مديريات الثقافة بين الانغلاق والانفتاح: دمشق وريفها نموذجاً

تمثّل مديريات الثقافة نموذجًا دالًا على الطريقة التي صيغت بها العلاقة بين الدولة والثقافة ضمن سياق نقاش البنى والهياكل الثقافية، وكيف تحولت مؤسسات يُفترض أن تكون حاضنةً للإبداع إلى أدوات ضبطٍ ومراقبة. 

يكاد الشكل المعماري لهذه المديريات يتشابه من محافظةٍ إلى أخرى، ويبقى المضمون الإداري والوظيفي خاضعًا لمنظومة واحدة: البيروقراطية المتمازجة بالسياسي. لم يكن الهيكل الإداري يومًا أداة لتنظيم العمل الثقافي بقدر ما كان وسيلةً لضبطه، حيث تتبدل القرارات والقوانين باستمرار، بلا تفسيرٍ أو منهج واضح، مما يعكس هشاشة الاستقرار المؤسسي وغياب الاستراتيجية الثقافية الوطنية.

تخضع الهيكليات الإدارية داخل المديريات لقوانين وقراراتٍ متبدلة، يصدر أحدها اليوم ويُلغى غدًا بدون تفسير، مما يؤكّد الارتباك. 

من هنا نستطيع النظر إلى مديريات الثقافة كأحد أبرز الأذرع التنفيذية لوزارة الثقافة، إلّا أن دورها بقي خلال عقودٍ ماضية أسير جدليات متناقضة؛ الانغلاق في وجه بعض المبادرات والانفتاح المحدود على أخرى، الفساد مقابل محاولات الإصلاح، المقاومة من جهة والاستيعاب من جهة أخرى. وبينما حافظت الأبنية على ملامحها المعمارية، كانت القوانين تُكبّل المبدعين وتحد من حركتهم، لتبقى السرديات محفوظة في ذاكرة من عايشوها، شاهدةً على طبيعة العلاقة الملتبسة بين الثقافة والسلطة.

في هذا السياق، تحاول هذه الورقة مقاربة تجربة مديرية الثقافة في دمشق وريفها بين الماضي القريب والحاضر، بالاعتماد على شهادات وتجارب مباشرة، سعياً لفهم التحولات ودلالاتها.

مرحلة السلطة الحزبية بين 2000 – 2010

شكّلت مديريات الثقافة منصّة لتنفيذ نشاطات الحزب الحاكم بنسبة تقارب 90%، بينما خُصص ما يقارب 10% للأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية.

القرار الفعلي كان بيد أمين فرع الحزب (أولًا)، المحافظ (ثانيًا)، والوزارة (ثالثًا).

خلال هذه الفترة، اتسمت أنشطة المراكز الثقافية بدمشق بطابع موسمي، حيث اقتصرت الفعاليات بشكل شبه حصري على المهرجانات العابرة مثل مهرجان مسرح الطفل بتمويل من مديرية المسارح والموسيقى، ويوم الطفل العربي ويوم الطفل العالمي بتمويل من مديرية ثقافة الطفل. هذه المهرجانات كانت تُعمَّم رسميًا عبر مديرية المراكز الثقافية ثم مخاطبة محافظ دمشق، ليتم حجز المراكز الثقافية من خلال المديرية.

العروض المسرحية الموجهة للطفل كانت الأكثر حضورًا وشعبية، لا سيّما في مراكز مثل جوبر، العدوي، الميدان والمزة وقطنا، الحضور الكثيف والمجاني أظهر تعطش الجمهور، وخصوصاً الأطفال، لمثل هذه الفعاليات. تنوعت العروض بين مسرحيات كبار للصغار وصغار للصغار، وعروض العرائس التي حظيت بالشعبية الأكبر.

حال الجمود البيروقراطي دون إبداع أنشطة ثقافية متنوعة، فتعاون الكوادر المحلية ورغبتها في مزيد من النشاطات، لم يكن قادرًا على كسرالقوانين النمطية المفروضة على المديريات؛ حيث بقيت مقيدة ببرنامج نصف شهري معلّق على الحائط، يتضمن محاضرات شعرية، توقيع كتب، واجتماعات حزبية. 

رغم هيمنة البنية الحزبية، بين عامي 2005 و2010 ظهرت بعض المبادرات الموجهة لذوي الاحتياجات الخاصة. من أبرزها إنتاج عروض عرائسية مثل (البطاريق ورجل الثلج إخراج مأمون الفرخ) التي قُدِّمت في أكثر من سبع كنائس سورية. هذه المبادرات، وإن كانت محدودة، تكشف عن إمكانات غير موظّفة ضمن السياسات الرسمية، وإرادة بعض الكوادر لتوسيع الفضاء الثقافي خارج القوالب النمطية.

وأستعيد مؤشرًا مهمًّا على تسييس الفضاء الثقافي ظهر في إحدى العروض، حين تصدرت صورة حافظ الأسد وابنيه بشار وباسل منتصف الخشبة، دون جرأة من أحد على إزالتها. ممّا يعكس أن السياسة الثقافية كانت مرتبطة تمامًا بأيديولوجيا الحزب الحاكم، وأن أيّة مبادرة تمرّ عبر رقابةٍ صارمة أو تُرفض تلقائيّا.

مرحلة السلطة الأمنية بين 2011-2018

صعد دور الأجهزة الأمنية من المراقبة الجزئية إلى السيطرة المباشرة، مع منح المدراء صلاحيات واسعة مقابل الولاء المطلق. سُمح بإقامة نشاطات أو فعاليات بشرط إعلان الولاء للنظام، بينما تقلّصت الأنشطة الثقافية المستقلة أو الناقدة. أصبح المحافظ هو المنسّق العام لكل مديرية ثقافة في محافظته.

مع اندلاع الثورة السورية، اتضح أكثر أن الثقافة كانت أداةً بيد السلطة. ففي عام 2012، وبعد الموافقة الرسمية على تنظيم مهرجان العيد في القلعة بدمشق، فوجئنا كفريق عمل منظّم لهذا المهرجان صباح يوم الافتتاح بنزع المنصة المعدة للمهرجان (800 متر مربع) ونقلها إلى ساحة الأمويين بتوجيه مباشر من محافظ دمشق المشرف العام للمهرجان حينها، وذلك لتجهيز مسيرة مؤيدة لبشار الأسد. أُعيدت المنصة مساءً بعد ساعات، لكن الحادثة جسدت بوضوح تبعية الثقافة لضرورات السياسة اللحظية.

في الفترة اللاحقة، اتجهت المديرية نحو تنظيم “ندوات توعوية وتنويرية” على حد وصفها، غلب عليها الحضور السياسي المؤيد للنظام، خصوصاً من شخصيات عربية ولبنانية. أي أن خطاب المقاومة والاستيعاب استُبدل بخطاب تعبوي يكرّس سردية النظام ويقمع أي تنوع ثقافي مستقل.

من البيروقراطية إلى المانحين: الفساد المؤسسي المقنّع

في عام 2018 دخلت إلى مديريات الثقافة منظمات دولية، بإشرافٍ أمنيّ مباشر، أبرزها اليونيسف، واتخذت من معاهد الثقافة الشعبية مقرّاتٍ لها.  ظهرت موجة جديدة من الفساد والهدر في ظل غياب آليات رقابية فعالة، رغم محاولات ضبط من قبل فرق العمل الدولية. 

مع جائحة كورونا، برزت ظاهرة تأجير المسارح والقاعات للجمعيات الممولة أو للفعاليات التجارية (تخرج روضات، معارض خاصة). تحولت المديرات إلى واجهات لتنفيذ أنشطة وهمية لصالح بعض المنظمات (الهلال الأحمر، اليونيسف).

هذا التحول يسلط الضوء على الفجوة البنيوية الأعمق في القطاع الثقافي السوري: غياب منظومة حوكمة مستقلة قادرة على ضبط التمويل، وتحديد الأولويات، ومساءلة الإدارات. فالمديريات، سواءً في مرحلة الحزب أو الأمن أو المنظمات، بقيت خاضعةً من حيث الجوهر لذات المنطق: منطق التبعيّة والمصلحة لا منطق الثقافة العامة.

مقاربة نقدية في سياق بناء السياسات الجديدة

هنالك عدة جدليات يجب أخذها بعين الاعتبار من وجهة نظري كموظف في مديرية الثقافة فرع دمشق، وذلك في سياق العمل والتطوير لتضمين هذه البنى ضمن عملية صياغة السياسات الثقافية في سوريا اليوم، ومن الممكن بفهم متغيرات هذه الجدليات أن تكون هذه خطوة أولى للعمل على الدور المفترض لهذه الهياكل التنظيمية من داخل القطاع العام الثقافي في سوريا. 

جدلية الانغلاق والانفتاح: بقيت المراكز مقفلة أمام المبادرات المستقلة، مفتوحة فقط للنشاطات الرسمية المبرمجة من الوزارة أو الحزب.

جدلية الفساد والإصلاح: النشاطات الموسمية وفّرت دخلًا إضافيًّا للعاملين، لكنها في الوقت ذاته كرست منطق الريع بدل الإنتاج الثقافي المستدام.

جدلية المقاومة والاستيعاب: الثقافة استُخدمت كأداة مقاومة شكلية للآخر الخارجي، وفي الوقت نفسه كآلية لاستيعاب الداخل وتطويعه تحت الأيديولوجيا الرسمية.

لذلك وبعد عرض هذه الإشكاليات والجدليات أرى أن تجربة مديريات الثقافة تكشف أن الأزمة ليست في الكوادر أو الأبنية، بل في البنية السياسية والإدارية التي قيدت عملها. لذلك، فإن أي تفكير في إعادة بناء القطاع الثقافي في سوريا ما بعد النظام يجب أن يبدأ من تحرير مفهوم الثقافة من وصاية الدولة، وتحويلها إلى خدمة عامة تقوم على المشاركة المجتمعية، لا على الأدلجة أو الربح.

يتطلّب إعادة تعريف دور مديريات الثقافة تحويلها من منفذ إداري لتنفيذ قرارات مركزية إلى منصة تمكين للحياة الثقافية المحلية. يجب أن تتبنى المؤسسات الثقافية مبدأ أن الثقافة حق مجتمعي وليست أداة للدعاية السياسية. ولا يمكن تحقيق ذلك دون بناء سياسة ثقافية تشاركية، تُشرك المثقفين والفنانين في وضع الخطط والبرامج، وتفتح المجال أمام الجمعيات الأهلية والمبادرات الشبابية لتكون شريكًا فعليًا في القرار الثقافي.

من الضروري أيضًا إعادة النظر في مسألة التمويل. فبدلًا من اعتماد نموذج الريع الذي كرّسه النظام من خلال النشاطات الموسمية أو التمويل المانح، ينبغي تأسيس صناديق دعم ثقافية محلية تُدار بشفافية، وتخضع لمعايير واضحة في منح التمويل. كما يجب أن يخضع تأجير المسارح والقاعات لضوابط معلنة تضمن العدالة وتمنع المحسوبيات، وتؤسس لعلاقة جديدة بين المال العام والثقافة العامة.

وفي موازاة ذلك، يتعين الاستثمار في بناء قدرات الكوادر الثقافية من خلال برامج تدريب على الإدارة الثقافية والتخطيط الاستراتيجي، وخلق فرص لتبادل الخبرات مع مديري مؤسسات ثقافية في بلدان أخرى. إن النهوض بالقطاع الثقافي لا يمكن أن يتم دون تأهيل من يديره.

أمّا على مستوى الهيكل الإداري، فإن الانتقال نحو اللامركزية الثقافية يشكل شرطًا أساسيًّا لتحرير الإبداع؛ يحقّق منح المديريات في المحافظات استقلالية وضعِ برامجها مما يجعلها أكثر التصاقًا بالمجتمع المحلي، ويسمح بظهور مبادرات تنبع من القرى والبلدات الصغيرة، لا أن تبقى الثقافة محصورة في مراكز المدن. لكن هذه اللامركزية يجب أن تكون متوازنة مع وجود تنسيق وطني يضمن التكامل بين المبادرات المختلفة ويحافظ على المعايير العامة للعدالة الثقافية.

وأخيرًا، ينبغي إرساء نظام حوكمة يضمن الشفافية والمساءلة، عبر نشر تقارير سنوية عن النشاطات والموازنات، وإتاحة آليات مراجعة وشكاوى يشارك فيها الفنانون والجمهور على حد سواء. فالمؤسسة الثقافية، مثل أي مؤسسة عامة، لا تستمدّ شرعيتها من السلطة بل من الناس الذين تخدمهم.

نحو سياسة ثقافية جديدة

تجربة مديريات الثقافة في دمشق وريفها ليست مجرد قصة إدارية، بل مرآة تعكس طبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والثقافة في سوريا. إنها تذكير بأن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يبدأ من داخل البنية القديمة، بل من إعادة تعريف دور الدولة نفسها في المجال الثقافي. وإذا كانت المراحل السابقة قد شهدت تكرارًا للأنماط ذاتها مع تغيّر اللاعبين، فإن التحدّي في المرحلة المقبلة هو كسر هذا التكرار عبر بناء هياكل جديدة مستقلة ومرنة، قادرة على الربط بين الداخل والشتات، وعلى تحويل الثقافة من وسيلة للهيمنة إلى مساحة للحرية والمساءلة والخيال.