بين النجاة الفردية والعمل الجماعي
تشهد سوريا إحدى أشد لحظات الهشاشة في المشهد الثقافي منذ عقود؛ فبعد سنوات الحرب والانقسام، تراجعت المؤسسات الرسمية عن أداء دورها في رعاية الثقافة والفنون، بينما وجد الفنانون والمبادرات المستقلّة أنفسهم في مواجهة تحديات غير مسبوقة؛ سواء كانت تمويلية أو تنظيمية أو أمنية.
في هذا السياق، يصبح التعاون بين المبادرات والمؤسسات الثقافية المستقلة ضرورةً وجوديّة، تفرضها الحاجة إلى الاستمرار، ومسعىً للحفاظ على مساحات الفعل الثقافي والفني في مواجهة الخراب.
شكّل العمل الثقافي المستقل في سوريا تحديًا منذ عام 2011، إذ عانت المبادرات والمؤسسات الصغيرة من عزلة وتشتت نتيجة غياب الدعم، وامتازت بصعوبة الوصول إلى التمويل حيث كانت العقوبات المفروضة على سوريا تجعل من شبه المستحيل على المبادرات الصغيرة الحصول على المنح، نظرًا لقلة المؤسسات المانحة المستعدّة للتعامل مع الداخل السوري، إضافةً للرقابة والظروف السياسية والأمنية التي كبّلت الحقل الثقافي.
لكن، ورغم كل العقبات، ظهرت خلال هذه الفترة مبادرات متفرقة من كيانات فنية مستقلة – مسرحية، موسيقية وبصرية – تسعى إلى الاستمرار رغم الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الخانقة، وانطلاقًا من الحاجة المتكرّرة للتعاون بهدف الاستمرارية في الإنتاج الفني، إذ أنّ هذه الكيانات غالبًا ما تعمل بموارد محدودة جدًا، وتواجه صعوبات لوجستية وتقنية تجعل العمل منفردًا شبه مستحيل.
في عام 2021 جرت محاولة أولى لتأسيس شبكة للتحالفات الفنية في سوريا، تحت مسمى “شبكة التحالفات الفنية”، لتكون مظلة للتعاون المشترك في الإنتاج والتدريب والبحث عن التمويل.
ضمّت هذه المبادرة كيانات مثل مشروع مراية المسرحي، كورال غاردينيا، بيت الفن، فرقة ليش، وغيرها، وتأسست على بروتوكول تفاهم ينظم العمل المشترك مع الحفاظ على استقلالية كلّ كيان. ورغم أنّ المشروع لم يكتمل، إلّا أنّه شكّل لحظة مهمة أظهرت الحاجة الملحة لبنية تضامنية تدعم الثقافة المستقلة داخل سوريا.

ما بعد السقوط: بين رفع العقوبات وتخبّط المؤسسات
مع سقوط النظام وبدء الحديث عن إلغاء العقوبات، تغيّرت المعادلة جزئيًا، بعض المراكز الثقافية الأجنبية بدأت تتحسس الطريق لافتتاح مراكز لها في سوريا مجددًا، في محاولة لـ”جس النبض”.
في المقابل لم تلعب وزارة الثقافة السورية أي دورٍ يُذكر: إذ انكفأت على نفسها طويلًا، ولم يكن لها وجود فعلي في حكومة إدلب، فيما ظلت بعد السقوط تحت إدارة الوزيرة السابقة لكن بصلاحيات مجمّدة، بانتظار انتقالها للوزير الجديد الذي أظهر منذ البداية افتقارًا لفهم آلية عمل الوزارة أو إدارة الحقل الثقافي. هذه الثغرة جعلت المشهد أكثر هشاشة، وعمّقت الحاجة لبٌنية مستقلة تعوّض غياب المرجعيات الرسمية.
الحاجة إلى تحالفات جديدة:
تتضح الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء تحالفات فنية سورية وسط كلّ هذه التحولات، هذه التحالفات لا يُراد لها أن تكون مجرد مظلات إدارية أو تنسيقية، بل فضاءات حقيقية لتقاسم الموارد، مشاركة المعرفة، بناء قدرات مشتركة، والدفاع عن حق الثقافة في الحياة والحرية.
فالثقافة هي مجال للمقاومة وإنتاج المعنى، ولا يمكن أن تستمر إلا عبر البنية الجماعية التي تكسر العزلة وتعيد للفعل الثقافي موقعه في الفضاء العام.
في هذا السياق، يصبح التفكير في بناء شبكة ثقافية سورية أمرًا حتميًّا، ليس فقط لمشاركة الموارد والخبرات، بل أيضًا لخلق مساحة تفاوض جماعية مع الجهات المانحة المحلية والدولية، ولمواجهة التحديات المشتركة مثل غياب البنية التحتية، ضعف الوصول إلى الجمهور، والحاجة لتوثيق وإنتاج معرفة ثقافية مستقلة.
من الأمثلة الحيّة في التجارب المشتركة، تعاون “مشروع مراية المسرحي” مع “كورال غاردينيا” في أعمال مسرحية غنائية أو مشاريع بودكاست توثيقية، تبرهن أن التعاون ممكن وفعّال. لكن المطلوب الآن أن تتجاوز هذه المبادرات حدود الثنائية إلى شكل أوسع من التحالفات الشبكية، القادرة على:
- ضمان حد أدنى من الموارد التقنية واللوجستية.
- حماية الاستمرارية في وجه أي انقطاع تمويلي أو سياسي.
- خلق قوة تفاوضية أكبر أمام المانحين والشركاء الدوليين.
التحالفات كقوة ضغط:
التحالفات الثقافية ليست مجرّد تكتلات مهنية أو منصات لتبادل الخبرات، بل يمكن أن تتحوّل إلى قوة ضغط سياسية واجتماعية تدفع باتجاه التغيير.
في سوريا، قدّم مطلع الألفية مثالًا واضحًا مع ما عُرف بـ “ربيع دمشق”، حين اجتمع عشرات المثقفين والفنانين لإطلاق بيانات ومنتديات، مثل “بيان الـ 99” و “إعلان دمشق”. كانت تلك أول محاولة جماعية لتأطير أصوات المثقفين السوريين في مواجهة السلطة، وصياغة خطاب ديمقراطي بديل.
هذه المبادرات لم تكن مجرّد مواقف فردية، بل كانت تحالفًا ثقافيًّا فكريًّا، أعاد تعريف دور المثقف والفنان كفاعل في الحقل العام، ومهّد لاحقًا للحظة الثورة السورية.
ما جرى في سوريا يجد صداه في تجارب عربية موازية. ففي تونس، كان للحركات الثقافية والمسرحية المستقلة دور محوري بعد 2011 في ترسيخ فضاءات النقاش العام، وتحويل الفعل الفني إلى ممارسة سياسية تضغط باتجاه مسار العدالة الانتقالية.
وفي فلسطين، شكّلت مبادرات مثل “عونة ” شبكات عمل تضامنية تجاوزت الطابع الفني الصرف، لتصبح أدوات دعم مجتمعي في مواجهة الاستعمار اليومي. هذه التجارب تظهر أن التحالفات الثقافية، حين تتجاوز منطق الفردية وتتحول إلى كيانات جماعية منظّمة، تستطيع أن تخلق كتلة ضاغطة حقيقية، قادرة على التأثير في الوعي العام والسياسات على حد سواء.
ولا ننفي كذلك جدوى الشبكات في توسيع دور الممارسة الفنية الثقافية كشبكة “تماسي” العربية التي جمعت مؤسسات فنون أداء من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتنسيق عروض، مشاريع، تدريب مشترك وتبادل خبرات، إضافة إلى برنامج الدعم والتشبيك التي تقدمها “مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة” حيث تعتمد آليات عملها بشكل أساسي على الشراكات وتقاسم الموارد.
مثل هذه التجارب تقدم إلهامًا لسوريا في بناء شبكة مرنة، غير مركزية، تحترم خصوصيّة كل مبادرة، لكنها تخلق قوةً تفاوضيّة ومعرفيّة أكبر من قدرة أي مؤسسة بمفردها وطريقًا ممكنًا إذا توفرت الإرادة والرؤية والتنظيم.
نحو رؤية مستقبلية:
إن التفكير في شبكة ثقافية سورية اليوم هو استثمار في المستقبل: مستقبل تتقاطع فيه الفنون مع العدالة الاجتماعية، والذاكرة مع التغيير السياسي، والتجريب الفني مع بناء بدائل مستدامة. ولعلّ اللحظة الراهنة، بكل هشاشتها، هي أكثر اللحظات إلحاحًا لالتقاط هذه الفرصة. وبخاصة أنّ المجتمع السوري يعيش اليوم حالة تشظي جغرافي واجتماعي، لكن الفنون بقيت من بين المساحات القليلة القادرة على وصل ما انقطع.
يكتسب التعاون أهميته من موقع الثقافة في لحظة ما بعد الحرب. فالثقافة ليست ترفًا، بل هي أداة للمواجهة والشفاء وإعادة بناء الثقة بين الأفراد والجماعات وإحداث أثر ملموس في الفضاء العام. تمتلك المشاريع المشتركة قدرة على إنتاج سرديات جديدة تتجاوز خطاب الثأر والانقسام، وتمنح السوريين فرصة لرواية قصتهم بأصوات متعددة، بعيدًا عن احتكار السلطة أو الاصطفافات السياسية. إنها محاولة لإعادة الاعتبار لوظيفة الثقافة كذاكرة جمعية، وكحقل مقاومة مدني في وجه محاولات المحو والإنكار.
إن الرهان على التعاون حاليًا في سوريا هو رهان على المستقبل. فهو يسعى إلى تأسيس فضاء ثقافي بديل، أكثر عدلًا وتعددية، يعترف بتجارب الناجين والناجيات، ويعيد وضع الفن في قلب النقاش حول العدالة الانتقالية وبناء السلام.
من هنا، لا يُنظر إلى التعاون الثقافي بوصفه مجرد تقاطع مهني أو تبادل خبرات، بل كجزءٍ من معركة أوسع لصياغة مجتمع أكثر إنصافًا، يملك القدرة على إنتاج معنى جديد بعد كل ما عاشه من فقدان ودمار.
وكما كان ربيع دمشق شرارة أمل أعادت تعريف دور المثقف، يمكن للتحالفات الثقافية اليوم أن تكون الشرارة التي تعيد كتابة الحكاية السورية، لا بوصفها تاريخًا من الدم والانقسام، بل كمسار نحو المصالحة والكرامة الإنسانية.

