(فوكو في زنزانة البعث)
“إنّ المراقبة تعمل بلا انقطاع. النظرة يقظة في كل مكان.”
— ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، تقديم مطاع الصفدي

لم تكن تلك النظرة المتجهّمة على وجه – أبي الفقراء – حافظ الأسد مجرّد بورتريه عادي على دفاترنا المدرسيّة، كان حارسها الأمين، وسيّدها العظيم؛ يتطلّع إلينا من كل زاوية، يلسع بالخوف كل فكرة تصغّره، ويغذّي الوعي بأفكار تمجدّه، نخشى أن يمسّ قلمنا وجهه في لحظة عاثرة-فنوبّخ من أهلنا على ذنب لم تقترفه.
ندرس وهو معنا، نضحك وهو معنا، نلعب وهو معنا؛ فهو ظلّنا، ظلّنا المؤبّدا وعيشنا المنكّدا.
في بلادي، لم تكن السلطة مجرّد نظام حكم، كانت تسكن في صدورنا، وتراقب أفكارنا قبل أن نكتبها، تقيس حرارة ولهفة الكلمات، وتُحسب من خلالها درجة الولاء.
في بلادي، كانت السلطة هواء نتنشّقه، تسلل إلى أصواتنا، وإلى الطريقة التي نعبّر بها، وإلى خوفنا من أن تُفهم جملة ناقصة بطريقة خاطئة في مقهى أو وسيلة نقل مزدحمة.
يعيش السوريون في زمنٍ الكلُّ فيه يخاف الكلُّ، الرقابة فيه لا تحتاج إلى قرار وتوقيع؛ فهي تبدأ من صوت المذياع الصباحي، ومن صورة معلّقة على المبنى أمام البيت، ومن دفتر المدرسة، حتى تدرّبنا على أن نختنق بصمت دون أن يكتشف أحد أنّنا نتنفس.

الفن والثقافة كأدوات طاعة
تركت السلطة – متلحّفة بالبعث كغطاء سياسي- رائحتها العسكريّة وألوانها الباهتة في كل قطّاعٍ ومؤسسة، وحينَ أدركت أنّ الثقافة والفنون ليست مجرّد رتوشات جماليّة للمجتمع أو مساحة للحرّية، بل تدخل في لبّ هندسة الوعي الاجتماعي وأداة من أدوات الانضباط والعنف الرمزي، فرضت هيمنتها بأساليب ناعمة وخفيّة تساعدها في تحقيق هدفها في بناء الإنسان “البعثي المنضبط” وفق إيدولوجيا الدولة، والذي يضمن لها استمرار أسطورة خلودها.
وهذا يتقاطع بعمق مع ما وصفه الفيلسوف ميشيل فوكو للسلطة بكونها ” شبكة من المراقبة الرمزية” تنتشر في التفاصيل اليومية، وتستخدم أدوات مثل اللغة، والخطابات، والشعارات، والاجتماعات الدوريّة، والتقارير الإداريّة، وموافقات النشر، وخطابات الولاء، وأدوات المراقبة، فتُنتج خطاباً معرفيّاً منضبطاً أثره غير بريء على الأفراد، يُستخدم لتثبيت السلطة وإعادة إنتاجها ضمن علاقة غير قابلة للفصل حدّدها فوكو: السلطة- المعرفة، حيث كل ممارسة للمعرفة تتضمن سلطة، وكل سلطة تنتج معرفة. بحيث يتحوّل الفن من ممارسة نقديّة يفترض أن يكون دورها الوعي والتوجيه إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة نفسها.
كأن يستضيف التلفزيون منتجاً يتناسب ورؤيته، ويصدّره للجمهور الذين بدورهم سيعيدون روايته كما وصلهم، أو يقرأ المواطن صباحاً صحيفة محررّة أدبياً وبعثياً، ويعيد تدوير أفكارها، وينتهج ما يُسمّى بـ “الطاعة الثقافيّة” دون أن يدري.
فيصير الفرد التابع للسلطة جسداً أشبه بدمى العرائس، كل حركة، وكل إيماءة، وكل كلمة تقولها شفتاه، تُعيد تشكيل الفكر والسلوك، وتحوّله إلى قوة إنتاجٍ باهتة تعيد صياغة السلطة.
“لكن الجسد هو أيضًا غاطس في حقل سياسي؛ فعلاقات السلطة تعمل عليه عملًا مباشرًا، فهي تستثمره، وتطبعه، وتروّضه، وتعذّبه، وتجبره على أداء أعمال، وتلزمه باحتفالات، وتطالبه بإشارات. وهذا الاستثمار السياسي للجسد مرتبط، بحسب علاقات معقّدة ومتشابكة، باستثماره الاقتصادي، بوصفه قوّة إنتاج.”
(فوكو، المراقبة والمعاقبة، ترجمة علي مقلّد، دار المدى، ص. 64).

بين المسموح والممنوع
جرت مراقبة الفضاء الثقافي بعيون حذرة وفق إملاءات السلطة ضمن مبادئ عدّة، وأوّلها كان مقدّساً؛ فلا يتم المساس بالرئيس شخصًا، أو مؤسسة، ولا حتّى رمزاً من أسطورة تاريخيّة أو قصّة شعبيّة من الممكن أن تحمل في طيّاتها دلالة أو تأويلاً يفضي إلى رأس هرم السلطة، لذلك مالَ المثقفون والفنانون إلى الخيارات التي تجنبهم الصدام المباشر مع السلطة. على سبيل المثال، في نطاق العمل المسرحي كان التعاطي مع إعادة تدوير المسرحيات المترجمة الكلاسيكية خيارًا آمناً.
أمّا بعض المسرحيات والأفلام السينمائية أو الأعمال الدراميّة التّي يقدّم نصّها نقدًا لاذعًا للسلطة فهي تُمنع بشكل مباشر من قبل لجنة الرقابة في وزارة الثقافة، وهذا ما حصل مع فيلم “رؤى حالمة” للمخرجة والروائية واحة الراهب، والذي تأخر إنتاجه سبع سنوات بغرض إجراء بعض التعديلات عليه، وأيضاً مسرحيّة “حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران” للكاتب والمسرحي سعد الله ونوّس، التي حضرها حافظ الأسد شخصيًا بعد أن تمّ تحوير محتواها الذي كان ينتقد هزيمة الخامس من حزيران 1967.
من جهة أخرى، يمكن لبعض النصوص أن تمر عبر الرقابة، لكن لاحقًا يُمنع المُنتَج من العرض في سوريا، وهذا ما حدث مع فيلم المخرج عمر اميرالاي “طوفان في بلاد البعث”، وفيلم المخرج أسامة محمد “نجوم النهار”، فقد عُرض الفيلم لأول مرة في دمشق عام 1988، لكن حافظ الأسد أمر بسحب العرض بعد مشاهدته، لأنه يحلّل بنية السلطة الاستبدادية بقالب اجتماعي يستخدم لغة تحمل كثيرًا من التلميح والحذر وتعكس الرقابة الذاتيّة.
وعن المبدأ الثاني؛ أن تنتقد طريقة تنفيذ قرارات الحكومة لا قراراتها بالذات، فتطال المؤسسات كأدوات تنفيذيّة للسلطة، وهذا كان شائعًا في الدراما التي أسرفت في نقد البيروقراطية والمجتمع، مثل مسلسل “يوميّات مدير عام”، أو بعض لوحات “مرايا “و” بقعة ضوء”، وأغلب المسلسلات التي كتبها ممدوح حمادة: “ضيعة ضايعة، وضبو الشناتي، والواق الواق، وغيرها”، بشكل خاص بعد الفترة التي ازدهرت فيها مؤسسات الإنتاج العربية وانتشار الفضائيات، فكان الهدف عكس صورة انفتاح سوريا على العالم وممارستها للحريات في المجتمع.
سُمّيّ هذا الفن اصطلاحًا ب “فن التنفيس” الذي يبدو ظاهريًا أنّه يقدّم نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا، لكنّه في الجوهر لا يتناول رأس السلطة، فيشعر الناس أنّ هناك مساحة من الحريّة، وأنّ النظام منفتح، فيتنفسون قليلاً، وبالتالي هذا الفن يصبح صمّام أمان يسدي للسلطة خدمة تفريغ كبت الحريّات عند أفراد المجتمع. فنجده يعيد مرارًا وتكرارًا في كل عيد من كلّ عام، مسرحيّة “غربة” و” كاسك يا وطن”، اللتان قام ببطولتهما دريد لحّام، واللتان سلطتا الضوء على الروتين الإداري والتعقيدات والمحسوبيات، وأشركتا المواطن في مسألة الفساد باعتباره أداة من أدوات السلطة.
وحسب فوكو أنّ السماح ببعض النقد هو جزء من اللعبة؛ يُعيد ترسيم الحدود بين المسموح والممنوع. وفي حديثه عن مفهوم “البيو-سلطة (Biopower)”، وتطبيقاتها في المجتمعات التي تؤمن بالعدالة والمساواة، شرح بأنّ السيطرة الحديثة تقوم على تنظيم الحياة، وليس قمعها بالكامل. وعندما يُنتج الناس غضبًا أو إحباطًا سياسيًا، فالسلطة هنا تفتح منفذًا آمنًا: مسرح، أو مسلسل، أو مقالة، أو …إلخ. فحتى التمرّد يمكن احتواؤه ضمن النظام وتشكيل الانضباط، ويصبح الفن النقدي أداة لامتصاص التوتر ولإدامة السلطة بدل من تهديدها.
ومع أنّ السلطة في سوريا كانت استبداديّة، لكنّها كانت تطبّق آليات مشابهة للبيو-سلطة معتمدةً أساليب مختلفة؛ فهي لم تتبنّى مبادئ المساواة أو الحقوق أو الحريّات وإنمّا كانت تستخدم الخوف والرقابة لإنتاج هيمنة وطاعة ومراقبة داخلية.

حارس الفكر (الرقابة الذاتيّة)
تخيّل أن تكون في سجن دائري، وفي وسطه برج مراقبة، وتتموضع الزنازين حوله. لا يراك الحارس لكنّك تعرف بأنّك مراقب طوال الوقت, تحاول أن تكتب فيلمًا، أو مسرحيّة، أو مقالًا، وتنتقد السلطة، لكن تشعر بأن هنالك حارس يراك، وينتظر فرصة جرأتك على السلطة ليعاقبك ويحول دون وصول أفكارك.
السجن الذي ابتكره “بنتام” ، والذي استدلّ منه فوكو على مصطلح “البانوبتيّة أو panopticism”، أنتج لنا “الفرد المثقف المنضبط”، وهذه المرحلة تُعدّ الأخطر ضمن أشكال السيطرة، يتحوّل فيها الإنسان إلى رقيب على نفسه، يعاقب ذاته أخلاقيًا وسلوكيًا في اللحظة التي يشعر أنّه خالف السلطة.
فيتجنب الكاتب من تلقاء نفسه الخوض ضمن أفكار تحظرها الدولة، ويرفض المخرج إخراج مسرحية ناقدة، فيعيد نفسه في إخراج مسرحيات مترجمة وكلاسيكيّة، ويشهق المشاهد خوفًا في لحظة تنفيس قد ظهرت ضمن أحد مشاهد دراما التنفيس، فيما يبدو أنّه نقد اجتماعي سياسي، لكن دون أن يطال رأس الهرم. ويلتزم القارئ والطالب الجامعي والمدرسي بقراءة المتاح بين يديه، فيغدو الجميع في سوريا يدور في محور معلومات واحد، وتيار واحد، يراقبه كل الوقت، دون الحاجة إلى رجل أمن بجانبه يجبره على الالتزام بالخطاب الرسمي، لكنّه مزروع داخل وعيه، يضمن عمل السلطة حتى في غيابها.
وعندما يتخطّى المثقف المنضبط هذه المرحلة من إعادة تدوير المعرفة، ويتزّلف للسلطة، يصبح بالضرورة محبّبًا ومقرّبًا منها، ينتزع الفرص من أفواه الآخرين، يتصدّر المشهد الثقافي، ولديه استحقاق عالي بنفسه رغم فقر بعضهم للموهبة والاجتهاد، يراقب زملاءه، ويشكل مع رقابة النقابات ورقابة الأجهزة الأمنيّة ثالوثًا يجتهد في حصر المعرفة بالسلطة، بأدوات تصل إلى مرحلة الضرر والأذى، من اعتقال ونفي وإبعاد عن المهنة وغيرها.
قد يلجأ بعض الفنانين إلى الرمزيّات في الصورة، أو التورية خلف الخطابات في منتجاتهم الثقافية، حتى لا يُفهموا بأنّهم ينتقدون السلطة مباشرة، فيجدون طريقًا للهرب من سلطة الحارس، كما هرب المخرج محمد ملص في فيلمه “الليل “(1992)، ومارس رقابة ذاتية على نفسه ليضمن مرور الفيلم من وزارة الثقافة، فكان فيلمه بمثابة نقد ضمني لنظام البعث بما يحمله من رمزيات تعكس خيبة الأمل من هذا النظام.
فالرقابة الذاتية أصبحت عادة فكريّة داخل المبدع، لم تكن مجرد خوف. يكتب وفي ذهنه الحارس/الرقيب، ويختار كلماته كمن ينقّب عنها في منجم من الأفكار البعثية، تضمن له الأمان، وأن يرضى عن نفسه دون أن يشعر أنّه يتراجع.
فيتخفّى زكريّا تامر في قصصه القصيرة اللاذعة خلف رموز الحيوانات أو الأطفال أو القرى الخياليّة، ليفكّك آليّة عمل السلطة وأجهزتها الإيديولوجية من الداخل، ويتجنب العبارة التي كان يُمليها حافظ الأسد عليه وعلى المثقفين، وامتلأت شوارع دمشق حينها بها:” لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير”.
اليوم، اقتربنا من أن نزيل كلّ صور البعث ورموزه المعلّقة على الأسوار وفي الساحات، ونفضّ الغبار المتكدّس عن أفكارنا، وربّما سنغيّر ألوان جدران مدارسنا من لون الخاكي إلى الألوان المزركشة، لكن لا ندري فيما لو ستبقى صورته على دفتر المدرسة تعبس في وجهنا، وتحفر عميقًا في الذاكرة، لكن بشكلٍ جديد، وندخل في دوامة خوف أخرى، نبتعد فيها عن كتابة أنفسنا.

