ثقافة تحت الوصاية

تعرفت على “الثقافة” في طابور الصباح، وليس بين دفتي كتاب.

سمعت كلمة “بعث” لأول مرة وأنا أرتدي مريول المدرسة الزهري، ألوّح بالعلم وأردّد الأناشيد التي لا أفهمها بعد: “بالروح بالدم نفديك يا بشار”. لم يكن أحد يشرح لنا معنى الفداء أو الانتماء، لكنّنا كنّا نغني من القلب، لأن الفرح كان مشروطًا بالإيقاع، والابتسامةُ جزءًا من الانضباط.

عندما أبديت عن رغبتي بتعلم العزف على أداة موسيقية جديدة، فكان الترومبيت يلوح لي من الأفق، وأوّل مقطوعةٍ حفظتها كانت : “دو دو سي سي لا لا .. للبعث يا طلائع”.

في سوريا يبدأ الطفل مسيرته الثقافية على خشبة المسرح قبل أن يتعلم القراءة؛ لم يكن المسرح المدرسيّ مساحةً للعب أو الخيال كما يُفترض، بل طقسًا سياسيًا صغيرًا يُدرَّب فيه الجسد على الطاعة قبل إدراك العقل معنى الطاعة. يبدأ كلّ مشهدٍ بالتحية للرئيس وينتهي بالنشيد الوطني. كانت الموسيقى تصدح بصوتٍ واحدٍ عالٍ، صوت الجماعة، فيما يُمنع أي صوت فردي من أن يعلو. لم يكن المعلّم يوجّهنا إلى التعبير، بل إلى الالتزام، إلى “التمثيل الصحيح”، أي أن نحرك أيدينا معًا، ونبتسم معًا، ونصفق معًا.

أذكر أوّل مسرحية شاركت فيها في الصف الرابع، أؤدي دور طفلة تحلم بأن تكون “طلائعية مثالية”. لم أكن أعرف ما هي الطلائع أصلًا، لكن التصفيق الذي حصدته بعد العرض جعلني أؤمن أن الطريق إلى الإعجاب يمر عبر ترديد الشعارات. كان ذلك المسرح الصغير في باحة المدرسة صورة مصغّرة عن الوطن الكبير: كل شيء مراقب، من اختيار الأدوار إلى النصوص إلى الأزياء. كانت المعلمة تراجع الكلمات سطرًا بسطر لتتأكد أن لا جملةً يُحتمل فهمها “بشكل خاطئ”.

مضت السنوات، ولم يتغير شيءٌ سوى الأزياء، في الإعدادية أصبحنا نرتدي الكحلي والزهري، نسبل أيدينا أثناء النشيد بانتظامٍ عسكريٍّ يكاد يكون مقدسًا. المسرح المدرسي تحوّل إلى استعراضٍ دائمٍ للولاء. من يريد أن يُكافأ في نهاية العام عليه أن يشارك في “الاحتفال الوطني”، لا أن يكتب نصًا جيدًا أو يعزف مقطوعة موسيقية. حتى الرقص الشعبي كان يحمل هدفًا سياسيًا: أن نكون “يدًا واحدة في حب القائد”.

بهذا الشكل، كانت الثقافة عندنا تُزرع لتؤطّر. لا وجود للمبادرة الفردية أو للخطأ الجميل، بل فقط للإيقاع الصحيح والانضباط الجماعي. كان تدريبًا مبكرًا على الظهور كما تريد السلطة أن نبدو. كنا نُعلَّم كيف نقف، كيف نلوّح، كيف نرفع الصوت، لا كيف نفكر.

في المرحلة الثانوية، تسلّل التعب إلى المشهد. كبرنا قليلًا وبدأنا نفهم أن وراء الأناشيد وجهًا واحدًا لا يتغير. كنا نضحك سرًا على نصوص المسرحيات التي تُمجّد “المنجزات الوطنية”، لكننا كنا نؤديها بحماسٍ مصطنع، لأن الاعتذار عن المشاركة لم يكن خيارًا. كانت المدرسة بأكملها نسخة مصغرة عن الدولة: رقابة من الأعلى، ومواسم احتفالات تُفرض من دون نقاش، وملفات توثق من غاب أو رفض المشاركة.

وحين دخلت الجامعة، ظننت أني سأخرج أخيرًا من تلك الدائرة المغلقة. لكن “مادة الثقافة” كانت بانتظاري في أول فصل دراسي، لتذكّرني أن الوصاية لا تنتهي بالتخرج من المدرسة. كانت المادة إلزامية، لا تشبه مواد الفلسفة أو الأدب أو الفكر، بل أقرب إلى كراس دعائي تمت إعادة تغليفه بعنوانٍ يبدو جذابًا: “الثقافة”. يبدأ أستاذ المادة المحاضرة بحديثٍ طويل عن “الحركة التصحيحية”، وعن “القيادة التاريخية التي حافظت على ثوابت الأمة”. كنا نكتب هذه العبارات في دفاترنا كما هي، لأن الامتحان لا يسأل عن الفهم، بل عن الحفظ.

كان السؤال الحقيقي بالنسبة لي آنذاك: متى تتحول الثقافة من درسٍ إلى تجربة؟ من شعار إلى معرفة؟

كنت أبحث عن الكتب التي تتحدث عن الحرية أو النقد أو الفن المستقل، لكن أغلبها لم يكن متاحًا في المكتبات الجامعية. كانت رفوفها متخمة بكتب عن “التراث القومي”، “الاقتصاد الاشتراكي”، “التحولات الاجتماعية في ظل القائد”، فيما غابت عنها الكتب التي تفتح الأسئلة. حتى في فضاء الجامعة الذي يُفترض أنه مفتوح، بقيت الثقافة محروسة بحذر شديد، كأنها طفل يجب ألّا يخرج من المنزل.

شيئًا فشيئًا، بدأت أفهم أن “الثقافة الرسمية” لم تكن تسعى لتكوين وعي، بل لإدامة وعيٍ معين، وعيٍ مروضٍ لا يتساءل. فحين يُعاد إنتاج نفس الطقوس من الطفولة حتى الجامعة، تصبح الرقابة غير مرئية، لأنها تسكن داخلنا. الخوف يصبح جزءًا من عملية التفكير ذاتها، كما تقول بثينة العيسى في أحد كتبها: “إن أخطر ما في الرقابة أنها تجعل الكاتب يراقب نفسه بنفسه”.

في تلك السنوات، كنت أشاهد كيف تتكرر المشاهد: المسرح، النشيد، الكلمات الممجّدة، الشعارات التي لا تتغير. حتى حين بدأت بعض الجامعات الخاصة تُدخل فعاليات فنية “مستقلة”، كانت الرقابة تتسلل في الكواليس. إذ لا يمكن لأي عرض أن يُقدَّم قبل المرور على “المكتب الوطني” أو “الجهات المختصة”، وكأنّ الفن لا يكتمل إلا بختمٍ رسمي.

إنها الوصاية نفسها، فقط غيّرت شكلها. لم تعد ترفع صور القائد على الجدران، لكنها بقيت ترفع صوته في المناهج. بقيت تتحكم في ما يُقال وما لا يُقال، في المسرح كما في المحاضرة، في النشيد كما في النص.

ربما لهذا السبب، أعود اليوم بذاكرتي إلى تلك الطوابير والمسرحيات المدرسية، فلا أرى فيها مجرد ذكريات بريئة. أراها البذور الأولى لوصايةٍ طويلة على الخيال السوري. تعلمنا منذ الصغر أن الثقافة ليست حقًا، بل امتيازًا تمنحه الدولة لمن يلتزم بشروطها. تعلمنا أن الغناء الجماعي أجمل من الصوت المنفرد، وأن السؤال خطر إذا لم يكن له جواب جاهز.

لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هذه التجربة الجماعية صنعت فينا حسًّا آخر، حسًّا بالرفض الصامت، بالبحث عن متنفسٍ خارج النص المفروض. فكثيرٌ ممّن تربّوا على تلك الطقوس، صاروا لاحقًا كتّابًا ومسرحيين وفنانين مستقلين، كأنّ القمع الطويل خلق رغبةً موازية في الحرية. ربما كانت تلك المفارقة الأكثر قسوة وجمالًا في آن: أن الدولة التي أرادت أن تحتكر الثقافة، أنجبت دون أن تدري جيلًا يبحث عنها خارج أسوارها.

اليوم، بعد أن تجاوزت السادسة والعشرين، أعود لأسأل نفسي: كيف يمكن أن نحرّر المسرح من ذاكرة الطاعة؟ كيف يمكن لمادة “الثقافة” أن تتحول من أداة دعاية إلى مساحة للتفكير؟ ربما يبدأ الطريق من الاعتراف بأن ما عشناه لم يكن طبيعيًا، وأن الفرح لا يُفرض بالنشيد، ولا الحب بالتصفيق الجماعي.

الثقافة الحقيقية لا تُلقَّن في طابور الصباح، بل تُكتسب حين يجرؤ أحدنا على السؤال.

وحتى يحدث ذلك، ستبقى ثقافتنا كما كانت منذ طفولتنا تحت الوصاية، تنتظر أن يخرج صوتٌ واحد من الجوقة ليقول أخيرًا: “دو دو سي سي لا لا لا… لكن مع كلمات أخرى.”.