من يمتلك الأحقية بالتكليف الفني

اللوحة للفنان محمد خياطة بعنوان سقوط الطاغية – دير عطية كانون الثاني ٢٠٢٥
“لكل فرد الحق في المشاركة الحرة في الحياة الثقافية للمجتمع، الاستمتاع بالفنون، والمساهمة في عملية البحث العلمي والاستفادة من نتائجها.”
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة (1948)، المادة 27.1
واجهت الكثير من التحديات خلال عملي كمسؤولة في المركز الثقافي في جمعية بسمة وزيتونة غير الحكومة بمخيم شاتيلا للاجئين/ات الفلسطينيين/ات في لبنان خلال عامي 2016-2017، كان أهمّ هذه التحديات يتمثل بصعوبة تصميم مشاريع طويلة الأمد تستهدف فئة الشباب/ات واليافعين/ات وتتطلب التزامًا طويل الأمد من قبلهم/ن لتحقيق مخرجاتها النهائية.
بالنسبة لي فإن هذا التحدي يرتبط بعدم إحساس المشاركين والمشاركات بالانتماء للمشاريع أو عدم إحساسهم/ن بامتلاكهم/ن لها من حيث الفكرة أو آلية التنفيذ. بالإضافة إلى عدم احساسهم /ن بجدوى النشاط الثقافي بظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة وضعف واضح للبنى التحتية ضمن المخيم.
دفعني هذا الأمر للبحث عن نماذج عمل بديلة؛ تعطي المجتمع المستهدف الأحقية الفكرية بتصميم العمل، وتعكس التسلسل الهرمي لتصميم وتنفيذ المشاريع الفنية التي تستهدف المجتمعات المحلية، مع الحفاظ على استقلالية الفنانين/ت واحترام مساحاتهم الإبداعية. ومن هنا جاء بروتوكول ”المكلِفون/ات الجدد New Patrons” كتقنية يمكن لها أن تستجيب لهذا التحدي. (البروتوكول مرفق في نهاية النص)
”لأول مرة في حياتي أجد أن الفن يمكن أن يكون الكثير من الأشياء“، أحد المشاركين بورشة عمل تتحدث عن منهجية المكلِفين/ات الجدد في مخيم شاتيلا ببيروت 2017.

© FADI HALLISSO, Children playing in the Shatia camp in Beirut
منهجيةالمكلّفون/ات الجدد The New Patrons
دخلت منهجية ”المكلّفين/ات الجدد” حيز العمل والتنفيذ مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين في أوروبا وتحديدًا في فرنسا.
كتب الفنان البلجيكي فرانسوا هيرز بروتوكول المكلِّفين/ات الجدد عام 1990 الذي يحدّد من خلاله آلية العمل لهذه المنهجية المقترحة في ذلك الوقت، وضمنها تقترح على مجموعة من الأفراد بالتعاون مع وسطاء من ذوي الخبرة في المجال الفني على تكليف فنانين/ات لإنتاج أعمال فنية تخدم الهدف العام للمجتمع ممثلًا بمجموعة المكلِّفين/ت.
يحدّد البروتوكول أدوار ومسؤوليات المشاركين/ات الأساسيين: المكلِّفين/ات (المجتمع)، الوسطاء (من أصحاب الخبرة في الإنتاج الفني)، والفنانين/ات، الداعمين/ات، والباحثين/ات، الذين يعملون معًا، بهدف إنجاز أعمال فنية في مختلف المجالات تخدم مجتمعًا ما وتعود ملكيتها للفضاء العام.[1]
استخدم هذا البروتوكول خلال العقود الثلاثة الماضية كدليل ومرجع أولي لممارسة ”المكلِّفون/ات الجدد“؛ جرى فيها تكليف أكثر من 500 مشروع، معظمها في أوروبا والبعض القليل جدًا في أجزاء أخرى من العالم. اكتملت أغلب تلك المشاريع بنجاح، ولم يتجاوز بعضها مرحلة التفويض، أُنجز البعض بشكل جزئي، بينما اعتُبر البعض الآخر مثالًا يُحتذى.
يبقى القاسم المشترك الأكبر بين جميع مجموعات التفويض هو الحوار والمحادثة والتواصل وحتى النزاعات، وبالتأكيد الرغبة في التغيير، الرغبة بالاستماع ورواية القصة بشكل مختلف، فتح جدل والتفاعل مع المحيط أو التأثير في الفضاء العام، وبرأيي ذلك ما يحافظ على هذه الممارسة حية.
وعلى الرغم من عدم اكتمال بعض التكليفات، أو مواجهتها حائطًا مسدودًا يحول دون الوصول إلى مرحلة التنفيذ، لأسباب وتحديات عديدة؛ منها بيروقراطية متعلقة بمواقفة الجهات الحكومية، أو تمويلية تتعلق بتكلفة انجاز المشاريع الفنية، أو عدم موافقة المكلِّفين/ات على مقترح الفنانين/ات الذين تم اختيارهم، أو ببساطة فقدان الاهتمام من قبل المكلِّفين/ات أنفسهم باستكمال المشروع لتغيير بالظروف العامة أو الخاصة لمجتمع التكليف ــ تبقى المساحة التي يشكلها الحوار فضاءً حرًا للتعبير وتبادل الأفكار وتحليل مشكلات الواقع المعاش للأطراف المعنية من المكلِّفين/ات والوسطاء والفنانين/ات، مرورًا بالمجتمع المحيط.
البروتوكول لا يصف ولا يضع محددات للحالات الفردية، مع ذلك يتميّز بقدرته على توجيه الأفراد المعنيين/ات وتحديد أطر عامة لأدوارهم/ن، والأهم قابليته على التبييئ أو التكيّف بما يتناسب مع البيئة والسياق المحلي لكل مكان، ويتيح البرنامج للأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم الفنية والثقافية، أن يمارسوا ما هو عادةً دور منوط بالسياسيين والمؤسسات والحكومات وأصحاب النفوذ، بحكم امتلاكهم القوة والموارد اللازمة لتكليف الأفكار والمبادرات والأعمال الفنية.
يمكن اعتبار الحوار المستمر طوال مراحل التكليف بمثابة بيان سياسي للمشاركة الإبداعية للمجتمع، فالعمل الفني المكلَّف ليس هدفه إحداث تغيير مجتمعي، وإنما آلية تكليفه والحوارات المرافقة حتى انتاج الأعمال الفنية توفر مساحة للحاجة إلى التغيير، والاستماع، ورواية القصة بطريقة مختلفة، وفتح النقاش، والتفاعل مع البيئة المحيطة، واستعادة الفضاء العام على المستويين الفيزيائي والفكري، وعادة ما يكون ذلك فعلًا ديمقراطيًا واجتماعيًا.
مقترح تبييئ نهج المكلِّفين/ات الجدد في السياق السوري
تعتمد المجتمعات المحلية في سوريا بشكل كبير على المبادرات المجتمعية للبحث عن حلول خلّاقة لمشكلاتهم ضمن البيئات المحلية والمناطق المصغرة، في ظلّ غياب شبه تام لسياسات ثقافية داعمة، عادلة وشاملة. وفي ظل مركزية تهمّش معظم المناطق والمدن السورية، يجد الأفراد المهتمون بالحراك الثقافي أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما السفر للمدن الرئيسة، أو العاصمة، أو العزلة عن المشهد الثقافي الأوسع، أو الاكتفاء بمبادرات محلية ذات موارد محدودة وأثر محصور جغرافيًا.
بالرغم من ذلك، تظهر العديد من الأمثلة عن مبادرات فنية محلية غير ممأسسة في السياق السوري، مثل تزيين ساحة إحدى البلدات الصغيرة بتمثال يعبرعن الثقافة المحلية للبلدة، أو تنظيم حملات تنظيف للأحياء، وغالبًا ما يتم تمويل تلك المبادرات من المجتمع نفسه.
مع بداية الثورة السورية سنة ٢٠١١، ظهرت العديد من المبادرات المجتمعية والفنية التي بدأت بشكل أساسي كاستجابة سريعة وطارئة لغياب الدور الوظيفي للدولة وانهيار المؤسسات الحكومية خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام قبل تحولها لمؤسسات ومنظمات مجتمع مدني ذات هياكل وسياسات واضحة.[2]
يمكن اعتبار منهجية المكلِّفين/ات الجدد في السياق المحلي كرديف ناظم يستجيب بشكل منهجي للمبادرات المجتمعية، ويقدم نظام عمل يساهم في دعم المجتمعات للمشاركة في دخول مجال التأثير وصناعة القرار بما يخص إنجاز أعمال فنية تخدم رؤاهم وأهدافهم، وتتواجد في محيطهم.
وينبغي هنا طرح سؤال جوهري، هل يمكن اعتبار عملية التكليف الفني مساحة لممارسة الفعل الديمقراطي؟ أم شكلًا من أشكال استعادة الحيز العام والتأثير فيه؟
وفي هذا السياق، يشير سقراط العلو في حديثه عن الفزعات الاجتماعية بعد سقوط نظام الأسد، وفي ظل العجز شبه التام للحكومة والدمار الواسع للبنى التحتية وشلل المؤسسات الحكومية، إلى أنها ”إعلان مباشر عن عودة المجتمع للفضاء العام باعتباره فاعلاً قادراً على تحديد أولوياته وإدارة موارده“[3].
بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى عملية التكليف باعتبارها تجمع بين الأمرين معًا. فمن جهة تفتح باب المشاركة بعملية صناعة القرار، وتتيح لأفراد المجتمع إعادة امتلاك السردية من خلال التعاون مع الفنانين لإنتاج أعمال فنية تؤكد على سياقاتهم المتنوعة، وتتيح لهم التأثير بشكل خلّاق بالعلاقة مع المحيط والمجتمع، والتأكيد على مواضيع وطروحات معقدة وحساسة، مثل قضايا السلم الأهلي والحوار الوطني وجبر الضرر.
هذه المنهجية لا تقدم الفن باعتباره منتجًا معزولًا أو امتيازًا نخبويًا، بل باعتباره وسيلة لإعادة فتح المجال العام وتعزيز الحوار والمشاركة والقدرة على تحديد الأولويات وسرد الذات لإنتاج فن ناضج يلامس الواقع بشكل مباشر، مع الحفاظ على الاستقلالية الفنية للفنانين.
ومن وجهة أخرى، يمكن اعتبار هذه المنهجية مدخلًا للممارسات الديمقراطية على مستوى التفويض والعلاقة بين مجموعة المكلفين/ات بغض النظر عن عددهم، فلا يمكن إقرار التكليف إلا بالإجماع، وعليه فإن التمثيل الذي تحققه هذه المنهجية هو انعكاس لبيئة عمل تشاركية، ووسيلة لممارسة الفعل الديمقراطي ولو على مستويات محدودة.
وعليه، يبقى الأثر على المستوى الشخصي للمكلفين/ات كأفراد، أو على المستوى الجماعي للفئة التي تمثلها مجموعة التكليف جليًا، وقابلًا للقياس من خلال الحوار والمشاركة والتفكير الجاد للتأثير بالمحيط والاهتمام بالفعل ضمن السياق المجتمعي العام.
تتيح تجربة التكليف مساحة للمشاركين يمكنهم من خلالها صقل مهارة النقاش والتداول وإبراز الحجج والبراهين فيما بينهم مع أنفسهم وفيما بينهم كمجموعة أفراد. تلك التجربة التي لا بدّ لها من أن تترك أثرًا على المستويات الشخصية والجماعية لمجموعة الأفراد المنخرطين بتكليف معين، يعود بالمنفعة بشكل أساسي على الجماعة وبالتالي على الأفراد المنتمين إليها.
ومع ذلك، لا تخلو هذه المقاربة من تحديات ومخاطر حقيقية، وعلى رأسها التحديات الأمنية والبيروقراطية، مثل تحصيل التراخيص، وضمان سلامة التنقل وإمكانية التطرق لمواضيع حساسة تمس الذاكرة الجمعية للأفراد، العدالة الإنتقالية، السلم الأهلي وغيرها من المواضيع الشائكة، مما يتطلب وعيًا نقديًا وحساسية عالية بالسياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة والمتغيرة باستمرار.
في النهاية، إن تبييئ منهجية المكلِّفين الجدد في السياق السوري لا يمكن أن يقوم على نقل نموذج جاهز، وإنما يستدعي إعادة قراءته في ضوء واقع محلي معقد، بهدف توسيع إمكانيات المجتمع بالمشاركة الفعلية في إنتاج الفنون، وفي إعادة تعريف دور الفنون والثقافة بالنسبة للمجتمع كفعل مقاومة مدنية وإعادة بناء المجال العام.

© Zeina Shahla – Aleppo 2025
الخروج من الشخصي إلى العام
وفقًا للباحثة والمفكرة السياسية حنة أردنت، فإن العزلة تحرم من القدرة على التصرف، وهي القدرة السياسية. تصنف أردنت “الفعل” على أنه النشاط الوحيد الذي لا يتعلق بالأشياء، بل بالأشخاص الآخرين، الذين يظهر مجال تأثيرهم على أنه ما تسميه ”الحالة الإنسانية للتعددية“، أي التي لا يمكن تحقيقها بدون حضور واعتراف الفاعلين الآخرين، وهي الشرط الأساسي ”لكل حياة سياسية“. وتمنح أردنت أهمية خاصة لفكرة التفكير ”بشكل تمثيلي“، أي فهم وتمثيل وجهات نظر أولئك الغائبين، على كونها عماد الفكر السياسي، وتؤكد على وجوب اختبارها ضمن الميدان العام.[4]
تعكس منهجية عمل ”المكلِّفون/ات الجدد“ هذا الخروج إلى السياق العام بشكل عملي، من خلال انخراط جميع الأطراف لتحقيق تفويض معين، أي مجموعة المكلِفين/ات والوسيط/ة والفنان/ة، يمثّل ويخدم المصلحة العامة وينتمي إلى الفضاء العام. هو بالتالي يتجاوز حدود المصلحة الشخصية للأفراد المنخرطين بإنجاز هذا التفويض إلى المصلحة العامة أو الفضاء العام، ولا يمكن إتمامه إلّا ضمن الإطار التمثيلي؛ أي تمثيل وجهات نظر من قد يكونوا حاضرين.
وعلى مستوى التطبيق في السياق السوري، وفي ظل غياب السياسات الثقافية الواضحة من قبل الحكومة، ما قد يخلق عزلة بين النشاط الثقافي وبين المجتمع، يلقي هذا الغياب بحمله على الأفراد، المبادرات والفاعلين الثقافيين في المجتمع.
هذا بالضبط هو السؤال الذي تتمكن المنهجية من الإجابة عنه، ولو على مستويات محدودة، فالمنهجية تفتح باب الحوار والانخراط بالتفكير والنقاش ما بين المجتمع والفاعلين/ات الثقافيين فيه من الفنانين/ات، والقيّمين/ات الفنيين الذين يقومون بعمل الوسطاء في السياق المذكور، والمؤسسات الفنية والثقافية التي بدورها ستقدم الدعم المادي للمشاريع المفوضة.
تركز العديد من المبادرات الثقافية في العقد الأخير من المؤسسات الثقافية المانحة في المجالين الثقافي والفني والتي تدعم التغيير المجتمعي، على تعزيز قدرات الفنانين/ات وحثهم على المساهمة في دعم مجتمعاتهم من خلال مبادراتهم ونشاطهم الفني. مثل برنامج “ابتكر سوريا” الذي أطلقته مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة بدورته الأولى عام ٢٠١٦ بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني ومنظمة International Alert بهدف دعم مجتمعات السوريين في المهجر من خلال دعم الفاعلين/ات الثقافيين والفنانين/ات على إشراك المجتمع بالنشاط الفني وبالتالي يتحملون جوهر المبادرة. بينما يحث بروتوكول المكلِّفين الجدد المجتمعات على تفويض الفنانين/ات، فيكون المجتمع هو الفاعل الأساسي في عملية التغيير المجتمعي، ويشارك بذلك أيضًا في تعزيز قدرات الفنانين على المشاركة بعملية التغيير، دون أن يكون هو/ي المستهدِف بل ضمن هذا السياق المستهدَف.
التكليف الفني والسياسات الثقافية في السياق السوري:
كانت محاولتي الأولى لإنشاء شبكة وسطاء بالمنطقة في آب ٢٠١٩، أي قبل عام من كارثة انفجار مرفأ بيروت. قمت حينها بزيارة ميدانية إلى بيروت لعرض بروتوكول ومنهجية عمل المكلّفين/ات الجدد على ثلاثة عشر مؤسسة وفاعل/ة ثقافي أو اجتماعي أو كليهما معًا. كان الهدف من تلك الزيارة وعرض البروتوكول هو وضع حجر الأساس لشبكة من المؤسسات والأفراد الراغبين بدعم منهجية العمل، وتكييفها لتناسب السياقات المحلية، والحث على بدء استخدامها بداية من لبنان ولاحقًا في المنطقة.
كانت معظم ردود الأفعال إيجابية في ما يخص مجال النشاط ومنهج العمل، مع بعض التحفظات والكثير من التساؤلات عن آلية التكليف لمن لا يملك الخبرة التقنية والمعرفة الفنية. لهذا السبب تحديدًا يأتي دور الوسطاء وأهميته الكبيرة في توجيه السياق الفني كاقتراح الوسيطة أناستاسيا ماكريدو بريتونيو ( Anastassia Makridou-Bretonneau)، من (Eternal Network) بتكليف الفنان كزافييه فالهان (Xavier Veilhan) هو فنان فرنسي يعمل في التصوير الفوتوغرافي والنحت والأفلام والرسم والتجهيزات الفنية، للاستجابة على تكليف مجموعة من سكان مدينة تورز الفرنسية (Tours) “نريد تفويض عمل فني يمثل نقطة محورية جديدة جذابة في أحد الأحياء التاريخية لتورز”، قدم الفنان مقترحًا لتصميم تمثال غير تقليدي باقتراح وحش ضخم بدلًا عن تصميم بطل، لتتم تسمية الساحة لاحقًا بساحة الوحش والتي أصبحت من أهم المعالم السياحية للمدينة.[5]

© زينة شهلا – المركز الثقافي بداريا 2025
يمكن تقسيم تطور المشهد الثقافي في سوريا على ثلاث مراحل:
الأولى قبل عام ٢٠١١، حيث اعتمدت السياسات الثقافية على نموذج رعايتي ومركزي كانت الدولة فيه الفاعل الرئيسي، تمول وتوجّه وتحتكر تعريف الثقافة وموقعها في الحياة العامة. ورغم بعض محاولات الانفتاح المحدود في العقد الذي سبق الثورة وازدياد عدد الجمعيات الثقافية ذات الطابع الأهلي بنسبة جاوزت ثلاثمئة بالمئة ما بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٠، إلا أن هذه المبادرات بقيت محدودة ولا تتمتع بالاستقلالية بشكل فعلي لا على مستوى القرارات الداخلية ولا التمويلية، بل تعد امتدادًا للخطاب السياسي الرسمي أكثر من كونها فاعلة حقيقية. الأمر الذي أدى إلى إضعاف المبادرات المستقلة، وتهميش الفاعلين المحليين، وتقييد إمكانيات تشكيل مجتمع ثقافي نقدي قادر على التأثير في المجال العام. ويؤكد البحث الاستكشافي للسياسات الثقافية في سوريا، أن الإطار القانوني والثقافي في سوريا لم ينتج سياسة ثقافية واضحة المعايير أو آليات لتقييم الأثر، بل اعتمد نهج الاحتواء والرقابة، ما جعل العلاقة بين المجتمع والدولة علاقة رعاية من طرف واحد، لا شراكة في إنتاج المعنى أو الموارد الثقافية.
والثانية مع اندلاع الثورة السورية عام ٢٠١١ حيث ظهرت هشاشة النموذج المركزي، التي أدت إلى انطلاق مبادرات ثقافية ومدنية جديدة لسد الحاجة خارج منظومة الدولة ومؤسساتها التقليدية، لكنها بقيت غالبًا بلا أدوات استدامة أو دعم هيكلي طويل الأمد.[6]
والمرحلة الثالثة مع نهاية عام ٢٠٢٤ وسقوط نظام حزب البعث المتمثل بعائلة الأسد، دون أن يؤدّي ذلك إلى تفكيك الإرث المؤسسي أو السياسات المركزية الإقصائية، مع إضافة واقع جديد يتمثل في اضطراب أمني واسع، واستقطاب اجتماعي، سياسي وديني حاد، بالإضافة لتباينات جغرافية وإدارية بين المناطق المختلفة بسوريا.
هذا السياق المعقد يعمق الحاجة لآليات عمل خلاقة ومتنوعة تساهم في تشكيل سياسات ثقافية جامعة لا إقصائية، بعيدة عن المركزية، وقادرة على إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري المتنوعة والمؤسسات وبين الأفراد العاملين بالمجال الثقافي وغيره.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى منهجية المكلِّفين/ات الجدد بوصفها مدخلًا لتصور سياسي – ثقافي مستقبلي، لا يقتصر على إنتاج أعمال فنية بل يعيد توزيع السلطة الثقافية بين المجتمع والفنان/ة والمؤسسة. فهي تتيح للمجتمع أن يكون فاعلًا من خلال لعب دور المفوِّض وصاحب القرار في تحديد أولوياته، بدل البقاء في موقع المتلقي أو المشاهد. بهذا المعنى، يمكن للمنهجية أن تساهم في بناء سياسة ثقافية سورية تشاركية مستقبلًا، تنطلق من المجال العام وترتكز إلى الثقة والفعل الحيوي والتفاوض الاجتماعي، بدل النموذج المركزي غير القادر على مواكبة المتطلبات والتحولات العميقة في المجتمع السوري.
وعلى الرغم من القبول المحلي للمنهجية والشبكة إلا أن تطورها مقيد بتحديات عدة، على رأسها عدم الاستقرار السياسي، وضعف الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة الأمر الذي قد يشكل تحديًا كبيرًا للوسطاء أثناء عملهم مع مجتمعات متنوعة وخصوصاً في المناطق ذات الاستقطاب العالي. بالإضافة إلى الصعوبات التمويلية، إذ تعتمد المنهجية في جوهرها على تفويض فنان للقيام بعمل فني الأمر الذي يأتي في فترة لاحقة من تطور المشروع. فلا يمكن التنبؤ به أو معرفته ببداية العمل مما يعني أن التمويل بشكل أساسي يأتي بمراحل متأخرة من المشروع. وتعتبر هذه الديناميكية في العمل من أهم مميزات المنهجية وتحدياتها بالوقت عينه؛ حيث إنها تتعارض مع الأشكال التقليدية لتمويل المشاريع الفنية والثقافية. ومن الجدير بالذكر أن معظم المشاريع المنفذة في أوروبا حصلت على دعم حكومي بشكل جزئي أو كامل، وهو الأمر الذي يعتبر من أهم التحديات في سياق العمل المقترح أعلاه.

© Zeina Shahla – Homs 2025
مخرجات وتوصيات
- اعتبار مقترح هيرز كمنهجية تعزز المبادرات الأهلية المتأصلة في المجتمع.
- اعتبار هذه المنهجية اقتراحًا اضافيًا للتواصل والتفكير بالموارد والسياقات المحلية بطريقة مختلفة.
- اعتبار هذه المقاربة إضافة لممارسات دعم الثقافة والفنون بالمجتمع لا بديلاً عنها.
- بظل غياب سياسة ثقافية حكومية واضحة، يبقى التعويل على المؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني لتبني منهجيات عمل تساهم بدورها بدعم النشاط الديمقراطي للسكان (مواطنين/ات وغير مواطنين/ات).
- لن يكون العمل على منهجية المكلِّفين/ات الجدد في السياق المحلي للمنطقة ممكنًا ما لم تتبنى المؤسسات الفاعلة في إنتاج العمل الثقافي والاجتماعي المنهجية ضمن أطر عملها، وتطورها وتكيفها بما يتناسب وكل سياق محلي، لتحقيق نشاط ديمقراطي فاعل على مستوى الأفراد والمجموعات في المجتمع، وبالتالي إنتاج مشاريع فنية تعود ملكيتها الفكرية للمجتمع وبمشاركة جميع أطرافه اختصاصيين كانوا أم من خارج الاختصاص.
- التركيز على السياق المحلي وحساسيته عند اختيار الفنانين/ات من قبل الوسطاء/ات، والتركيز على أهمية عملية المشاركة في والحوار ضمن عملية الإنتاج الفني.
- وضع سياسات لقواعد السلوك الخاصة بالتكليفات الفنية تأخذ بعين الاعتبار السياقات المحلية وتمنع بالوقت نفسه تكليف مشاريع تعكس خطاب كراهية من أي نوع ضد فئات أخرى وبخاصة الفئات المستضعفة.
- العمل على تطوير مصطلحات لغوية محلية بعيدًا عن الترجمة الحرفية لتجنب أي نفس استعماري باللغة المستخدمة.
قائمة المراجع والقراءات:
– RECLAIMING ART / RESHAPING DEMOCRACY – THE NEW PATRONS & PARTICIPATORY ART – Estelle Zhong Mengual, Xavier Douroux – 2017
– ART WITHOUT CAPITALISM (THE NEW PATRONS) – François Hers, Xavier Douroux – 2013
Jedem Auftrag wohnt mindestens ein Bürger inne, Alexander Koch – 2020.
– Society of the New Patrons in the Arts and Sciences (SNP-AS), François Hers – 2020.
– Rethinking Cultural Policy By Jim McGuigan – 2004.
– d‘Entreves, Maurizio Passerin, “Hannah Arendt”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/arendt/>.
– السياسات الثقافية – النشأة، التطور، العقلانية – إعداد حسام فازولا، أعد الجزء القانوني محمود عثمان.
– مدخل إلى السياسات الثقافية في العالم العربي، عن دار شرقيات بالقاهرة. تحرير حنان الحاج.
– الفنون والتمويل، دراسة استكشافية | أنماط إدارة الموارد والمقاربات البديلة لمفهوم ”الاستدامة“ في العمل الثقافي والإبداعي، إعداد رنا يازجي 2020.
– عن العمل الثقافي السوري في سنوات الجمر، تقديم سلام الكواكبي – الباحثون المشاركون: د. ماري الياس| راما نجمة| المركز السوري للبحوث – 2016.
– هذا ما حدث، شهادات شخصية عن واقع الثقافة المستقلة في المنطقة العربية – ٢٠١٢
- في غياب السياسات الثقافية, عبد الرحيم الخصار.
- عن المأسسة وأشكال التنظيم، التنقيب في أدوار الفنون في السياق السوري – إعداد: ماريانا الطباع، صدر عام 2024 عن مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة.
- اتجاهات – ثقافة مستقلة. (2014). الملف التعريفي الخاص بالسياسة الثقافية في سوريا (ضمن مشروع السياسات الثقافية في المنطقة العربية). https://www.arabcp.org
بروتوكول المكلِّفين/ات الجدد:
يُحدِّد بروتوكول المكلِّفين/ات الجدد أدوار الجهات الفاعلة التي تضطلع بنشاط ما معًا والمسؤوليات التي تقع على عاتقها، ويتمثل الهدف منه في ابتكار أعمال فنية في جميع المجالات.
- يقترِح هذا البروتوكول على كل شخص يرغب في اتباعه ضمن المجتمع المدني – دون استثناء وفي أي مكان، ومنفردًا كان أو بالاشتراك مع الآخرين – الوسائل التي تتيح له أن يأخذ على عاتقه مسؤولية تكليف فنان القيام بعمل فني؛ أما بالنسبة للمكلِّف، فيعود للشخص المعني أن يذكر السبب وراء القيام بالعمل الفني، واستثمار الجماعة فيه وفي فهمه.
- يقترح البروتوكول على الفنانين ابتكار أشكال فنية قد تستجيب، في تنوعها اللامحدود، لمتطلبات المجتمع وأن يوافقوا بالتالي على تقاسم الأدوار التي تُفضي إلى جعل الابتكار الفني يتجاوز المسؤولية الشخصية ليصبح مسؤولية جماعية أيضًا.
- يقترح البروتوكول إنشاء الوسطاء لروابط بين الأعمال الفنية والجمهور، وإمكانية أن يكونوا أيضًا وسطاء بين الفنان والمكلِّف بصفة شخصية، وأبعد من ذلك، أن يكونوا وسطاء بين جميع الجهات الفاعلة المعنية؛ ويُنظِّم الوسطاء مشاركتهم ويوفرون المعارف اللازمة لاختيار الوسيلة الفنية والفنان، فضلاً عن المهارات التي ستتيح إنتاج عمل فني يحترم مقتضيات المتطلبات فضلًا عن العمل الإبداعي.
- يمكن للوسيط أيضًا أن يكون بمثابة مُنتِج عام ليأخذ بعين الاعتبار مبادرة الفنانين عندما يجد أنها تتناول وضعًا راهنًا.
- يقترح البروتوكول أن يساهم كل من الممثلون المُنتخَبون والجهات الراعية والأشخاص المسؤولون عن الهيئات العامة والخاصة من خلال استثماراتهم في تطوير “ديمقراطية تمهيدية”، بينما يتكفلون بوساطة سياسية تتيح تضمين العمل الفني في المجتمع الذي يستهدفه، كما أنهم يتحملون شخصيًا مسؤولية تقديم عرض يلبي ضرورة جماعية.
- يقترح البروتوكول أن يسهم الباحثون في مختلف المجالات في الإقرار بضرورة الفن من خلال وضع الإجراءات المتخذة في نصابها الصحيح وإسنادها إلى تحليل ذكي للأوضاع الخطرة التي سيكون من الأفضل تقاسمها.
من خلال الالتزام بتقاسم مُنصِف للمسؤوليات، توافق جميع الجهات الفاعلة على إدارة التوترات والنزاعات المتأصلة في الحياة العامة عبر التفاوض في إطار ديمقراطي.
بعد أن تحولت إلى أطراف فاعلة في الحياة الاجتماعية، لم تعد الأعمال الفنية مجرد تعبير رمزي عن تفرد الأشخاص، بل أصبحت تعبيرًا عن الأشخاص المستقلين الذين قرروا تشكيل مجتمع بهدف ابتكار أساليب جديدة للتفاعل مع العالم وإعطاء معنى مشترك للنشاط الإبداعي المعاصر.
يصبح العمل الفني المُموَّل من المِنح الخاصة والعامة ملكًا للجماعة، حيث لا تقتصر أهميته على القيمة السوقية وحدها، بل تشمل أيضًا القيمة الناشئة عن توظيف الجماعة له والأهمية الرمزية الممنوحة له.
فرانسوا هيرز، 1990
[1] “Les Nouveaux Commanditaires | Ambition,” Nouveaux Commanditaires 2025, accessed October 7, 2025, http://www.nouveauxcommanditaires.eu/en/22/ambition
[2] عن المأسسة وأشكال التنظيم، التنقيب في أدوار الفنون في السياق السوري – إعداد: ماريانا الطباع، صدر عام 2024 عن مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة.
[3] من «الفزعات الاجتماعية» إلى المجتمع المدني, September 12, 2025. https://aljumhuriya.net/ar/2025/09/12/فزعات-اجتماعية-ومجتمع-مدني.
[4] d’Entreves, Maurizio Passerin, “Hannah Arendt”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.) Stanford University, January 11, 2019, URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/arendt/>، ترجمة ترجمة سارة اللحيدان.
[5] THE MONSTER OF TOURS projekt, https://neueauftraggeber.de/en/projects/das-monster-von-tours, accessed 12.02.2023 at 19:32 Uhr.
[6] اتجاهات – ثقافة مستقلة. (2014). الملف التعريفي الخاص بالسياسة الثقافية في سوريا (ضمن مشروع السياسات الثقافية في المنطقة العربية). https://www.arabcp.org

