هل يجتمع الفن والدين في سوريا ما بعد البعث؟
“بصلي وبصوم… بس أنا فنان.” تبدو جملةً بسيطةً، لكنها في الحقيقة مفتاح لسؤال ظلّ يخنق التجربة السورية لعقود: هل يمكن للإنسان أن يكون متديناً ومبدعاً في الوقت نفسه؟ أم أن المجتمع — ثم الدولة — يصرّان على تقسيم الإنسان إلى مربعات ضيقة لا يحق له تجاوزها؟
على امتداد العقود الماضية، لم يكن التناقض بين الفن والدين نابعاً من جوهرهما، بل من الخطاب الذي صاغه نظام البعث، والذي جعل من هذا التقابل قاعدة ثابتة. الفنان في الرواية الرسمية هو “الحداثي”، “المتنور”، ابن الدولة المدنية المُتخيّلة. والمتدين هو “الرجعي”، “الخطر الكامن”، الذي يجب مراقبته وتطويعه. بهذه الثنائية المختلقة، نجح البعث في تشكيل وعي اجتماعي يقوم على الفرز: فنان/لا ديني — متدين/غير فني. وتحول الإنسان إلى ساحة صراع بين صورتين مفروضتين عليه، بدل أن يكون مساحة واسعة تتسع لإيمانه وذائقته وإبداعه معاً.
قبل استيلاء البعث على السلطة، لم يكن هناك عداء جوهري بين الفن والدين في سوريا. كانت هناك أناشيد روحية، وحلقات ذكر صوفية ذات جمال موسيقي، ورسوم وزخارف مستمدة من الحس الديني، وشعر يفيض بالتصوف. كان الدين جزءاً من الوجدان، والفن جزءاً من الحياة، ولم يكن أحدهما مهدداً بالآخر. لم يكن الفنان إذا صلّى موضع ريبة، ولا المتدين إذا أحبّ الموسيقى محطّ اتهام. كان المجتمع يعيش علاقة مرنة، طبيعية، غير مُسيّسة بين الروحاني والجمالي.
مع وصول البعث، بدأ تشييد جدار فاصل بين المجالين. فالفن تحول إلى أداة دعائية، مراقَباً وموجَّهاً، يُسمح له بقدر ما يخدم صورة السلطة. والدين تقيّد وجرى تحويله إلى طقس منزلي أو خطاب منضبط، منزوع القدرة على مساءلة الدولة أو التعبير الحرّ عن المجتمع. هكذا خلق النظام تباعداً مصطنعاً بين الفن والدين: الفن محمول على خطاب “التنوير” الذي تحتكره السلطة، والدين محاصر داخل حدود “الاعتدال” الذي تحدده الأجهزة الأمنية. وبمرور الزمن، ترسخت الثنائية في الوعي الجماعي: من يصلي لا يُتوقع منه أن يرسم أو يكتب أو يغني، ومن يرسم أو يغني لا يُفترض به أن يصلي. هذه ليست حقيقة ثقافية… بل نتيجة سياسة ممنهجة.

في فهم الفصل المتعاظم بين الدين والفن في المجتمع السوري، لا يمكن إغفال الدور العميق للمركزية الحكومية التي أسّس لها نظام البعث، إذ احتكرت الدولة الخطابين الديني والفني معاً، فأعادت تشكيلهما بما يخدم استقرارها السياسي. فالدين تحوّل إلى منظومة طقوسية منزوعٌ منها البعد الأخلاقي والاجتماعي الحقيقي، بينما صار الفن أداة ترويجية وأيديولوجية تُستخدم لإعادة إنتاج قيم الحزب. هذا الاحتكار لم يكتفِ بإعادة صياغة العلاقة بين الدين والفن، بل خلق مسافات واسعة بين الطبقات الاجتماعية نفسها، حيث شجّع النظام تصنيف المجتمع إلى طبقات متباينة: الريف مقابل المدينة، والنخبة مقابل العامة، والمثقف في مواجهة “الناس البسطاء”. وبهذا التصنيف، صُوّرت الفنون بوصفها ترفاً برجوازياً لا يليق إلا بالمدن وأبنائها، بينما جرى دفع التدين إلى خانة العفوية فصار “فطرة عامة الناس”، ما عمّق الهوّة وأنتج ذهنية اجتماعية ترى الفن غريباً عن الحياة اليومية، وترى الدين مسيّجاً ومختزلاً في السلوكيات المحافظة وحدها.

كما لا يمكن تجاهل أثر التنشئة التربوية والأسرية التي تفاعلت مع هذه المنظومة عبر العقود، ففي خمسينات القرن الماضي، كانت البنية الاجتماعية أكثر انفتاحاً، والطبقة الوسطى أكثر حضوراً، ما جعل الفن جزءاً من حياة المدن السورية، من المسارح إلى السينما والصحافة، وكانت الممارسات الدينية معتدلة وغير مُسيّسة. لكن ابتداءً من السبعينات، ومع ازدياد القمع السياسي وتراجع الحريات وتحوّل الدين إلى ملاذ نفسي واجتماعي، بدأت موجة التشدد تتنامى. تعمّق هذا الاتجاه في الثمانينات بعد العنف الواسع بين النظام والإسلاميين، وترافق مع تراجع اقتصادي أدى إلى انحلال الطبقة الوسطى وصعود قيم أكثر انغلاقاً. ومع الهجرة الريفية الهائلة إلى المدن من دون خطط دمج أو تطوير ثقافي، انتقلت إلى الحيز المديني أنماط تدين تقليدية لم تقابلها مشاريع ثقافية حقيقية، فغاب التوازن وبرزت سرديات اجتماعية تربط الفن بالانحلال وتربط الدين بالمحافظة الأخلاقية.
وفي خلفية هذا المشهد، لعبت الصور النمطية المتبادلة بين اليمين المتشدد واليسار السافر دوراً جوهرياً في صبّ الزيت على نار الانقسام. فاليمين الديني المتشدد رأى الفن تهديداً للقيم والأخلاق، وصوّر الفنان كعنصر دخيل على المجتمع. وفي المقابل، نظر اليسار الراديكالي إلى الدين باعتباره قوةً رجعية تعيق التقدم، فساهم في إقصاء المتدينين من فضاءات الثقافة والفنون. وبين هذين الخطابين المتطرفين، فُقدت المنطقة الوسطى التي تسمح بطرح سؤال بسيط: هل يمكن للإنسان أن يكون فناناً ومتديناً في آن واحد؟ ومع غياب هذا السؤال، تعمّقت الهوية المزدوجة الممزقة، وصار الانتساب إلى الفن يعني تلقائياً الخروج من خانة التدين، والالتزام الديني يعني الانفصال عن الفن.
اليوم، ومع تفكك خطاب النظام وتآكل سلطته، تدخل سوريا — أينما وجد السوريون — لحظة حساسة تشبه العدالة الانتقالية: لحظة كشف الحقيقة، وفهم الماضي، وإعادة بناء الذاكرة. وفي هذه اللحظة بالذات، يتغير شكل الفن… وتتغير معه علاقة الفن بالدين جذرياً.
الفن في العدالة الانتقالية لا يكتفي بأن يكون جمالياً؛ يصبح أداة لكسر السردية القديمة. فهو يكشف كيف استغل النظام الفن كواجهة، وكيف شيطن التدين، وكيف فصلهما عن بعضهما لخدمة معادلته السياسية. وحين يخرج المتدين من قوالب الرقابة، ويخرج الفنان من أسر الدعاية، يُمكن لحدود الهوية بالانهيار أمام حقيقتها الأصلية.
وعندما يتحرر الدين من وظيفته السياسية المفروضة عليه، يعود إلى معناه الحقيقي: خبرة روحية وأخلاقية وإنسانية. وهنا يصبح الفن مستعداً للالتقاء به مجدداً — لكن اللقاء هذه المرة ليس لقاء تراثياً أو فولكلورياً فقط، بل تجلٍّ في موسيقى روحية دون رقابة، ومسرح يستكشف الأسئلة الوجودية، وأعمال تشكيلية تستلهم الميثولوجيا الدينية بحرية، وسرديات تُنصف المتدين وتقدم تجربته بوصفها جزءاً من الهوية السورية لا نقيضاً لها. في هذا الفضاء الجديد، يصبح السؤال: كيف يكمل الفن الدين؟ وكيف يكمل الدين الفن؟

الفن في العدالة الانتقالية يحمل مسؤولية أخلاقية: أن يكون صادقاً، أن يحترم التجربة الإنسانية للضحايا، ألا يجمّل القمع ولا يسرق الألم. وهذه المسؤولية ليست بعيدة عن جوهر الدين، بل إن كثيراً من قيم العدالة والإنصاف والكرامة هي قيم دينية في أصلها وروحية في معناها. وهكذا، وللمرة الأولى منذ عقود، يصبح ما يجمع الفن والدين قيمة أخلاقية مشتركة، لا معركة يفرضها النظام بينهما.

في المرحلة الجديدة، حدود الفن ليست حدوداً مفروضة باسم الدين ولا باسم السياسة، بل حدود إنسانية فقط: ألا يتحول الفن إلى أداة إهانة أو استغلال أو تشويه لتجارب الناس الروحية أو آلامهم، وألا يُستخدم الدين كأداة لقمع حرية التعبير. هي حدود تُبنى على الحساسية الأخلاقية، لا على الرقابة.
ليس الهدف أن نثبت أن الفن “يتوافق” مع الدين، ولا أن الدين “يتحمل” الفن، بل أن نستعيد الحقيقة التي حاول البعث محوها: الإنسان قادر أن يكون الاثنين معاً. قادر أن يصلي ويغني، أن يؤمن ويبدع، وأن يعيش انتماءه الروحي دون أن يفقد حريته الجمالية. والفن في مرحلة العدالة الانتقالية ليس مجرد وسيلة للذاكرة، بل وسيلة لإعادة بناء توازن سُرق من السوري لعقود طويلة؛ توازن يسمح له أن يقول بثقة، وبدون خوف أو تناقض:
“بصلي وبصوم… بس أنا فنان.”

