من يصوغ المشهد؟ اللاعبون الجدد والشرعية الثقافية في سوريا ما بعد نظام الأسد

لا يتجلّى سقوط نظام سلطوي في تبعثر مؤسّساته وانهيار منظومته التي بناها فقط، بل في اهتزاز معاييره الرمزية: من يملك تعريف “الثقافة”، ومن يُقصى من دائرتها، وبأي سرديّة تُكتب الذاكرة الجماعية؟ في لحظة الانهيار، تتحرّك الثقافة والمجتمع المدني لافتتاح “حيّز عمومي” جديد تُسمع فيه أصوات متعدّدة كما أشارت له “حنّا آرندت” في كتابها “The Human Condition” فالسياسية الحيّة تصنع في الفعل والكلام، لا عبر احتكار مركزي للصوت والتمثيل، فمن شأن الممارسات الثقافية أن تعيد فتح هذا الحيز باعتباره فضاءّ للتعددية. وتتحوّل القطيعة التاريخية إلى فرصة لالتقاط الماضي وإعادة كتابته ضد السرد الحقيقي. ضمن هذا المجال، يأتي دور “اللاعبون الجدد” من مبادرات محليّة ومهجر، وشبكات فنية وإعلامية، حاملين سرديات بديلة عن الحرب والاعتقال والتهجير، وقد راكمت هذه السرديات شرعية معرفية وأخلاقية سبقت سقوط النظام وتحدّت روايته.

في الأشهر الأخيرة، تزايدت النشاطات الثقافية والفنية التي تتمحور حول إحياء ذاكرة الثورة السورية، من خلال معارض فنية، عروض مسرحية، وفعاليات أرشيفية. اعتبرت هذه المبادرات ضرورية في مواجهة النسيان أو التزوير، وستكون وثيقة تاريخية في المستقبل سردت نضال شعب في وجه نظام دكتاتوري،  لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة حول حدود هذه المقاربة: هل يكفي التركيز على الذاكرة وحدها لبناء قاعدة فنية ثقافية مجتمعية جديدة؟ وهل باتت هذه الذاكرة مادة آمنة للاستخدام في ظل تغيّر القوى المسيطرة؟ وهل ستكون هذه الذاكرة بوصلة ثقافية وسياسية لمستقبل سوريا؟

في دمشق، برزت معارض متعددة مثل معرض ” معتقلون ومغيبون” الذي نظمته منصة “ذاكرة إبداعية للثورة السورية” في المتحف الوطني بدمشق برعاية وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف في 19 أيار 2025، ومعرض”البداية” الذي أقيم في بيت فارحي في نيسان 2025 بمشاركة مجموعة من الفنانين السوريين، تلاه معرض “لافتات كفرنبل” الذي استضافته محطة الحجاز في 25 أيار 2025. هذه الفعاليات رغم أهميتها ولكنها خلال الأشهر الماضية مع كثرتها جاءت لتؤكد على مركزية العاصمة في احتضان المشهد الثقافي الجديد.

وفي المقابل، شهدت بعض المحافظات السورية مبادرات فنية رغم محدوديتها مقارنة بدمشق العاصمة، مثل معرض “صوت الذاكرة” المخصص لتراث الرقة والذي أقيم في أيلول 2025، ومعرض “جسور” الذي نظمته مبادرة “جسور المجتمعية” في مدينة حلب في الشهر نفسه. لكن السؤال يبقى مطروحًا: من هو جمهور هذه المعارض والنشاطات التي تقام في المحافظات البعيدة عن العاصمة؟ وكيف يمكن التعرف على “الآخر السوري” إذا ظلت المركزية قائمة في المدن الكبرى، ولم يكن هناك جمهور من خارج المحافظة يرتاد هذه الفعاليات؟

في بعض الحالات، نلحظ أن سردية الثورة صارت تُروى من زاوية واحدة، تركّز على بطولة السوريين، لكنها تتجنب عمداً الحديث عن التجاوزات والانتهاكات التي ارتكبتها السلطات التي سيطرت سابقاً على المناطق المحررة والتي تلعب اليوم دورًا رئيسيًا كحكومة انتقالية لسوريا. هذه الازدواجية تخلق فجوة بين الفن ووعيه السياسي، وتُضعف من قدرته على مساءلة كل أشكال السلطة، لا فقط تلك التي سقطت. وهذا يطرح سؤالًا أساسيًا في هذه المرحلة، وهو ما هي مسؤولية اللاعبين الجدد في هذه المرحلة الحساسة للبلاد بتحليل الماضي والتعلم منه وبناء مشهد ثقافي جديد أصيل للبلاد؟

ورغم التحولات السياسية الكبرى التي رافقت سقوط النظام، إلا أن مشهد تمركز الفعاليات الثقافية في دمشق، وتحديدًا في مركز المدينة، لم يتغير جوهريًا. فالحيّز الثقافي بقي محصورًا في مساحات محددة، وفي أيدي فئات اجتماعية بعينها، تمامًا كما كان عليه الحال في ظل النظام السابق، لكن بمحتوى مختلف هذه المرة؛ حيث حلّت سرديات الثورة أو قصص المعتقلين والمهجرين محل تمجيد السلطة.

غير أن هذه السيطرة الجغرافية تكشف عن خلل عميق في تصور الفعل الثقافي، إذ تُعيد إنتاج صياغة رمزية ترى أن من يسكنون الأطراف أو المحافظات أو القرى، أقل استحقاقًا لأن يعيشوا طقوس معينة أو يشاركوا في رسم مستقبل الهوية الثقافية السورية. وكأن الثقافة، حتى بعد “التحرير”، لا تزال حكرًا على من يملكون امتياز الجغرافيا واللغة والمظهر. إنّ تمركز الفعل الثقافي بهذه الطريقة لا يُقصي الآخر فقط، بل يُضعف إمكانية بناء مشهد ثقافي جامع، ويبعث برسالة ضمنية فحواها أن “المركز” هو وحده من يعرّف الثقافة، ومن يملك حق توزيع شرعيتها.

إلى جانب ذلك، يطرح المشهد سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًا بالغ الحساسية حول كيفية التعامل مع شرائح مدنية سورية كانت تُعدّ مؤيدة للنظام، سواء بالصمت أو بالتورط العاطفي مع شعاراته. ماذا عن العائلات التي فقدت أبناءها في صفوف الجيش السوري، وهم مدنيون بسطاء صدّقوا رواية الدولة عن “الوطن والرئيس”، وأرسلتهم إلى الجبهات؟ هل ينبغي تهميش هذه الشريحة نهائياً؟ أم أنّ ثمة مسؤولية ثقافية اليوم في خلق مساحة خطابية تسمح لهم بقول خيباتهم؟ كثير من هؤلاء وجدوا أنفسهم متروكين بعد السقوط، وقد تخلّى عنهم من وعدهم وعود زائفة بالحماية والكرامة. التعامل مع هذه الفئة لا يعني بالضرورة تبرئة ما دافعوا عنه، لكنه يعني الاعتراف بتعقيد المأساة السورية، وبأن كثيرًا من السوريين كانوا أسرى أجهزة دعاية وخوف وأدلجةٍ ثقافية، لا شركاء فعليين في الإجرام.

وفي لحظة إعادة البناء وتحقيق عدالة انتقالية، لا يمكن استبعادهم، بل يجب التفكير في آليات خطابية وثقافية تسمح بظهورهم كأفراد لهم ذاكرة وحقوق، لا كجماعة مغضوب عليها.

اليوم، يواجه الحقل الثقافي السوري سؤالًا جوهريًا: من أين تأتي شرعية الثقافة والفن؟ هل من المؤسسات الرسمية وحدها، أم من حاجة المجتمع وتجاربه المتعددة؟ بعد عقود من القمع والإقصاء، بات من الضروري إعادة النظر في الثقافة من زاويتين مترابطتين: الحاجة التي يحددها الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والغاية التي يجب أن تخدم الناس وتفتح النقاش بدل أن تكرر خطابات التبجيل.

ولتحقيق ذلك، لا يكفي تبديل الوجوه أو الشعارات؛ بل لا بد من مراجعة تجربة المؤسسات الثقافية في ظل النظام السابق، وكيف عملت ضمن القيود، وما الذي أعاقها عن الوصول إلى الناس. فالثقافة الجديدة يجب أن تعيد توزيع الأدوار بعدل، وأن تعترف بتعدد الحكايات ومواقع الألم، وأن تعطي الشرعية لمن يملك القدرة على مساءلة الذات واحتضان الاختلاف. وحدها الثقافة قادرة على استيعاب التناقضات، لتصبح ركيزة في بناء سوريا جديدة تكتب بأصوات متنوعة، لكنها تلتقي عند مطلب الكرامة والعدالة والحقيقة.

في الشأن السوري هناك فئتين مشاركين في إعادة صياغة الحقل الثقافي وفي تحديد الأدوار اللازمة في ظل هذه المرحلة، السوريون في الشتات الذي اكتسبوا بعض الخبرات الأوسع من خلال دراستهم أو خبرتهم العملية في الخارج، والسوريون العاملون على الأرض في الداخل والذين هم على دراية وتماس بشكل أكبر مع الواقع السوري.

يعدّ التموضع أكثر الأشكال تحديًّا في صياغة الحقل الثقافي السوري الآن, لماذا؟ فإذا أردنا أن نعتبر أن العين الخارجية القادرة على تحليل الأمور بشكل أكثر منطقي بعيدًا عن الضغوطات اليومية المعيشية، فسيتم رؤية وتحليل الأمور بشكل أكثر مثالية من التفكير في أهمية جمع ” التراخيص” “الموافقات” أو غيرها، بينما الفاعلون في الحقل في الداخل والذين يعيشون تحت ظل ظروف متغيرة بشكل يومي يحاولون بشكل دائم النجاة دون التفكير في الشكل المثالي الذي تترتب تحته الأمور لصياغة حقل ثقافي عادل في المستقبل.

هذا التحدي يشكّل واقعًا معاشًا اليوم ومنطقي للطرفين، وخاصة أنه في بعض الأحيان يخلق نفور بين الفاعلين في الخارج والفاعلين في الداخل وعدم قدرة على التواصل. بعد سقوط النظام السوري، عاد كثير من الشباب السوريين من فنانين و فاعلين ثقافيين إلى البلاد بحماسة ورغبة صادقة في إطلاق مبادرات فنية وثقافية. لكن غيابهم الطويل جعلهم غير مطلعين على تفاصيل الواقع اليومي وكيفية إنجاز الأمور كما اعتاد العاملون في الداخل. فبينما اعتاد بعض الفاعلين المحليين على العمل بمرونة وبطرق غير رسمية تسمح لهم بالتحرك بعيدًا عن الأضواء والقيود، جاء العائدون حاملين معهم أساليب وقوانين مأخوذة من تجارب غربية قد لا تنجح دائماً في السياق السوري.

هنا نشأ نوع من التوتر، إذ شعر الفاعلون في الداخل بوجود تهديد لأسلوبهم الذي كان يتيح لهم الاستمرار رغم الظروف الصعبة. وهذا يظهر رؤية واضحة وصريحة للحقل الثقافي السوري اليوم في ظل غياب أي قوانين منصوصة وواضحة يستطيع الفاعلين في الحقل العمل ضمنها ومن خلالها، أو المطالبة بحقوق جديدة.

في الأنظمة السلطوية مثل نظام الأسد، تقوم الشرعية الثقافية على الرقابة والاحتكار وإقصاء الأصوات المختلفة والمخالفة. ومع سقوط النظام، يتفكك هذا البناء وتظهر فجوة: من يحدد معنى أن تكون “سوريًا” ومن يملك الحق في التعبير الفني؟ عندها تنفجر التعددية، وتعود أصواتٌ منفيّة ومهمشة ومناطقية وإثنية وجندرية لتطالب بمكانها.

يظهر أيضًا توتر بين الداخل، الذي يرى نفسه حاملًا لشرعية الصمود، والخارج الذي يعتبر ذاكرته ومقاومته بديلًا شرعيًا. ومع تراجع النقابات الرسمية، تتشكل شرعية جديدة عبر مبادرات مستقلة ومنصات رقمية ومسارح صغيرة، تُبنى على القدرة على تمثيل الواقع وطرح الأسئلة لا على الانتماء السياسي. في هذه اللحظة، لا تُمنح الشرعية من فوق، بل تُنتزع من الأسفل، ويصبح قبول التعدد شرطًا لإعادة تعريف الثقافة والهوية السورية معًا.

من التجارب التي يمكن أن تُلهم المشهد الثقافي السوري في لحظة ما بعد النظام، تجربة جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، حيث تم استخدام الثقافة والفنون كأداة للمصالحة وكشف الحقيقة في آنٍ معًا. في هذا السياق، يوثّق كتاب Country of My Skull للكاتبة الجنوب إفريقية أنتي كروغ (Antjie Krog, 1998) شهادات حيّة من جلسات “لجنة الحقيقة والمصالحة”، ويبرز كيف أسهم الشعر والسرد الشفهي والفن في تحرير الذاكرة الجمعية، وتوفير مساحة اعتراف متبادلة تُعيد للضحايا كرامتهم دون الوقوع في خطاب الثأر أو النسيان.

غالبًا ما اعتبر توحيد المانيا بعد سقوط دار برلين عام 1989 كقصة نجاح سياسي، لكنه على المستوى الثقافي كشف عن إقصاءٍ وهيمنة جديدة. فبينما اندمجت مؤسسات ألمانيا الشرقية بسرعة في النظام الغربي، ظلّت ذاكرة سكانها وثقافتهم اليومية في موقع الهامش. الأدب والفنون التي نشأت في ظل النظام الاشتراكي جرى التعامل معها على أنها مجرد دعاية سلطوية بلا قيمة، في حين أن الرواية الغربية وحدها اعتُبرت التعبير “الأصيل” عن الهوية الألمانية الموحدة.

هذا التهميش أثار ظاهرة عُرفت باسم أوستالجيا (Ostalgie)، أي الحنين إلى ملامح الحياة في الشرق. لم يكن الأمر مجرّد نزعة عاطفية لاسترجاع الماضي، بل احتجاجًا على محو تجربة كاملة من السرد الوطني وقمع أصوات لها تاريخها وحكايتها.

تقول دراسات أنثروبولوجية مثل عمل بويَر “Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany” أن هذه الظاهرة لم تكن حنينًا إلى النظام السياسي بقدر ما كانت رفضًا لاحتكار الذاكرة من طرف واحد.

 في لبنان، تكشف الباحثة زينة معاصري في كتابها “ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية” كيف ساهمت الملصقات السياسية خلال الحرب وبعدها في إعادة إنتاج سرديات طائفية وحزبية، مشيرة إلى أن الثقافة البصرية غالبًا ما عكست مصالح سلطات الأمر الواقع أكثر من اهتمامها ببناء سردية جامعة أو مساءلة سياسية حقيقية.

تبني المعاصري تحليلها على نماذج قدّمها كل من نعوم تشومسكي، إرنستو لاكلو وشانتال موف، ستيوارت هول، ورولان بارت، لفهم الملصقات باعتبارها “مواقع رمزية لصراع هيمني”. إنها تطرح حجّة نقدية: فالملصق لا يُسجّل هوية ثابتة، بل يُستخدم كوسيلة تُبنى من خلالها الهوية وتُسعى لفرضها. والأهم من ذلك، أن الصراع نفسه — وليس الفروقات الطبيعية المزعومة بين الفصائل — هو ما يفسّر التناحر بينها.

 أما في تونس، افتقر الحراك الثقافي الشعبي الذي أعقب ثورة 2011 إلى دعم مؤسساتي واضح، مما أدى إلى انطفاء العديد من المبادرات، في ظل غياب سياسة ثقافية وطنية تستثمر في هذا الزخم. تكشف هذه التجارب مجتمعة أن نجاح أي مشروع ثقافي في سياق ما بعد السلطوية لا يتوقف فقط على مساحة الحرية الجديدة، بل يتطلب بناء أدوات نقدية، ومؤسسات مستقلة، وآليات لضمان مساءلة الذاكرة من جميع أطرافها، حتى لا يتحول الفن إلى أداة تمجيد جديدة بوجه آخر.

هذه الدروس تُلقي بظلالها على مستقبل الثقافة في سوريا. فبعد عقود من مركزية دمشق بجعلها مرجعًا وحيدًا للثقافة، يواجه اللاعبون الجدد – من مبادرات محلية في الأرياف والمدن البعيدة، إلى الفاعلين الثقافيين في الشتات – تحديًا مزدوجًا: كيف يمنعون إعادة إنتاج مركزية جديدة، وكيف يضمنون أن أصوات المنفيين والمناطق المهمشة سيكون لها صوت مسموع وحضور واضح وصريح في المشهد الثقافي السوري؟

ومن هنا نأتي لسؤال “كيف يمكن للممارسات الفنية والثقافية أن تتفاوض على حقها في الحيز العام وسط سلطات الأمر الواقع؟” والدي يعدّ من أكثر الأسئلة إلحاحاً في سياق ما بعد انهيار نظام أو في سيطرة سلطات غير منتخبة. فالفن، حين يتحرك في فضاء عام غير حر، يصبح ليس فقط أداة تعبير، بل أداة تفاوض، وربما مقاومة.

في ظل سلطات الأمر الواقع، لا تُكتسب شرعية الحضور الثقافي من اعتراف قانوني أو حماية مؤسساتية، بل تُنتَزع من خلال استراتيجيات يومية ذكية تتراوح بين الوضوح والمراوغة. فالممارسات الفنية يمكن أن تتسلل إلى الفضاء العام عبر أشكال غير مباشرة، مثل الجدارية التي تُظهر مشهداً طبيعياً لكنه مشبع برموز مقاومة، أو العرض المسرحي الذي يُدرّب الأطفال على التعبير لكنه يُخفي طبقات نقدية موجهة نحو سلطات القمع. في مثل هذه السياقات، يصبح الحضور نفسه فعلاً سياسيًا، حتى لو أنكر القائمون عليه ذلك.

لكن التفاوض لا يعني دائماً المواجهة. أحيانًا، يختار الفنانون الدخول في “لعبة الرموز” عبر استخدام لغة توافقية تُرضي السلطة سطحيًا لكنها تفتح أفقاً للتلقي المتعدد، وتخلق مساحة للتفكير النقدي داخل المجتمع المحلي. على سبيل المثال، يمكن لمعرض فني أن يُقدَّم كـ”احتفاء بالتراث”، لكنه في الواقع يعيد سرد التاريخ من وجهة نظر مهمّشة. هذه الاستراتيجيات تُشبه ما وصفه ميشيل دو سارتو بـ”الفعل اليومي الخفي” الذي يخرق البنية من داخلها دون إعلان التمرد.

ومع ذلك، ثمة حدود. فهذه الممارسات مهددة دائمًا بالمصادرة أو التقييد أو الخطورة الأمنية. لذا، من الضروري أن يرافقها وعي نقدي بالعمل المقدم وبالخطاب المستخدم وبالمسؤوليه اتجاه الاخر المشارك بالعمل، وتضامن بين الفاعلين الثقافيين، وسعي لتوثيق الممارسة كفعل سياسي حتى لو تم تقديمه كفعل فني صرف. هذا التوثيق  الذي قد يكون سريًا أو مؤرشَفًا رقميًا خارج البلاد هو ما يحفظ أثر الفعل ويمنع محوه الرمزي.

بالمحصلة، الممارسة الثقافية وسط سلطات الأمر الواقع ليست رفاهية، بل شكل من أشكال التفاوض اليومي على الوجود، والكرامة، والمعنى. هي فعل مقاومة ناعم، لا يرفع بالضرورة شعارًا، لكنه يزرع شكًّا، أو يعيد سؤالًا، أو يفتح نافذة.

في لحظة التحوّل التي تعيشها سوريا بعد سقوط النظام، لا تُبنى الشرعية الثقافية بإرث الماضي أو عبر دعم خارجي فحسب، بل تُكتسب من قدرة الفاعلين الجدد على الإنصات العميق، والتواصل الصادق مع المجتمع المحلي، لا باعتباره جمهورًا مستهلكًا، بل شريكًا في الإنتاج والمعنى.

إنّ الشرعية اليوم تُصاغ من الأرض، من القرى والمخيمات والمحافظات المهمشة، من ورش عمل ثقافية أو فنية، ومن عروض الأطفال، ومن الحكايات التي تُروى في الزوايا البعيدة، لا فقط من على خشبات المهرجانات الدولية. وهنا يتجلى دور الفاعلين الجدد، لا كممثلين عن “ثقافة بديلة” تحاكي مفردات النخبة، بل كميسّرين لحوار طويل مع الناس، يسهم في إعادة بناء الثقة بالثقافة كأداة حياة، لا ترف. إن التقرب من المجتمع، بكل شرائحه وتناقضاته، هو ما يمنح القاعدة الثقافية والفنية السورية شرعيتها الحقيقية، ويؤسس لبصمة سورية جديدة—هوية لا تفرضها أيديولوجيا، بل تُشكَّل عبر التعدد، حيث يشعر كل سوري، مهما كان موقعه، بأنه شارة أصيلة في هذه الهوية، لا مجرد ظلٍ في حكاية لا تخصه.

لكن يبقى السؤال مفتوحًا حول الدور الذي سيلعبه الفاعلون الجدد في الحقل الثقافي السوري، ومدى قدرة المبادرات المستقلة على إحداث أثر حقيقي في المشهد. فهل سنشهد حضورًا فعّالًا لمنصات مثل” الاتحاد الطلابي السوري”، التي رفعت مطالب واضحة ضد قرارات مجحفة كمنع استخدام البديل العاري في كلية الفنون الجميلة بدمشق، أم ستظل هذه الأصوات محصورة في إطار احتجاجي محدود؟ وهل تستطيع مبادرات مثل” خزان، معمل،ثقافة”، الساعية إلى فتح نقاش معمّق حول السياسات الثقافية السورية، أن تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على صياغة خطاب فعال في المدى الطويل؟ إنّ التحدي يكمن في ما إذا كان لهذه المبادرات أن تشكّل بنى بديلة حقًا، تساهم في تأسيس مشهد ثقافي جديد قائم على التعددية والمساءلة، أم أنها ستواجه المصير نفسه الذي واجهته محاولات سابقة، حيث جرى تهميشها أو قمعها تحت منطق السلطة.

المراجع:

.ARENDT, H. (n.d.). The Human Condition. Chicago: The University of Chicago Press

Boyer, D. (2006). Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany . Duke .University Press

Certeau, M. d. (1984). The Practice of Everyday Life. Berkeley: University of California Press

Ketiti, A. (2023). Street art as a transforming agent of public space in Arab World. Case study of two artistic groups in Tunisia 1. Research Gate.

Krog, A. (1998). Country of my skull. [Johannesburg]: Random House.

معاصري, ز. (2010). ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية. الفرات للنشر والتوزيع.