Author: ليليان عزام

  • قراءة في عالم المحقق كونان … معرفة الحقيقة وعبء كشفها

    قراءة في عالم المحقق كونان … معرفة الحقيقة وعبء كشفها

    نرى أعمال الطفولة اليوم حين نشاهدها كما أصبحنا، وليس كما تلقيناها في السابق، فالأعمال التي شكّلت وعينا الأول تحوّلت لمرايا نُسقط عليها أسئلتنا الراهنة وقلقنا الحالي، ونعود لها حاملين طبقات جديدة من الإدراك، مكتشفين أن ما بدا آنذاك ألغازاً ممتعة، كان تدريباً خفياً على الشك والبحث وعدم الاكتفاء بما يُقال ضمن طبقات محدّدة. 

    هذه العودة مشحونة بالعاطفة حُكما؛ إذ تتضمن محاولتنا استعادة أنفسنا داخلها: أولى الدهشات، محاولاتنا لفهم وتشكيل العالم، وإحساسنا بأن الحقيقة يمكن الإمساك بها وإدراكها بوضوح إذا تمعنًا وفككنا المعنى جيداً. تتبدّل هذه النظرة بعد زمنٍ لاحق، وما كان يمنحنا شعوراً بالسيطرة والفهم، يكشف لنا هشاشة أكبر، تباينا بين المعرفة والقدرة على إشهارها، وهنا تحديداً نعيد تأويل طفولتنا بما يتوافق مع خبراتنا اللاحقة.

    يُرسي مسلسل “المحقق كونان” تجربة طفولة فريدة من نوعها، تختلف عن معظم المسلسلات الأخرى في عصره، ولمتابعة المحقق كونان أسبوعياُ فضلٌ بمنح حياتنا إيقاعاً تكوينياً ارتبط بطريقة تفكيرنا كمشاهدين صغار. اتبعت كل حلقة نمطاً مألوفاً لا يخلو من تحفيز العقل؛ حادثة، ومجموعة من الأدلة، وافتراضات مضللة، وأخيراً حل منطقي، في سلسلة تدعو الجمهور للمشاركة بدلاً من المشاهدة السلبية. 

    كطفلٍ، اكتسى التكرار/النمط أهمية بالغة؛ إذ درّبنا على نوع من الانضباط المعرفي، ومع مرور الوقت نتوقع التناقضات، ونضع الانطباعات الأولى في موضع الشكّ، منتبهين إلى التفاصيل الصغيرة، تماماً مثل كونان إيدوغاوا نفسه. 

    لعبت الفجوة الأسبوعية بين الحلقات دوراً يتيح وقتاً للتأمل، والنقاش مع الأصدقاء، ومحاولات شخصية “لحل” اللغز قبل الكشف عن الإجابة. قدم المسلسل عبر أسلوبيته الذكاء كممارسة تترسخ بطرقٍ للملاحظة والاستدلال، خرجت من الشاشة لتشمل كيفية تفاعل الأطفال مع العالم من حولهم، كلّ هذا حصل إبّان نهاية التسعينات حين كان التلفزيون وسيلة استهلاك المحتوى الرئيسية. ولدى العودة إلى أعمال الطفولة نجد طبقات إضافية من المعنى؛ لأن ما كان مجرد قصة “من الفاعل”، يكشف لاحقاً عن شبكة من الرموز الثقافية التي كنّا نتلقاها دون معرفة مسبقة، وبذلك ننظر للماضي كمخزون معرفي غُرست بذراته دون إدراكه تماما.

    نشأة المحقق كونان في زمن القلق الياباني

    ظهر المحقق الصبي في المانغا اليابانية خلال التسعينيات، بما يعرف بالعقد الضائع إثر انهيار الفقاعة الاقتصادية، فاستجاب للأزمات الاقتصادية والاجتماعية حينها ضمن القطّاع الثقافي. أدّى الركود الطويل وتراجع نظام الاستقرار الوظيفي التقليدي إلى حالة من القلق وعدم اليقين في أوساط الشباب حيال مستقبل المجتمع الياباني. ظهر كونان كشخصية الطفل المحقق القادر على تنظيم الفوضى وكشف الحقيقة بعقلانية. يعكس هذا التحول رغبة ثقافية في استرجاع النظام والمعنى إلى واقع مضطرب، وبه يصبح الطفل رمزاً لإمكانية تجاوز الأزمة، ليجسّد المحقق الصبي الأمل في الجيل الجديد وقدرته على إعادة بناء مستقبل المجتمع.

    يتصل حضور الشخصية بتجارب الطفولة والسرديات التي تسهم في تشكيل إدراك الأجيال الصغيرة للعالم، فشكّلت حكايات الطفولة لدى أجيال كثيرة مدخلاً مبكراً لفهم العالم. ولطالما قدّمت الأعمال السردية الموجّهة للصغار مفاهيم أولية عن الخوف والعدالة والخير والشر، وغالباً ما تشارك الأطفال هذه التجربة في إطار ثقافي جماعي. ولكن كونان كان مختلفاً. تجلّت أبرز سمات المسلسل بتقديمه للعنف للأطفال دون اختزاله إلى مجرد مشهد أو تبسيط أخلاقي، فيتناول المسلسل صراحةً جرائم القتل والخيانة والغيرة والانتقام، وهي دوافع إنسانية عميقة وغالباً ما تكون مزعجة، ولكنه استعرضها من خلال عملية تحقيق منظمة بدلاً من العشوائية. تتجاوز كل حلقة فعل العنف في الجريمة، وتكتسي إهاب لغزٍ يجب فهمه، حيث يتم تحليل السبب والنية والنتيجة بدقة.

     يتيح هذا النهج للمشاهدين الصغار التعرف على جوانب مظلمة من السلوك البشري دون أن يغمرهم؛ فيصبح العنف شيئاً قابلاً للتحليل، لا مجرد مصدر للخوف. أعاد المسلسل صياغة الجريمة كمسألة منطقية وسياقية، وترك بأسلوب غير مباشر فكرة أن حتى أكثر الأفعال إثارةً للقلق لها أسباب كامنة، دون الجنوح لتبريرها. يمتلك كونان توازناً نادراً: فهو يُعرّف الأطفال بالأذى الجسيم، وفي الوقت نفسه يزودهم بالأدوات الفكرية اللازمة لفهمه واستيعابه.

    قدّمت شخصية كونان نموذجاً مختلفاً للبطل في تلك المرحلة: طفل يبدو عادياً لكنه يمتلك قدرة استثنائية على الملاحظة والتحليل، هذا النموذج جعل كثيراً من المشاهدين الصغار يشعرون بأن التفكير الدقيق والانتباه للتفاصيل يمكن أن يكونا قوة حقيقية حتى في سن مبكرة.

    يعزّز حضور شخصياتٍ بأعمار مختلفة من بالغين ومراهقين وأطفال إحساس المُشاهد الطفل بالانتماء إلى مجتمع أوسع، كما يمنحه قدراً أكبر من الثقة بالنفس لأنه يرى نفسه ممثلاً داخل هذا العالم من خلال شخصية الطفل البطل. فكونان، رغم صغر سنه ظاهريا، قادرٌ على حل القضايا وكشف الحقيقة، حتى أمام الشخصيات الأكبر سناً منه، حيث الذكاء والتفكير يمكن أن يمنحا أي طفلٍ دوراً مهماً داخل المجتمع، ما ساهم بزيادة عوامل انجذاب الأطفال لمتابعة العمل واستمرار اهتمامهم به.

    ثقل الحقيقة في زمن لا يتحرك
    إن أحد أبرز جوانب شخصية كونان تتمثّل بمعرفته للحقيقة قبل الآخرين، وعبء حملها منفردا، فعلى النقيض من شخصيات المحققين التقليدية، ممن يحظون السلطة والتقدير، فإن بصيرة كونان تعزله. كان سينتشي قادرا على التعبير عن استنتاجاته والبوح بها؛ أما بصفته كونان، فإن وضوح الفهم نفسه يصبح حملا إضافيا. 

    يرى ما يغيب عن الآخرين، ويعيد بناء ما يسيء الآخرون فهمه، ومع ذلك عليه ترجمة معرفته باستمرار إلى أشكال غير مباشرة؛ عبر صوت آخر، وجسد آخر، وهوية أخرى. يخلق هذا الأمر توتراُ خفياً ولكنه مستمر ومعتاد: تتطلب المعرفة ضبط النفس والصبر والتحكم العاطفي. وبمرور الوقت، يصبح فعل المعرفة أقل ارتباطاً بحل القضية وأكثر ارتباطاً بـ ثقلها وتلك المسافة الهادئة بين فهم الحقيقة والقدرة على التعايش معها بصراحة. 

    يقدّم المسلسل حقائقه بطريقة مدروسة، ويطوّر علاقة جدلية أكثر حساسية وإثارة للقلق، وإن كان ذلك بشكلٍ خفي، على سبيل المثال علاقة كونان بالزمن، وتحديداً أنه لا ينضج أبداً. فبينما يمضي العالم من حوله قدماً عبر قضايا لا تنتهي، وعلاقات متغيرة، وخبرات متراكمة، يبقى كونان متجمداً جسدياً، حبيساً في جسد طفل رغم التوسع المستمر لمعرفته وعبء مشاعره. 

    يعيش كونان في حالة معلّقة بين هويتين، عاجزاً عن العودة إلى ماضيه، وغير قادر على الانغماس الكامل في حاضره، بالنسبة للمشاهد، وخاصةً من يعيد مشاهدة المسلسل، يصبح هذا الجمود ذا مغزى متزايدا: إذ النمو داخليّ وغير مرئي، حيث يتعمق الفهم دون تغيير موازٍ في الواقع الخارجي، ويكون ثبات شكل كونان استعارة للتحولات الداخلية؛ ذاتٌ تستمر في التطور بهدوء بينما تبقى، بالنسبة للآخرين، كما هي تماماً.

    أدوات البروفيسور أغاسا: التكنولوجيا بين الضعف والقدرة

    تساعد الأدوات التقنية كونان على تجاوز القيود التي يفرضها جسده الصغير وموقعه الاجتماعي المحدود. وبفضل التكنولوجيا يستطيع كونان استعادة قدرته على التأثير في عالم يسيطر عليه البالغون.

    تظهر أهمية هذه الأدوات خصوصاً في لحظة الكشف عن الحقيقة. فـ ساعة التخدير تسمح لكونان بإطلاق سهم صغير يضع توغو موري في حالة نوم مؤقتة. بعد ذلك تأتي ربطة العنق المغيرّة للصوت، التي تمكّنه من التحدث بصوت توغو نفسه وكأنه هو من يشرح الحل النهائي. تجسر الأدوات الهوّة بين المعرفة من جهة، والشرعية الاجتماعية من جهة أخرى التي يمثلها البالغ. 

    يشير مفهوم القناع إلى الشخصية الاجتماعية التي يبنيها الفرد كي يتكيّف مع توقعات المجتمع. واستخدم عالم النفس كارل يونغ مصطلح القناع الاجتماعي ليصف الوجه الذي يقدمه الإنسان للعالم في علاقاته اليومية، لا يعني القناع بالضرورة الخداع أو التلاعب. في كثير من الأحيان يكون آلية للتكيف مع البيئة الاجتماعية، ويطوّر الإنسان هذا القناع عندما يشعر أن التعبير الكامل عن ذاته قد يعرّضه للرفض أو سوء الفهم.

    يقدم البطل نفسه بوصفه طفلاً عادياً، بينما يحتفظ بمعرفته الحقيقية في الخفاء، يسمح له هذا القناع بالتحرك بحرية ومراقبة الأحداث دون أن يثير الشكوك. من ناحية أخرى يفرض هذا القناع نوعاً من الانضباط العاطفي، لا يستطيع كونان التعبير الكامل عن معرفته أو علاقاته دون أن يعرّض نفسه للخطر. لذلك يراقب كثيراً… ويتكلم قليلاً… ويترك الآخرين يعلنون النتائج النهائية.

    التفاصيل الصغيرة ومنطق التحقيق

    في عالم كونان لا تظهر الحقيقة في شكل ومضة عبقرية مفاجئة. إنمّا تتشكل تدريجياً، قطعة بعد قطعة، كل قضية تدفع البطل/المشاهد إلى النظر أبعد من التفسير الأكثر وضوحاً، والبحث عن تلك التفاصيل الصغيرة التي تكشف وجود نمط خفي خلف الأحداث.

    غالباً ما تبدأ الجرائم بتفسير يبدو مقنعاً. لكن كونان نادراً ما يكتفي بهذا التفسير الأول. فهو يتوقف عند الأشياء التي يتجاهلها الآخرون: حركة غريبة، ترتيب غير منطقي للأشياء، أو تفصيل صغير يبدو بلا معنى.

    في قضية جريمة سوناتا ضوء القمر تبدو سلسلة الجرائم في البداية عشوائية وغير مترابطة. الضحايا مختلفون، والظروف متباعدة، ولا شيء يشير إلى علاقة واضحة بينهم. لكن كونان يلاحظ تفصيلاً مختلفاً: توقيت الجرائم يرتبط بمقاطع موسيقية من مقطوعة بيتهوفن الشهيرة التي تُعزف على البيانو. 

    يعيد كونان بناء الدافع الحقيقي وراء الأحداث، وهكذا يظهر الحل تدريجياً من قراءة دقيقة للعلاقات الخفية بين التفاصيل، وليس كاعترافٍ مفاجئ.

    .

    السلطة والتحقيق وحدود المعرفة الرسمية

    رغم أن الشرطة تمثل السلطة الرسمية في التحقيق، فإن المسلسل يُظهر أن الإجراءات وحدها لا تكفي دائماً للوصول إلى الحقيقة. فحيث يتميّز كونان بتركيزه على التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون، ينشأ توتر بين الفهم الفردي والشرعية المؤسسية، حيث يكتشف كونان الحقيقة لكن إعلانها يمر عبر البالغين.

    يخلق هذا الوضع توتراً دقيقاً بين عنصرين: السلطة والفهم.

    فالشرطة تمثل الشرعية المؤسسية، وكونان يفتقر إلى المكانة الاجتماعية. لذلك يظهر الحل في النهاية عندما يلتقي هذان العنصران. يكتشف كونان التفسير المنطقي للجريمة، ثم يقبله النظام الرسمي عندما يُعلن عبر شخصية بالغة مثل توغو موري.

    لا يقدّم المسلسل تفسيراً واحداً لهذه التجربة، لكنه يتيح مساحة لقراءات مختلفة. يرى بعض المشاهدين في الشخصية نموذجاً للكفاءة التحليلية والاستقلال في التفكير. ويركز آخرون على جانب العزلة التي تنتج عن امتلاك معرفة لا يمكن إعلانها بسهولة.

    يتعرّف المشاهد منذ طفولته إلى فكرة أساسية: أن فهم العالم لا يتحقق بالقبول السريع للروايات الجاهزة، إنما بالبحث والتحليل وملاحظة ما يغيب عن الآخرين، بوصفها مثالاً على الحساسية الإدراكية المبكرة. ربما لهذا السبب بقي المسلسل حاضراً في ذاكرة جيل التسعينيات. فبينما كان الأطفال يتابعون مغامرات كونان أسبوعاً بعد أسبوع، كانوا يتعلمون درساً بسيطاً لكنه عميق: أحياناً يكفي أن تنظر جيداً إلى التفاصيل الصغيرة… كي ترى ما لا يراه الآخرون. 

    تتجاوز دلالة القناع في هذا العمل بنيته السردية؛ فهي تطرح سؤالاً ما يزال حاضراً إلى اليوم: هل انتهى زمن الأقنعة فعلاً، أم أننا ما نزال نلجأ إليها كلما أصبح الاقتراب من الحقيقة محفوفاً بالخطر؟ وهل يتذكّر جيل التسعينيات من الكتّاب والصحافيين كيف تحوّل الاسم المستعار، في لحظات تاريخية قاسية، إلى أداة للكتابة والبحث والتحقيق في الشأن السوري؟ بهذا المعنى، يغدو قناع كونان أكثر من مجرد تنكّر تخييلي؛ إنه استعارة ممتدة عن العلاقة المعقّدة بين الحقيقة والخوف، بين المعرفة وإمكان إعلانها.

    وحين ننظر اليوم إلى ذلك الطفل الذي كان يراقب بصمت ويعرف أكثر مما يستطيع قوله، يظهر كاستعارة لحالة إنسانية أوسع: فهمٌ يتجاوز القدرة على التغيير، واقتراب من الحقيقة يسبق القدرة على إعلانها. من هنا تستمر الحكاية، لأن السؤال الذي يتركه المحقق كونان يمتد إلى داخلنا؛ كيف نبحث عن الحقيقة، وكيف نتعامل معها حين تصبح جزءاً من وعينا؟

    في كل عودة إلى هذا العالم، نستعيد إحساساً أولياً بأن العالم قابل للفهم، ثم نكتشف أن هذا الإحساس يتبدّل مع الزمن؛ يقينٌ أخف، وانتباهٌ أعمق، واقتراب أكبر من ذلك الطفل الذي كان يراقب التفاصيل بصمت. وفي النهاية، يتحوّل السؤال من معرفة الفاعل إلى تأمّل مسارنا نحن: كيف تغيّرنا ونحن نحاول أن نعرف؟

  • من يصوغ المشهد؟ اللاعبون الجدد والشرعية الثقافية في سوريا ما بعد نظام الأسد

    من يصوغ المشهد؟ اللاعبون الجدد والشرعية الثقافية في سوريا ما بعد نظام الأسد

    لا يتجلّى سقوط نظام سلطوي في تبعثر مؤسّساته وانهيار منظومته التي بناها فقط، بل في اهتزاز معاييره الرمزية: من يملك تعريف “الثقافة”، ومن يُقصى من دائرتها، وبأي سرديّة تُكتب الذاكرة الجماعية؟ في لحظة الانهيار، تتحرّك الثقافة والمجتمع المدني لافتتاح “حيّز عمومي” جديد تُسمع فيه أصوات متعدّدة كما أشارت له “حنّا آرندت” في كتابها “The Human Condition” فالسياسية الحيّة تصنع في الفعل والكلام، لا عبر احتكار مركزي للصوت والتمثيل، فمن شأن الممارسات الثقافية أن تعيد فتح هذا الحيز باعتباره فضاءّ للتعددية. وتتحوّل القطيعة التاريخية إلى فرصة لالتقاط الماضي وإعادة كتابته ضد السرد الحقيقي. ضمن هذا المجال، يأتي دور “اللاعبون الجدد” من مبادرات محليّة ومهجر، وشبكات فنية وإعلامية، حاملين سرديات بديلة عن الحرب والاعتقال والتهجير، وقد راكمت هذه السرديات شرعية معرفية وأخلاقية سبقت سقوط النظام وتحدّت روايته.

    في الأشهر الأخيرة، تزايدت النشاطات الثقافية والفنية التي تتمحور حول إحياء ذاكرة الثورة السورية، من خلال معارض فنية، عروض مسرحية، وفعاليات أرشيفية. اعتبرت هذه المبادرات ضرورية في مواجهة النسيان أو التزوير، وستكون وثيقة تاريخية في المستقبل سردت نضال شعب في وجه نظام دكتاتوري،  لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة حول حدود هذه المقاربة: هل يكفي التركيز على الذاكرة وحدها لبناء قاعدة فنية ثقافية مجتمعية جديدة؟ وهل باتت هذه الذاكرة مادة آمنة للاستخدام في ظل تغيّر القوى المسيطرة؟ وهل ستكون هذه الذاكرة بوصلة ثقافية وسياسية لمستقبل سوريا؟

    في دمشق، برزت معارض متعددة مثل معرض ” معتقلون ومغيبون” الذي نظمته منصة “ذاكرة إبداعية للثورة السورية” في المتحف الوطني بدمشق برعاية وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف في 19 أيار 2025، ومعرض”البداية” الذي أقيم في بيت فارحي في نيسان 2025 بمشاركة مجموعة من الفنانين السوريين، تلاه معرض “لافتات كفرنبل” الذي استضافته محطة الحجاز في 25 أيار 2025. هذه الفعاليات رغم أهميتها ولكنها خلال الأشهر الماضية مع كثرتها جاءت لتؤكد على مركزية العاصمة في احتضان المشهد الثقافي الجديد.

    وفي المقابل، شهدت بعض المحافظات السورية مبادرات فنية رغم محدوديتها مقارنة بدمشق العاصمة، مثل معرض “صوت الذاكرة” المخصص لتراث الرقة والذي أقيم في أيلول 2025، ومعرض “جسور” الذي نظمته مبادرة “جسور المجتمعية” في مدينة حلب في الشهر نفسه. لكن السؤال يبقى مطروحًا: من هو جمهور هذه المعارض والنشاطات التي تقام في المحافظات البعيدة عن العاصمة؟ وكيف يمكن التعرف على “الآخر السوري” إذا ظلت المركزية قائمة في المدن الكبرى، ولم يكن هناك جمهور من خارج المحافظة يرتاد هذه الفعاليات؟

    في بعض الحالات، نلحظ أن سردية الثورة صارت تُروى من زاوية واحدة، تركّز على بطولة السوريين، لكنها تتجنب عمداً الحديث عن التجاوزات والانتهاكات التي ارتكبتها السلطات التي سيطرت سابقاً على المناطق المحررة والتي تلعب اليوم دورًا رئيسيًا كحكومة انتقالية لسوريا. هذه الازدواجية تخلق فجوة بين الفن ووعيه السياسي، وتُضعف من قدرته على مساءلة كل أشكال السلطة، لا فقط تلك التي سقطت. وهذا يطرح سؤالًا أساسيًا في هذه المرحلة، وهو ما هي مسؤولية اللاعبين الجدد في هذه المرحلة الحساسة للبلاد بتحليل الماضي والتعلم منه وبناء مشهد ثقافي جديد أصيل للبلاد؟

    ورغم التحولات السياسية الكبرى التي رافقت سقوط النظام، إلا أن مشهد تمركز الفعاليات الثقافية في دمشق، وتحديدًا في مركز المدينة، لم يتغير جوهريًا. فالحيّز الثقافي بقي محصورًا في مساحات محددة، وفي أيدي فئات اجتماعية بعينها، تمامًا كما كان عليه الحال في ظل النظام السابق، لكن بمحتوى مختلف هذه المرة؛ حيث حلّت سرديات الثورة أو قصص المعتقلين والمهجرين محل تمجيد السلطة.

    غير أن هذه السيطرة الجغرافية تكشف عن خلل عميق في تصور الفعل الثقافي، إذ تُعيد إنتاج صياغة رمزية ترى أن من يسكنون الأطراف أو المحافظات أو القرى، أقل استحقاقًا لأن يعيشوا طقوس معينة أو يشاركوا في رسم مستقبل الهوية الثقافية السورية. وكأن الثقافة، حتى بعد “التحرير”، لا تزال حكرًا على من يملكون امتياز الجغرافيا واللغة والمظهر. إنّ تمركز الفعل الثقافي بهذه الطريقة لا يُقصي الآخر فقط، بل يُضعف إمكانية بناء مشهد ثقافي جامع، ويبعث برسالة ضمنية فحواها أن “المركز” هو وحده من يعرّف الثقافة، ومن يملك حق توزيع شرعيتها.

    إلى جانب ذلك، يطرح المشهد سؤالًا أخلاقيًّا وسياسيًا بالغ الحساسية حول كيفية التعامل مع شرائح مدنية سورية كانت تُعدّ مؤيدة للنظام، سواء بالصمت أو بالتورط العاطفي مع شعاراته. ماذا عن العائلات التي فقدت أبناءها في صفوف الجيش السوري، وهم مدنيون بسطاء صدّقوا رواية الدولة عن “الوطن والرئيس”، وأرسلتهم إلى الجبهات؟ هل ينبغي تهميش هذه الشريحة نهائياً؟ أم أنّ ثمة مسؤولية ثقافية اليوم في خلق مساحة خطابية تسمح لهم بقول خيباتهم؟ كثير من هؤلاء وجدوا أنفسهم متروكين بعد السقوط، وقد تخلّى عنهم من وعدهم وعود زائفة بالحماية والكرامة. التعامل مع هذه الفئة لا يعني بالضرورة تبرئة ما دافعوا عنه، لكنه يعني الاعتراف بتعقيد المأساة السورية، وبأن كثيرًا من السوريين كانوا أسرى أجهزة دعاية وخوف وأدلجةٍ ثقافية، لا شركاء فعليين في الإجرام.

    وفي لحظة إعادة البناء وتحقيق عدالة انتقالية، لا يمكن استبعادهم، بل يجب التفكير في آليات خطابية وثقافية تسمح بظهورهم كأفراد لهم ذاكرة وحقوق، لا كجماعة مغضوب عليها.

    اليوم، يواجه الحقل الثقافي السوري سؤالًا جوهريًا: من أين تأتي شرعية الثقافة والفن؟ هل من المؤسسات الرسمية وحدها، أم من حاجة المجتمع وتجاربه المتعددة؟ بعد عقود من القمع والإقصاء، بات من الضروري إعادة النظر في الثقافة من زاويتين مترابطتين: الحاجة التي يحددها الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والغاية التي يجب أن تخدم الناس وتفتح النقاش بدل أن تكرر خطابات التبجيل.

    ولتحقيق ذلك، لا يكفي تبديل الوجوه أو الشعارات؛ بل لا بد من مراجعة تجربة المؤسسات الثقافية في ظل النظام السابق، وكيف عملت ضمن القيود، وما الذي أعاقها عن الوصول إلى الناس. فالثقافة الجديدة يجب أن تعيد توزيع الأدوار بعدل، وأن تعترف بتعدد الحكايات ومواقع الألم، وأن تعطي الشرعية لمن يملك القدرة على مساءلة الذات واحتضان الاختلاف. وحدها الثقافة قادرة على استيعاب التناقضات، لتصبح ركيزة في بناء سوريا جديدة تكتب بأصوات متنوعة، لكنها تلتقي عند مطلب الكرامة والعدالة والحقيقة.

    في الشأن السوري هناك فئتين مشاركين في إعادة صياغة الحقل الثقافي وفي تحديد الأدوار اللازمة في ظل هذه المرحلة، السوريون في الشتات الذي اكتسبوا بعض الخبرات الأوسع من خلال دراستهم أو خبرتهم العملية في الخارج، والسوريون العاملون على الأرض في الداخل والذين هم على دراية وتماس بشكل أكبر مع الواقع السوري.

    يعدّ التموضع أكثر الأشكال تحديًّا في صياغة الحقل الثقافي السوري الآن, لماذا؟ فإذا أردنا أن نعتبر أن العين الخارجية القادرة على تحليل الأمور بشكل أكثر منطقي بعيدًا عن الضغوطات اليومية المعيشية، فسيتم رؤية وتحليل الأمور بشكل أكثر مثالية من التفكير في أهمية جمع ” التراخيص” “الموافقات” أو غيرها، بينما الفاعلون في الحقل في الداخل والذين يعيشون تحت ظل ظروف متغيرة بشكل يومي يحاولون بشكل دائم النجاة دون التفكير في الشكل المثالي الذي تترتب تحته الأمور لصياغة حقل ثقافي عادل في المستقبل.

    هذا التحدي يشكّل واقعًا معاشًا اليوم ومنطقي للطرفين، وخاصة أنه في بعض الأحيان يخلق نفور بين الفاعلين في الخارج والفاعلين في الداخل وعدم قدرة على التواصل. بعد سقوط النظام السوري، عاد كثير من الشباب السوريين من فنانين و فاعلين ثقافيين إلى البلاد بحماسة ورغبة صادقة في إطلاق مبادرات فنية وثقافية. لكن غيابهم الطويل جعلهم غير مطلعين على تفاصيل الواقع اليومي وكيفية إنجاز الأمور كما اعتاد العاملون في الداخل. فبينما اعتاد بعض الفاعلين المحليين على العمل بمرونة وبطرق غير رسمية تسمح لهم بالتحرك بعيدًا عن الأضواء والقيود، جاء العائدون حاملين معهم أساليب وقوانين مأخوذة من تجارب غربية قد لا تنجح دائماً في السياق السوري.

    هنا نشأ نوع من التوتر، إذ شعر الفاعلون في الداخل بوجود تهديد لأسلوبهم الذي كان يتيح لهم الاستمرار رغم الظروف الصعبة. وهذا يظهر رؤية واضحة وصريحة للحقل الثقافي السوري اليوم في ظل غياب أي قوانين منصوصة وواضحة يستطيع الفاعلين في الحقل العمل ضمنها ومن خلالها، أو المطالبة بحقوق جديدة.

    في الأنظمة السلطوية مثل نظام الأسد، تقوم الشرعية الثقافية على الرقابة والاحتكار وإقصاء الأصوات المختلفة والمخالفة. ومع سقوط النظام، يتفكك هذا البناء وتظهر فجوة: من يحدد معنى أن تكون “سوريًا” ومن يملك الحق في التعبير الفني؟ عندها تنفجر التعددية، وتعود أصواتٌ منفيّة ومهمشة ومناطقية وإثنية وجندرية لتطالب بمكانها.

    يظهر أيضًا توتر بين الداخل، الذي يرى نفسه حاملًا لشرعية الصمود، والخارج الذي يعتبر ذاكرته ومقاومته بديلًا شرعيًا. ومع تراجع النقابات الرسمية، تتشكل شرعية جديدة عبر مبادرات مستقلة ومنصات رقمية ومسارح صغيرة، تُبنى على القدرة على تمثيل الواقع وطرح الأسئلة لا على الانتماء السياسي. في هذه اللحظة، لا تُمنح الشرعية من فوق، بل تُنتزع من الأسفل، ويصبح قبول التعدد شرطًا لإعادة تعريف الثقافة والهوية السورية معًا.

    من التجارب التي يمكن أن تُلهم المشهد الثقافي السوري في لحظة ما بعد النظام، تجربة جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، حيث تم استخدام الثقافة والفنون كأداة للمصالحة وكشف الحقيقة في آنٍ معًا. في هذا السياق، يوثّق كتاب Country of My Skull للكاتبة الجنوب إفريقية أنتي كروغ (Antjie Krog, 1998) شهادات حيّة من جلسات “لجنة الحقيقة والمصالحة”، ويبرز كيف أسهم الشعر والسرد الشفهي والفن في تحرير الذاكرة الجمعية، وتوفير مساحة اعتراف متبادلة تُعيد للضحايا كرامتهم دون الوقوع في خطاب الثأر أو النسيان.

    غالبًا ما اعتبر توحيد المانيا بعد سقوط دار برلين عام 1989 كقصة نجاح سياسي، لكنه على المستوى الثقافي كشف عن إقصاءٍ وهيمنة جديدة. فبينما اندمجت مؤسسات ألمانيا الشرقية بسرعة في النظام الغربي، ظلّت ذاكرة سكانها وثقافتهم اليومية في موقع الهامش. الأدب والفنون التي نشأت في ظل النظام الاشتراكي جرى التعامل معها على أنها مجرد دعاية سلطوية بلا قيمة، في حين أن الرواية الغربية وحدها اعتُبرت التعبير “الأصيل” عن الهوية الألمانية الموحدة.

    هذا التهميش أثار ظاهرة عُرفت باسم أوستالجيا (Ostalgie)، أي الحنين إلى ملامح الحياة في الشرق. لم يكن الأمر مجرّد نزعة عاطفية لاسترجاع الماضي، بل احتجاجًا على محو تجربة كاملة من السرد الوطني وقمع أصوات لها تاريخها وحكايتها.

    تقول دراسات أنثروبولوجية مثل عمل بويَر “Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany” أن هذه الظاهرة لم تكن حنينًا إلى النظام السياسي بقدر ما كانت رفضًا لاحتكار الذاكرة من طرف واحد.

     في لبنان، تكشف الباحثة زينة معاصري في كتابها “ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية” كيف ساهمت الملصقات السياسية خلال الحرب وبعدها في إعادة إنتاج سرديات طائفية وحزبية، مشيرة إلى أن الثقافة البصرية غالبًا ما عكست مصالح سلطات الأمر الواقع أكثر من اهتمامها ببناء سردية جامعة أو مساءلة سياسية حقيقية.

    تبني المعاصري تحليلها على نماذج قدّمها كل من نعوم تشومسكي، إرنستو لاكلو وشانتال موف، ستيوارت هول، ورولان بارت، لفهم الملصقات باعتبارها “مواقع رمزية لصراع هيمني”. إنها تطرح حجّة نقدية: فالملصق لا يُسجّل هوية ثابتة، بل يُستخدم كوسيلة تُبنى من خلالها الهوية وتُسعى لفرضها. والأهم من ذلك، أن الصراع نفسه — وليس الفروقات الطبيعية المزعومة بين الفصائل — هو ما يفسّر التناحر بينها.

     أما في تونس، افتقر الحراك الثقافي الشعبي الذي أعقب ثورة 2011 إلى دعم مؤسساتي واضح، مما أدى إلى انطفاء العديد من المبادرات، في ظل غياب سياسة ثقافية وطنية تستثمر في هذا الزخم. تكشف هذه التجارب مجتمعة أن نجاح أي مشروع ثقافي في سياق ما بعد السلطوية لا يتوقف فقط على مساحة الحرية الجديدة، بل يتطلب بناء أدوات نقدية، ومؤسسات مستقلة، وآليات لضمان مساءلة الذاكرة من جميع أطرافها، حتى لا يتحول الفن إلى أداة تمجيد جديدة بوجه آخر.

    هذه الدروس تُلقي بظلالها على مستقبل الثقافة في سوريا. فبعد عقود من مركزية دمشق بجعلها مرجعًا وحيدًا للثقافة، يواجه اللاعبون الجدد – من مبادرات محلية في الأرياف والمدن البعيدة، إلى الفاعلين الثقافيين في الشتات – تحديًا مزدوجًا: كيف يمنعون إعادة إنتاج مركزية جديدة، وكيف يضمنون أن أصوات المنفيين والمناطق المهمشة سيكون لها صوت مسموع وحضور واضح وصريح في المشهد الثقافي السوري؟

    ومن هنا نأتي لسؤال “كيف يمكن للممارسات الفنية والثقافية أن تتفاوض على حقها في الحيز العام وسط سلطات الأمر الواقع؟” والدي يعدّ من أكثر الأسئلة إلحاحاً في سياق ما بعد انهيار نظام أو في سيطرة سلطات غير منتخبة. فالفن، حين يتحرك في فضاء عام غير حر، يصبح ليس فقط أداة تعبير، بل أداة تفاوض، وربما مقاومة.

    في ظل سلطات الأمر الواقع، لا تُكتسب شرعية الحضور الثقافي من اعتراف قانوني أو حماية مؤسساتية، بل تُنتَزع من خلال استراتيجيات يومية ذكية تتراوح بين الوضوح والمراوغة. فالممارسات الفنية يمكن أن تتسلل إلى الفضاء العام عبر أشكال غير مباشرة، مثل الجدارية التي تُظهر مشهداً طبيعياً لكنه مشبع برموز مقاومة، أو العرض المسرحي الذي يُدرّب الأطفال على التعبير لكنه يُخفي طبقات نقدية موجهة نحو سلطات القمع. في مثل هذه السياقات، يصبح الحضور نفسه فعلاً سياسيًا، حتى لو أنكر القائمون عليه ذلك.

    لكن التفاوض لا يعني دائماً المواجهة. أحيانًا، يختار الفنانون الدخول في “لعبة الرموز” عبر استخدام لغة توافقية تُرضي السلطة سطحيًا لكنها تفتح أفقاً للتلقي المتعدد، وتخلق مساحة للتفكير النقدي داخل المجتمع المحلي. على سبيل المثال، يمكن لمعرض فني أن يُقدَّم كـ”احتفاء بالتراث”، لكنه في الواقع يعيد سرد التاريخ من وجهة نظر مهمّشة. هذه الاستراتيجيات تُشبه ما وصفه ميشيل دو سارتو بـ”الفعل اليومي الخفي” الذي يخرق البنية من داخلها دون إعلان التمرد.

    ومع ذلك، ثمة حدود. فهذه الممارسات مهددة دائمًا بالمصادرة أو التقييد أو الخطورة الأمنية. لذا، من الضروري أن يرافقها وعي نقدي بالعمل المقدم وبالخطاب المستخدم وبالمسؤوليه اتجاه الاخر المشارك بالعمل، وتضامن بين الفاعلين الثقافيين، وسعي لتوثيق الممارسة كفعل سياسي حتى لو تم تقديمه كفعل فني صرف. هذا التوثيق  الذي قد يكون سريًا أو مؤرشَفًا رقميًا خارج البلاد هو ما يحفظ أثر الفعل ويمنع محوه الرمزي.

    بالمحصلة، الممارسة الثقافية وسط سلطات الأمر الواقع ليست رفاهية، بل شكل من أشكال التفاوض اليومي على الوجود، والكرامة، والمعنى. هي فعل مقاومة ناعم، لا يرفع بالضرورة شعارًا، لكنه يزرع شكًّا، أو يعيد سؤالًا، أو يفتح نافذة.

    في لحظة التحوّل التي تعيشها سوريا بعد سقوط النظام، لا تُبنى الشرعية الثقافية بإرث الماضي أو عبر دعم خارجي فحسب، بل تُكتسب من قدرة الفاعلين الجدد على الإنصات العميق، والتواصل الصادق مع المجتمع المحلي، لا باعتباره جمهورًا مستهلكًا، بل شريكًا في الإنتاج والمعنى.

    إنّ الشرعية اليوم تُصاغ من الأرض، من القرى والمخيمات والمحافظات المهمشة، من ورش عمل ثقافية أو فنية، ومن عروض الأطفال، ومن الحكايات التي تُروى في الزوايا البعيدة، لا فقط من على خشبات المهرجانات الدولية. وهنا يتجلى دور الفاعلين الجدد، لا كممثلين عن “ثقافة بديلة” تحاكي مفردات النخبة، بل كميسّرين لحوار طويل مع الناس، يسهم في إعادة بناء الثقة بالثقافة كأداة حياة، لا ترف. إن التقرب من المجتمع، بكل شرائحه وتناقضاته، هو ما يمنح القاعدة الثقافية والفنية السورية شرعيتها الحقيقية، ويؤسس لبصمة سورية جديدة—هوية لا تفرضها أيديولوجيا، بل تُشكَّل عبر التعدد، حيث يشعر كل سوري، مهما كان موقعه، بأنه شارة أصيلة في هذه الهوية، لا مجرد ظلٍ في حكاية لا تخصه.

    لكن يبقى السؤال مفتوحًا حول الدور الذي سيلعبه الفاعلون الجدد في الحقل الثقافي السوري، ومدى قدرة المبادرات المستقلة على إحداث أثر حقيقي في المشهد. فهل سنشهد حضورًا فعّالًا لمنصات مثل” الاتحاد الطلابي السوري”، التي رفعت مطالب واضحة ضد قرارات مجحفة كمنع استخدام البديل العاري في كلية الفنون الجميلة بدمشق، أم ستظل هذه الأصوات محصورة في إطار احتجاجي محدود؟ وهل تستطيع مبادرات مثل” خزان، معمل،ثقافة”، الساعية إلى فتح نقاش معمّق حول السياسات الثقافية السورية، أن تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على صياغة خطاب فعال في المدى الطويل؟ إنّ التحدي يكمن في ما إذا كان لهذه المبادرات أن تشكّل بنى بديلة حقًا، تساهم في تأسيس مشهد ثقافي جديد قائم على التعددية والمساءلة، أم أنها ستواجه المصير نفسه الذي واجهته محاولات سابقة، حيث جرى تهميشها أو قمعها تحت منطق السلطة.

    المراجع:

    .ARENDT, H. (n.d.). The Human Condition. Chicago: The University of Chicago Press

    Boyer, D. (2006). Ostalgie and the Politics of the Future in Eastern Germany . Duke .University Press

    Certeau, M. d. (1984). The Practice of Everyday Life. Berkeley: University of California Press

    Ketiti, A. (2023). Street art as a transforming agent of public space in Arab World. Case study of two artistic groups in Tunisia 1. Research Gate.

    Krog, A. (1998). Country of my skull. [Johannesburg]: Random House.

    معاصري, ز. (2010). ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية. الفرات للنشر والتوزيع.