محليّات التبييء: التكييف والتوطين في دراما الطفل العربية في التسعينيات”بحر الحكايات” و”كان ياما كان”

في كلِّ مرةٍ أحاولُ فيها العودة إلى منتجات الطفل الثقافية التي يفترض بأنها صنعت وعينا في التسعينيات وبداية الألفية، أجدُ نفسي أمام سؤال يبدو محرجًا أكثر من أيِّ وقتٍ مضى: ما جدوى العودة إلى هذه المواد الآن؟ ما معنى تفكيك قصص ومسلسلات الأطفال في لحظة تبدو فيها المنطقة غارقةً في انهياراتٍ متتالية، وفي زمنٍ تتآكل فيه المعاني الكبرى نفسها؛ من فكرة الوطن، إلى العائلة، إلى المستقبل؟ وسط هذا المشهد الذي يقترب أحيانًا من عبثٍ وجوديٍّ كامل، تبدو الكتابة عن مسلسلات مثل «كان يا ما كان» أو «بحر الحكايات» فعلًا هامشيًا أو متأخرًا عن الكارثة.

لكن ربما تأتي أهمية هذه العودة تحديدًا من هذا التأخر نفسه. فمن الصعب فهم ما يحدث اليوم من دون العودة إلى البنى الرمزية التي ساهمت في تشكيل أجيالٍ كاملة، وإلى اللغة الأخلاقية التي نُظّم عبرها مخيال الطفل في تلك المرحلة. فهذه الأعمال لم تكن مجرد ترفيه أو حكايات ما قبل النوم، بل كانت جزءًا من عملية تنشئةٍ اجتماعية وثقافية واسعة، جرت داخل لحظة سياسية وثقافية محددة جدًا في المنطقة العربية.

في التسعينيات، كانت المنطقة تخرج من هزائم ثقيلة: تراجع المشروع القومي العربي، آثار حروب الخليج، تفكك الأحلام الجماعية الكبرى، وصعود أنماطٍ جديدة من الاقتصاد والثقافة والإعلام. وفي الوقت نفسه، بدأ الخطاب المرتبط بالعولمة والانفتاح والسوق الحرّة يعيد تشكيل صورة العالم والمنطقة معًا. داخل هذه اللحظة ظهرت منتجات الطفل التلفزيونية بوصفها محاولة لإعادة تنظيم المعنى، وإنتاج بوصلة أخلاقية مستقرة وسط عالمٍ يتغير بسرعة. كانت الحكايات تقول للأطفال، بطريقة غير مباشرة، كيف يجب أن يكون الخير، ومن هو الشرير، وما معنى العدالة، والطاعة، والعمل، والعائلة، والمصير، إلى جانب كونها من أوائل الأعمال التي صُنعت بعد التقدم التقني في مجالات التصوير والمونتاج.

اليوم، يبدو المشهد مختلفًا بشكلٍ جذري. فالأطفال الذين يعيشون داخل فضاءات رقمية مفتوحة يتلقون منظومات قيم متناقضة ومتشظية في الوقت نفسه. بين اقتصاد المؤثرين، وثقافة “عوي ولاك” و”مين هو ربك”، ومنطق “طبق الكرامة”، والاستقطابات السياسية الحادة، والخطابات الأيديولوجية المغلقة التي تعصف بسوريا والمنطقة، يصبح سؤال التنشئة أكثر تعقيدًا من أيِّ وقتٍ مضى. ما الذي ينتج عن جيلٍ يتربى داخل اقتصاد الانتباه؟ كيف يُعاد تشكيل الحس الأخلاقي عندما تصبح القيمة مرتبطة بالمشاهدة والتفاعل والانتشار؟ وكيف ستنعكس هذه التحولات على شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المستقبل القريب؟

لم نعد إلى هذه المنتجات بدافع الحنين إلى «زمن أجمل»، ولا بوصف تلك الأعمال نماذج مثالية ينبغي استعادتها، وإنما لمحاولة فهم كيف كانت تُصنع المنظومات الأخلاقية والرمزية للأطفال في لحظة تاريخية مختلفة، وكيف كانت الحكاية التلفزيونية تعمل كأداة لإعادة ترتيب العالم وتبسيطه ومنحه معنى متماسكًا. وربما أيضًا لفهم ما الذي تغيّر اليوم، وما الذي يحدث للمخيال الجمعي عندما تنتقل عملية التنشئة من الحكاية الجماعية البطيئة إلى التدفق الرقمي السريع، ومن العبرة الأخلاقية الواضحة إلى فضاء مفتوح من الاستقطاب والتشظي وفائض المعنى.

أما العينة التي تتناولها المادة، فهي بشكلٍ حصري منتجات الطفل التلفزيونية التي صُنعت محليًا: «كان ياما كان» و«بحر الحكايات»، المبنيان على أساس ثابت من الحكاية الشعبية ممزوجة الهوية بين المحلي والعالمي، لكنهما يُعتبران من الإنتاجات القليلة المصنوعة من الألف إلى الياء بأيدٍ محلية موجّهة للطفل العربي، وهذا ما يفرقهما عن المنتجات المعرّبة أو المقتبسة وغيرها.

هنا يأتي سؤال الحرفة: في حال كان المنتج مصنوعًا محليًا، ما هي سياسات تكييفه؟ وما هي حدود خياله؟ وما هي ضوابطه الأخلاقية والقيمية؟ وقيم وأخلاق من يقوم بنشرها؟

لم تكن الحكاية الشعبية المحلية أو العالمية بحاجة إلى شاشة كي تعيش. كانت تعيش في الفم، في السوق، في ظلِّ شجرة، في ليالي القرى حيث تتبدل مع كلِّ قاصٍّ وتكتسب مع كلِّ إعادة حياةً جديدة. لم تكن نصًا مغلقًا، بل كائنًا حيًا يتنقل بين البيئات واللغات والتأويلات. لكن حين قررنا نقلها إلى التلفزيون، وأن نُلبسها فصحى مصقولة، وأن نضعها داخل قرية تراثية متقنة الصنع أو فضاء فانتازي مضاء بعناية، لم نكن نرويها فقط، بل كنّا نعيد تشكيلها.

في تسعينيات القرن الماضي ظهرت تجربتان في هذا المسار: «كان يا ما كان» (1992) في سوريا و«بحر الحكايات» (1997) في البحرين، بوصفهما محاولتين عربيتين لإعادة تقديم الحكاية الشعبية للطفل عبر وسيطٍ جديد. بدت هذه الأعمال، للوهلة الأولى، وفيةً للتراث: أزياء قديمة، قلاع، سحرة، ملوك، ومخلوقات أسطورية. غير أن ما يحدث داخل هذا الإطار أبعد من مجرد استعادةٍ للتراث. فالحكاية التي عاشت طويلًا في فضاء شفهي مفتوح، حيث يمكن أن تتغير من قاصٍّ إلى آخر، أو التي عاشت بين الكتب والمدونين كتدوينات «ألف ليلة وليلة»، دخلت جهازًا إنتاجيًا جديدًا: التلفزيون القومي، بلغته المعيارية، وبنيته السردية المنضبطة، ورسائله الأخلاقية الواضحة، بالإضافة إلى قرار توجيه الحكاية للطفل، مما تطلّب إعادة توليف واقتطاعات وتغييرات قد تكون جذرية.

هنا لا تبدو المسألة مجرد اقتباس أو نقل للحكاية من وسيط إلى آخر. فانتقال النص بين الوسائط هو دائمًا عملية إعادة توجيه للسياق، أي إعادة ترتيب للعلاقات بين اللغة والصورة والمعنى. وما يبدو إعادة سرد بريئة قد يكون، في الواقع، إعادة كتابة ثقافية للحكاية نفسها. ماذا يحدث للأسطورة حين تُنزع من بيئتها الأصلية وتُعاد صياغتها داخل جهاز إنتاج وطني؟ وماذا يحدث للغة حين تصبح الفصحى هي الوعاء الوحيد المقبول للطفل، سواء في هذه الأعمال أو أيِّ عمل موجّه للطفل، بينما تختفي لهجته اليومية من الشاشة؟

كيف تحوّلت الحكاية الشعبية، عندما انتقلت من فضائها الشفهي المتحوّل إلى الشاشة التلفزيونية العربية في التسعينيات، من نصٍّ مفتوح على تعددية التأويل إلى خطاب تربوي بصري يُعاد من خلاله تنظيم الخيال واللغة والقيم ضمن إطار قومي؟

ويمكن تفكيك هذا السؤال إلى ثلاث طبقات تحليلية مترابطة:

الأولى تتعلق باللغة: كيف أعادت الدراما التلفزيونية العربية صياغة الحكاية الشعبية عبر الفصحى المعيارية؟ وما أثر ذلك على علاقة الطفل بلغته اليومية؟

والثانية تتعلق بالقيم: كيف تحوّلت الحكايات الشعبية متعددة التأويل إلى حكايات ذات رسالة أخلاقية واضحة وعبرة جاهزة؟ ما وظيفة الحكاية هنا وما دورها؟

أما الثالثة فتتعلق بالصورة: كيف استخدمت الدراما الفانتازيا والديكور التراثي بوصفهما أدوات بصرية لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي؟

ومن خلال قراءة مسلسلي «كان يا ما كان» و«بحر الحكايات»، نحاول تتبّع الكيفية التي أُعيد من خلالها تنظيم الحكاية الشعبية داخل هذا الإطار الجديد، حيث تتحول الأسطورة من فضاء سردي مفتوح إلى منتج بصري–لغوي منضبط، تعمل فانتازياه بوصفها أداة لإعادة ترتيب الخيال وضبطه، أكثر مما تفتح له مساحات جديدة للتأويل.

قبل الدخول في تحليل هذه التجارب، ربما من الضروري توضيح نقطة تتعلق بموضع النظر نفسه. فهذه القراءة لا تنطلق من موقعٍ محايد تمامًا، بل من موقع شخصي–اجتماعي تشكّل داخل فضاء ثقافي عربي محدد. أنا أنتمي إلى جيل نشأ في تسعينيات المنطقة، في زمنٍ كانت فيه هذه المسلسلات جزءًا من الذاكرة البصرية اليومية لجيلٍ كامل من الأطفال. كما أنني أكتب هذه المادة من موقع اجتماعي محدد: ابن عائلة دمشقية سنية من الطبقة المتوسطة الدنيا، نشأت داخل بيئة مدينية كانت الثقافة التلفزيونية فيها أحد أهم مصادر الخيال والمعرفة المبكرة.

لذلك فإن هذه القراءة تتحرك بين مستويين متداخلين: ذاكرة شخصية تشكّلت داخل الثقافة التلفزيونية العربية في التسعينيات، ومحاولة لاحقة لفهم هذه الذاكرة من خلال أدوات نقدية اكتسبتها في سياقات تعليمية وثقافية مختلفة.

هذا التموضع لا يُقصد به تقديم سيرة ذاتية بقدر ما هو محاولة للاعتراف بشروط النظر نفسها. فكل قراءة ثقافية تنطلق من موقع اجتماعي ومعرفي محدد، حتى عندما تدّعي الحياد. ومن هذا الموقع تحديدًا، بين التجربة الشخصية والاشتغال النقدي، أحاول هنا إعادة النظر في هذه الأعمال.

الكرتون المحلي إنتاجيًا: 

من المفيد التوقف قليلًا عند سياق الإنتاج للعملين اللذين يشكلان عينة هذه المادة، لأن البنية الإنتاجية  الجهات المنتجة، وطبيعة البث والخيارات الجمالية أبعد من مجرد خلفية تقنية إنما جزء من الإطار الذي أعاد تشكيل الحكاية عندما دخلت التلفزيون.

أُنتج المسلسل السوري «كان يا ما كان» عام 1992، في لحظة كانت فيها الدراما السورية تعيش إحدى مراحل صعودها في السوق التلفزيوني العربي. تولّت إنتاجه «شركة شيخاني للإنتاج المرئي» بالتعاون مع التلفزيون السوري، وكتب نصوصه الكاتب داوود شيخاني، الذي اعتمد على إعادة صياغة مجموعة من الحكايات الشعبية العربية والعالمية، بينما تولّى إخراجه أيمن شيخاني. جاء العمل على شكل حلقات منفصلة تعتمد بنية الحكاية الواحدة في كل حلقة، حيث تتطور الأحداث داخل فضاء فانتازي يضم ملوكًا وسحرة وتجارًا وأبطالًا شعبيين، لتنتهي غالبًا بعبرة أخلاقية واضحة.

استمر إنتاج المسلسل عبر أربعة أجزاء بين عامي 1992 و1999، وشارك فيه عدد كبير من نجوم الدراما السورية في تلك المرحلة. وقد تميّز العمل، على مستوى الصناعة التلفزيونية العربية آنذاك، باستخدامه المبكر لتقنيات المؤثرات البصرية و«الكمبيوتر غرافيك» في بناء الفضاء الفانتازي للحكايات، وهو ما جعله واحدًا من التجارب التي حاولت الجمع بين التراث الحكائي والصورة التلفزيونية الحديثة. انتشر المسلسل على نطاق واسع عبر القنوات العربية، وانتقل لاحقًا من إطار إنتاج التلفزيون السوري إلى البث عبر شبكة راديو وتلفزيون العرب (ART)، الأمر الذي ساهم في تكريس حضوره في الذاكرة البصرية لجيلٍ كامل من المشاهدين في المنطقة.

أما العمل الثاني وهو «بحر الحكايات»، فقد أُنتج في البحرين عام 1997 صُمّم المسلسل بوصفه عملًا عائليًا موجّهًا للأطفال، يقوم أيضًا على بنية الحكايات المنفصلة التي يجمعها حضور الراوي. اعتمد العمل على إعادة تقديم مجموعة من الحكايات المتنوعة، بعضها مستمد من التراث الشعبي العربي وبعضها الآخر من الحكايات العالمية، مثل «سندريلا» و«معروف الإسكافي» و«القلعة المسحورة».

وقد حاول المسلسل أن يدمج هذه الحكايات داخل بيئة بصرية محلية تستلهم القرية التراثية والملابس التقليدية الخليجية، ما أضفى عليه هوية جمالية مرتبطة بالفضاء الثقافي البحريني والخليجي عمومًا. شارك في العمل عدد من رواد المسرح والتلفزيون في البحرين، من بينهم يوسف بوهلول والراحل إبراهيم بحر، وجرى تقديم الحكايات باللغة العربية الفصحى ضمن إطار درامي يمزج بين الترفيه والعبرة التعليمية.

وعلى الرغم من أن «بحر الحكايات» لم يحقق الانتشار العربي الواسع الذي حققه نظيره السوري، فإن وضع العملين جنبًا إلى جنب يكشف عن ظاهرة أوسع من مجرد تجربتين منفصلتين. فكلاهما ينتمي إلى لحظة تلفزيونية عربية واحدة تقريبًا في التسعينيات، وكلاهما يعتمد الحكاية الشعبية بوصفها مادة سردية أساسية، وكلاهما يعيد تقديم هذه الحكايات ضمن فضاء فانتازي بصري ولغة فصحى معيارية موجّهة للطفل.

غير أن الاختلاف في السياق الإنتاجي بين مركز درامي مثل سوريا وسياق خليجي أصغر يمنح المقارنة بين العملين أهمية إضافية، لأنه يسمح بقراءة الكيفية التي أُعيد من خلالها تشكيل الحكاية الشعبية داخل وسائط إنتاجية وثقافية مختلفة، لكنها تشترك في محاولة واحدة: إعادة إدخال الحكاية إلى المجال التلفزيوني العربي بوصفها مادة تعليمية وتخيلية في آنٍ واحد.

التكييف: الاقتباس، إعادة الكتابة، والتكرار

يرى باتريس بافيس في قاموس العروض الأدائية والمسرح المعاصر أن الانتقال بين الوسائط ليس مجرد عملية نقل تقني، بل عملية تحويل وتأويل في آنٍ واحد. فالاقتباس، كما تشير هذه الدراسات، «ليس مجرد نقل لنص من وسيط إلى آخر، بل هو في الوقت نفسه صيرورة تحويل وتأويل. فالنتيجة النهائية ليست إعادة إنتاج العمل الأصلي كما هو، بل عمل جديد ينشأ انطلاقًا منه. ولهذا لا يمكن فهم الاقتباس بوصفه عملية نقل حرفي، بل بوصفه إعادة تنظيم للمادة الأصلية داخل نظام دلالي وجمالي مختلف».

ولفهم التحول الذي شهدته الحكاية الشعبية عندما انتقلت من فضائها الشفهي إلى الشاشة التلفزيونية يمكن قراءتها بوصفها لحظة ثقافية تكثّف مجموعة من العمليات المتشابكة: تحويل الوسيط، وإعادة كتابة الحكاية، وإعادة تنظيم المعنى.وهذه العمليات تدور حول الاقتباس،وبذلك لا يمكن النظر إلى الاقتباس بوصفه إعادة تقديم حرفية للمادة الأصلية، بل بوصفه إعادة تنظيم لها داخل نظام دلالي وجمالي مختلف.

تنطلق هذه الفكرة من ملاحظة أساسية مفادها أن انتقال العمل من وسيط إلى آخر يغيّر بنيته المادية وإيقاعه السردي. فالنص الذي ينتقل من الكتابة إلى المسرح، أو من السرد الشفهي إلى الصورة التلفزيونية، لا يحتفظ بالشكل نفسه، بل يخضع لإعادة بناء تتوافق مع طبيعة الوسيط الجديد.

في ضوء ذلك يمكن النظر إلى انتقال الحكاية الشعبية من فضائها الشفهي إلى الشاشة التلفزيونية بوصفه انتقالًا بين نظامين مختلفين من العلامات: نظام سردي يقوم على الرواية الشفوية والتخييل الحر، ونظام بصري يقوم على الصورة والحركة والإيقاع الدرامي. وبهذا المعنى لا تنتقل الحكاية إلى التلفزيون كما هي، بل يُعاد تشكيلها وفق قواعد الوسيط الجديد: بنية الحلقة، والاقتصاد السردي، وحضور الصورة، وإيقاع المشهد التلفزيوني.

«عندما نقتبس عملًا ما، فإننا نقوم بعمليتين في آنٍ واحد: ننقل النص من وسيط إلى آخر، ونؤوله في الوقت نفسه. ولذلك فإن الاقتباس يتضمن دائمًا حركة مزدوجة: حركة نقل، وحركة تأويل. ولا يمكن أن يتم النقل من دون أن يخضع النص لعملية تفسير وإعادة تنظيم».

لكن الاقتباس لا يقتصر على تحويل الوسيط، بل يتضمن أيضًا نقل النص إلى سياق ثقافي مختلف. فكل اقتباس هو، في الوقت نفسه، عملية إعادة قراءة للنص الأصلي ضمن شروط جديدة من التلقي والإنتاج. بحسب بافيس«كل اقتباس هو نقل للنص من سياق إلى سياق آخر، وهو ما يعني أن النص يُعاد تأويله ضمن شروط ثقافية وجمالية مختلفة».

غير أن عملية الاقتباس أو التكييف لا تقتصر على تحويل الوسيط أو إعادة تنظيم البنية السردية، بل يمكن أن تلعب أيضًا دورًا أعمق في إعادة تشكيل الخطاب الثقافي الذي تنتجه الحكاية. فدراسات التكييف المسرحي تشير إلى أن هذه العمليات ليست محايدة دائمًا، بل قد تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج أنماط التفكير السائدة داخل المجتمع. إذ يلاحظ بعض الباحثين أن عمليات التكييف «قد تتحول إلى وسيلة لترسيخ الخطابات المهيمنة وإعادة إنتاج النظام الثقافي القائم»، بحيث لا تكتفي بإعادة تقديم النصوص القديمة، بل تعيد توجيه معانيها بما يتوافق مع منظومة القيم السائدة في لحظة إنتاجها (Theatre and Adaptation: Return, Rewrite, Repeat).

تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عند النظر إلى الحكايات التي أُعيد إنتاجها في الدراما التلفزيونية العربية الموجّهة للطفل. فالفانتازيا التي تبدو، للوهلة الأولى، فضاءً مفتوحًا للخيال والمغامرة، قد تتحول في بعض الأحيان إلى إطار جمالي يعيد تثبيت النظام القيمي والاجتماعي بدل أن يخلخله. وبهذا المعنى لا تعمل الصورة الفانتازية على زعزعة البنية الرمزية للعالم الذي تقدمه الحكاية، بل قد تسهم في إعادة إنتاجها داخل شكل بصري جذاب يسهل تلقيه من قبل الجمهور الصغير.

ويرتبط هذا التحول أيضًا بما تناقشه الدراسات من استراتيجيات مختلفة في التعامل مع النصوص المنقولة بين الثقافات. إذ يميز بعض الباحثين بين استراتيجيتين أساسيتين: التوطين (Domestication) والتغريب (Foreignization). تقوم استراتيجية التوطين على جعل النص أكثر قربًا من ثقافة الجمهور المتلقي، من خلال إعادة صياغة عناصره بما يتلاءم مع السياق الثقافي المحلي. أما التغريب، فيسعى إلى الحفاظ على غرابة النص الأصلي وخصوصيته الثقافية، حتى لو بدت بعض عناصره بعيدة عن أفق توقع الجمهور (Theatre and Adaptation: Return, Rewrite, Repeat).

في حالة الحكايات التي تقدمها الدراما التلفزيونية العربية للأطفال في التسعينيات، يبدو أن الميل كان أقرب إلى استراتيجية التوطين. فالحكايات العالمية أو الشعبية تُعاد صياغتها داخل بيئة بصرية وثقافية مألوفة: قرى تراثية، وملوك وسلاطين، وأسواق قديمة، ولغة فصحى معيارية تُقدَّم بوصفها لغة الثقافة والمعرفة. وبهذا المعنى لا تنتقل الحكاية إلى الشاشة بوصفها نصًا غريبًا يحتفظ بتعدديته الثقافية، بل يُعاد إدماجها داخل منظومة رمزية مألوفة تجعلها أقرب إلى خطاب تربوي يسعى إلى تثبيت مجموعة من القيم والمعاني المشتركة.

الحكاية الشعبية وإعادة انتاجها ثقافيًا:

لفهم التحول الذي طرأ على الحكاية الشعبية عند انتقالها إلى التلفزيون، من الضروري النظر إليها أولًا بوصفها بنية ثقافية معقدة، لا مجرد قصة تُروى للتسلية. فالدراسات النقدية التي تناولت نصوصًا مثل «ألف ليلة وليلة» تشير إلى أن الحكاية الشعبية تحتوي في داخلها شبكة من الأنساق الثقافية المتداخلة. فهي لا تشتغل فقط على مستوى السرد، بل تحمل في بنيتها أنساقًا اجتماعية وسياسية ودينية ورمزية وجمالية تتشكل عبر الشخصيات والأحداث والرموز داخل النص الحكائي (ألف ليلة وليلة: قراءة في الأنساق الثقافية). وبذلك تصبح الحكاية، في جوهرها، وسيطًا ثقافيًا يعكس أنماط التفكير والقيم التي يتداولها المجتمع.

والحكاية الشعبية لم تنشأ داخل ثقافة واحدة معزولة. «ألف ليلة وليلة» تشكّل تاريخيًا من تفاعل ثقافات متعددة: عربية وفارسية وهندية ويونانية، ما جعله مثالًا واضحًا على تلاقح السرديات وانتقالها بين المجتمعات. ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار الحكاية الشعبية نصًا محليًا خالصًا، بل هي نتيجة تاريخ طويل من التبادل الثقافي والتحولات السردية.

ومن هنا يبرز سؤال هذه المادة: هل كانت الدراما التلفزيونية العربية تعيد إحياء الحكاية الشعبية، أم تعيد إنتاجها ضمن إطار محلي جديد يخضع لشروط التلفزيون والخطاب التربوي؟

إلى جانب ذلك تكشف هذه الدراسات أن كثيرًا من الحكايات الشعبية كانت تعكس توترات وصراعات اجتماعية حقيقية داخل المجتمعات التي أنتجتها. فقد كانت الحكايات تتناول موضوعات مثل صراع السلطة، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتفاوت الطبقي، والعلاقات بين الرجل والمرأة. ولهذا فإن الحكاية الشعبية لم تكن مجرد سرد خيالي، بل كانت في كثير من الأحيان مرآة رمزية للتوترات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع. غير أن هذه التوترات قد تخضع لعملية تبسيط عندما تنتقل الحكاية إلى سياقات جديدة من التلقي، كما في حالة الدراما التلفزيونية الموجهة للأطفال، حيث تميل الحكايات إلى التحول من فضاء يعكس الصراعات الاجتماعية إلى قصص تنتهي غالبًا بعبرة أخلاقية واضحة.

ويرتبط ذلك بطبيعة الحكاية الشعبية نفسها بوصفها نصًا متحوّلًا. فهي تتغير باستمرار نتيجة تداولها الشفهي وانتقالها بين المجتمعات وإعادة روايتها في سياقات مختلفة. وهذا يعني أن الحكاية ليست نصًا ثابتًا، بل كائنًا ثقافيًا يتشكل مع كل إعادة رواية. ومن هنا يتقاطع هذا الطابع المتحوّل للحكاية مع مفاهيم الاقتباس والتكييف التي تشير إلى أن انتقال النصوص بين الوسائط والثقافات يؤدي دائمًا إلى إعادة تنظيم بنيتها ومعانيها.

يظهر البعد الآخر من هذا النقاش في السؤال المتعلق بالعلاقة بين المحلي والعالمي في الحكاية، وهو سؤال طرحه توفيق الحكيم مبكرًا في كتابه «قالبنا المسرحي» عندما تساءل عمّا إذا كان من الممكن أن نستعير أشكالًا فنية عالمية ونحوّلها إلى قالب عربي خاص بنا. بالنسبة للحكيم، لا يولد الفن في عزلة، بل يتشكل دائمًا من تراكم ثقافي عالمي تتقاطع فيه تقاليد وتجارب متعددة. غير أن الإبداع الحقيقي لا يكمن في تقليد هذه الأشكال أو رفضها، بل في القدرة على تحويل هذا الإرث إلى شكل محلي جديد ينتمي إلى البيئة الثقافية التي يعاد إنتاجه فيها.

في هذا السياق يرى الحكيم أن الاقتباس لا يقوم على النقل الحرفي للنصوص، بل على إعادة تشكيلها داخل سياق ثقافي جديد، بحيث يتحول العمل المقتبس إلى نص يمتلك هويته الخاصة لا مجرد انعكاس للأصل. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الأعمال التي أعادت تقديم الحكايات الشعبية في التسعينيات بوصفها إعادة تأليف للحكاية أكثر من كونها استعادة مباشرة لها.

ويؤكد أيضًا أن الحكايات والأساطير تمتلك قابلية دائمة لإعادة التوظيف، لأنها تقوم على بنى سردية مرنة قادرة على التكيف مع الأزمنة المختلفة. ولهذا أعاد هو نفسه توظيف الأساطير والحكايات التراثية في أعمال مثل (أهل الكهف، أوديب، بيجماليون)، لا لاستعادتها كما هي، بل لإعادة بنائها بما يسمح لها بطرح أسئلة معاصرة تتعلق بالإنسان والمجتمع.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة الفانتازيا التي تقدمها مسلسلات الحكايات بوصفها أكثر من مجرد عنصر جمالي أو زخرفي. فهي تعمل أيضًا كوسيط تربوي بصري يسهم في نقل القيم والأفكار إلى الجمهور الصغير. فالعالم الفانتازي بقصوره وسحره وكائناته الغريبة لا يقدم فقط فضاءً للخيال، بل يشكل أيضًا إطارًا بصريًا يعيد تنظيم العلاقة بين الخير والشر، والعمل والكسل، والعدل والظلم.

تنظيم الخيال ضمن إطار معياري: ضبط المخيال

ربما تكمن المفارقة الأساسية هنا في أن انتقال الحكاية إلى التلفزيون لم يكن مجرد توسّع في مجال تداولها، إنما كان أيضًا إعادة ترتيب لشروط وجودها. فالحكاية التي كانت تعيش طويلًا في فضاء سردي غير مستقر، حيث يمكن للراوي أن يضيف ويحذف ويغيّر بحسب المكان والجمهور، دخلت وسيطًا لا يحتمل هذا القدر نفسه من السيولة. التلفزيون، بوصفه جهازًا إنتاجيًا وصناعيًا في آنٍ واحد، يحتاج إلى نصوص يمكن تثبيتها، تصويرها، وإعادة بثّها. وهنا يبدأ التحول الأكثر خفاءً: الحكاية لم تعد حدثًا يُروى، بل مادة تُنتَج.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الحكاية فقدت طاقتها التخيلية، لكنه يضعها داخل اقتصاد مختلف للمعنى. فالصورة التلفزيونية، بخلاف السرد الشفهي، لا تترك مساحة واسعة للفراغات التي كان المستمع يملؤها بخياله. عندما يظهر القصر على الشاشة، أو عندما يتجسّد المارد أو الغابة أو المدينة البعيدة، يصبح الخيال أقل حريةً في إعادة تشكيل هذه العوالم. لا يعود المتلقي يخلق الصورة بنفسه، بل يتلقّاها جاهزة. وفي هذه اللحظة تحديدًا يحدث شيء دقيق: الخيال لا يُلغى، لكنه يُدار.

يظهر هذا التحول أيضًا في طبيعة الزمن الذي تتحرك داخله الحكاية. فالحكاية الشعبية، في تداولها الشفهي، كانت قادرة على التمدد أو الاختصار بحسب السياق. أما في الدراما التلفزيونية، فهي تخضع لإيقاع الحلقة والزمن البرامجي. يصبح على الحكاية أن تبدأ وتنتهي ضمن إطار محدد، وأن تُبنى بحيث تحتفظ بانتباه المشاهد ضمن بنية سردية واضحة. هنا يتراجع شيء من العشوائية التي كانت تسمح للحكاية بأن تتفرع أو تتباطأ أو تكرر نفسها كما تشاء. الاقتصاد السردي للتلفزيون يعيد تنظيم الحكاية حتى قبل أن يعيد كتابة معناها.

ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن هذه العملية تمت داخل لحظة ثقافية محددة. فالتلفزيون العربي في التسعينيات لم يكن مجرد وسيط ترفيهي، بل كان أيضًا أحد الأجهزة التي تشارك في تشكيل اللغة المشتركة والخيال الثقافي عبر الفضاء العربي. غير أن هذه اللحظة لم تكن مستقرة سياسيًا أو فكريًا كما قد يبدو من سطح هذه الأعمال. فقد جاءت هذه الإنتاجات في سياق إقليمي شهد تراجعًا واضحًا لمفهوم الهوية العربية الجامعة، الذي كان قد شكّل، طوال عقود، أحد أعمدة الخطاب الثقافي والسياسي في المنطقة. فمع نهاية الحرب الباردة، وحروب الخليج المتعاقبة، وما رافقها من تصدعات في البنية السياسية للعالم العربي، بدا أن المشروع العروبي، الذي حاول سابقًا إنتاج سردية ثقافية موحّدة، قد دخل مرحلة انحسار واضحة.

في هذه اللحظة بالذات بدأت تتبلور مفردات جديدة في الخطاب الثقافي والإعلامي: العولمة، والانفتاح، والبحث عن الخارج بوصفه أفقًا حضاريًا بديلًا أو مكمّلًا. ولم يعد التلفزيون العربي يتحرك داخل تصور مغلق للثقافة القومية، بل داخل فضاء إعلامي بدأ ينفتح تدريجيًا على السوق العالمي، وعلى شبكات بثّ عابرة للحدود، وعلى أشكال سردية متأثرة بالنماذج التلفزيونية الدولية. ومن هنا لا تبدو عودة الحكاية الشعبية إلى الشاشة حدثًا بريئًا تمامًا أو معزولًا عن هذه التحولات. فهذه الأعمال ظهرت في لحظة كانت فيها المنطقة تعيد التفكير في موقعها بين التراث المحلي والفضاء الثقافي العالمي.

في هذا السياق يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: عندما تُقدَّم الحكاية للطفل عبر شاشة تُخاطب جمهورًا واسعًا ومتعدد البلدان، إلى أي حد تبقى الحكاية مرتبطة بسياقها المحلي الأول؟ وهل تتحول، في هذه اللحظة، إلى شكل من أشكال التراث الموحّد الذي يمكن أن ينتقل بسهولة بين الشاشات العربية المختلفة؟ أم أنها تصبح أيضًا جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الخيال الثقافي في زمن بدأ فيه الخطاب القومي يفقد مركزيته، بينما كانت فكرة العولمة تفتح المجال أمام تصورات جديدة للانتماء والهوية؟

بهذا المعنى، قد لا تكون الفانتازيا التي تقدمها هذه المسلسلات مجرد محاولة لاستعادة الماضي أو إحياء التراث، بل ربما كانت أيضًا استجابة غير مباشرة لهذه اللحظة التاريخية المتوترة. فالعالم الحكائي الذي يظهر على الشاشة: مدن قديمة، سلاطين، تجّار، وأبطال يتنقلون بين البحار والبلدان، يبدو أحيانًا وكأنه يحاول بناء فضاء ثقافي بديل، فضاءً يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة ويستعيد سردية أكثر اتساعًا للثقافة العربية. لكن هذا الاتساع نفسه قد يكون علامة على شيء آخر: بحث عن توازن جديد بين التراث المحلي والعالم الذي كان يتسع بسرعة خارج الشاشة.