة والدولِ النامية تحديدًا. فبينما ركزتِ الشركاتُ الكبرى على الأسواقِ ذاتِ القدرة الشرائيّةِ المرتفعة، تركت فجوةً واضحةً في دولٍ مثل سوريا والعراق، حيث لم تكنِ المنتجاتُ الأصليّةُ المرتبطة بالكرتون متاحةً بسهولةٍ بسبب ارتفاعِ أسعارها.

هنا برز دور الشركاتِ الصينيّة والشركاتِ المحليّة التي التقطتْ هذه الفرصة، وبدأت بإنتاجِ نُسخٍ أقلّ جودةً لكن بأسعارٍ تناسبُ هذه الأسواق. وقد أدّى ذلك إلى انتشارٍ واسعٍ لما يمكن تسميتُه بالمنتجاتِ المُقلَّدة أو البديلة، التي حافظتْ على نفسِ الشخصيّاتِ والرموزِ الكرتونيّة. وبهذا لم تخرجْ هذه الأسواقُ من اقتصادِ الألعاب، لكنها دخلتْه بطريقةٍ مختلفة، إذ تمَّ تكييفُ النموذج ليتناسبَ مع القدرة الشرائيّةِ المحليّة، مما فتح سوقًا جديدةً موازيةً تعتمدُ على إعادة إنتاجِ نفس المخيال، ولكن بنسخةٍ أقلّ كلفةً وأكثر انتشارًا.


الخيال الاستهلاكي

إذا كان التحوّل الاقتصاديّ للكرتون قد حوّلَ الشخصيّات الكرتونيّة إلى علاماتٍ تجاريّة، فإنّ أثره الأعمقَ يظهرُ في البنيةِ النفسيّة والسلوكيّة للأطفال، الذين يُشكلون الجمهورَ الأساسيَّ لهذا المحتوى. فاعتمادُ اقتصادِ الترفيهِ الموجّهِ للأطفال على بيعِ المنتجات يعني، بالضرورة، بناءَ علاقةٍ عاطفيّةٍ بين الطفلِ والشخصيّات، بحيث تتحوّلُ هذه الشخصيّاتُ إلى عناصرَ مؤثّرةٍ في تشكيلِ رغباتِه وسلوكيّاته الاستهلاكيّة[7].

بهذا الشكل، تحوّل الكرتونُ أيضًا من فضاءٍ تخيّلي مفتوح، كما كان في العقودِ السابقة، ليصبحَ مكوِّنًا ضمن منظومةٍ تسويقيّةٍ تعملُ على توجيهِ رغباتِ الطفل وربطِ خيالِه بسلسلةٍ من المنتجات الاستهلاكيّة المرتبطةِ بالشخصيّات التي يشاهدُها.

في المراحلِ التقليديّة للطفولة، كان الخيالُ يتشكل غالبًا من خلال اللعب الحرّ والقصصِ الشعبيّةِ والأنشطة الاجتماعيّة، حيث يبتكرُ الطفلُ عوالمه الخاصّة ويعيدُ تشكيلَها وفقَ مخيّلتِه. أمّا في نموذجِ الترفيهِ المعاصر، فإنّ عوالمَ الخيال تُقدّم جاهزةً عبر الشاشة، مع شخصيّاتٍ محدّدةٍ وقصصٍ مكتملةٍ وعالمٍ بصريّ متكامل. ومع انتشارِ المنتجاتِ المرتبطةِ بهذه الشخصيّات، يصبحُ اللعبُ نفسه امتدادًا مباشرًا للمحتوى الذي يُشاهده الطفل.

تعتمد هذه العمليّة على آليّةٍ نفسيّةٍ معروفةٍ في علمِ نفسِ الطفل تُسمّى «التماهي». فعلاقةُ الطفل مع الشخصيّةِ الكرتونيّة لم تعد مجرّدَ متلقي أيّ طفل مشاهدِ لبطل، إذ  أصبح الطفل يتماهى مع هذه الشخصيّة ويتبنّى صفاتِها وقيمَها وأسلوبَها في التعاملِ مع العالم. ومع تكرارِ المشاهدة، تُصبحُ هذه الشخصيّةُ جزءًا أساسيًّا من عالمه الرمزيّ، ويبدأُ في التعبيرِ عن هذا التماهي عبر تقليدِها أو امتلاكِ ما يرتبطُ بها من أشياء.

بهذه الطريقة، تمسي المنتجاتُ المرتبطةُ بالكرتون وسيلةً لتعزيزِ هذا التماهي[8]. فامتلاكُ لعبةٍ مستوحاةٍ من الكرتون، أو حقيبةٍ تحمل صورةَ البطلِ المفضّل، هو طريقةٌ يستخدمها الطفلُ لإبقاءِ تلك الشخصيّة حاضرةً في حياتِه اليوميّة. ومن هنا تنجحُ الشركاتُ في نقل العلاقةِ العاطفيّة مع الشخصيّة من الشاشة إلى المجالِ الاستهلاكيّ.

تزدادُ فعاليّة هذه الآليّة النفسيّة عندما يكون المحتوى موجّهًا إلى الأطفال في مرحلةٍ مبكرةٍ من نموّهم المعرفيّ، وهي المرحلةُ التي يكون فيها التمييزُ بين الرسالةِ الترفيهيّةِ والرسالةِ الإعلانيّة غيرَ واضحٍ بالكامل. فالطفلُ لا يدركُ غالبًا أنّ المسلسلَ أو الإعلان عنصرٌ في منظومةٍ تسويقيّة، لأنّه يتعاملُ معه باعتباره عالمًا خياليًّا مستقلّا. ونتيجةً لذلك، تُصبحُ الرغبةُ في امتلاكِ المنتجاتِ المرتبطةِ بالشخصيّات امتدادًا طبيعيًّا للتفاعلِ مع القصّة.

كما تسهمُ هذه المنظومة في تشكيلِ ما يمكنُ اعتباره أشبه بالهويّةِ الاستهلاكيّةِ المبكّرة لدى الطفل[9]. فاختياراتُه للألعابِ والملابسِ والأدواتِ المدرسيّة تبدأُ في الارتباطِ بالعلامات والشخصيّاتِ التي يتابعُها في التلفزيون. ومع مرورِ الوقت، يصبحُ الاستهلاكُ طريقةً للتعبيرِ عن الذات والانتماءِ داخل عالمِ الطفولة، حيث يتشاركُ الأطفالُ رموزًا ثقافيّةً مشتركةً مستمدّةً من الكرتون الذي يُشاهدونه.

على هذا النحو، يصبحُ الطفلُ طرفًا في دائرةٍ متكاملةٍ تبدأُ بالمشاهدة وتنتهي بالاستهلاك. فالمحتوى الكرتونيّ يخلقُ الارتباط العاطفيّ، والمنتجاتُ تمنحُ هذا الارتباطَ شكلًا مادّيًّا، بينما تعيدُ الإعلاناتُ والمتاجر تعزيزَ العلاقة بين الاثنين. وبهذا المعنى، لا يقتصرُ تأثير الكرتون على تشكيلِ خيال الطفل، بل يمتدُّ ليُسهم في بناءِ أنماطِ رغبته واستهلاكِه منذ سنواتِه الأولى.

في طفولتِنا، لم نُدرك حينها أنّ تلك الألعابَ الأنيقةَ التي شكلتْ أكبر أحلامِنا وطموحاتِنا هي منتجاتٌ تقفُ وراءَها شركاتٌ كبيرةٌ وصناعاتٌ بملياراتِ الدولارات. لكن، إن نظرنا إليها اليوم وقرأنا تلك التحوّلات، نستطيعُ أن نرى أنَّ طفولتَنا تلك كانت في مسارٍ مدروسٍ لتحويلِ الطفل تدريجيًّا من متلقٍّ للقصص إلى مستهلِكٍ داخلَ اقتصادِ الترفيهِ العالميّ، الذي ينحسرُ أمامه الخيالُ الإبداعيّ بمساحاتِه الواسعة.


[1] هوركهايمر، أدورنو. (2006) جدل التنوير شدرات فلسفية، تر:جورج كتوره، دار الكتاب الجديدة المتحدة، لبنان، ص.141، 196.

[2] https://ultimatepopculture.fandom.com/wiki/Spacetoon#Arab_world

[3] https://www.licenseglobal.com/toys-games/spacetoon-brings-dragon-ball-super-mena

[4] https://web.archive.org/web/20080627110419/http://www.stooninternational.com/licensing.asp

[5] https://www.marefa.org/%D9%86%D9%8A%D9%88_%D8%A8%D9%88%D9%8A

[6] https://www.pr.com/press-release/122183

[7] Sheikh, Muhammad & Hassan, Ali & Mohsin, Noor & Mir, Basim. (2023). Cartoon’s Content and their Impact on Children’s Psychology. Pakistan Journal of Humanities and Social Sciences. 11. 10.52131/pjhss.2023.1104.0660.

[8] Burgos, Julian. (2013). Children`s identification processes with television characters: case studies about Colombian children and their favorite cartoon programs. 6. 38-51.

[9] Coulter, N. (2014). From the Top Drawer to the Bottom Line: The Commodification of Children’s Cultures. Global Studies of Childhood, 4(4), 411–420.