خوفٌ لا تحتملُ خفّته

مقال رأي وشهادة شخصية 

عدت من السويداء إلى دمشق بعد أربعة أيام من تحقيق الثورة لأولى وأهم مطالبها. “سقط النظام”؛ كلمة مباركة رحت أسمعها من الأصدقاء والغرباء. مشيت في الشوارع، تفحّصتها جيدًا، لم أرَ بها شيئٍا مألوفًا، رغم أنّي شاهدتها مئات المرات.

هذه المرة كنت أحمل كاميرتي وحريتي، كان بإمكاني التقاط الصور والفيديوهات، لكن جسدي كان خزان خوف. أول نشاط قمت به كان المشاركة في تشييع (مازن حمادة)[1]، ولذلك عزّيت نفسي في عجزي عن استيعاب تناقضات الفرح والحزن والغضب التي ملأت وجوه الناس.

جلست مع بعض الأشخاص من شمال البلاد، وأحدهم سخر من خوفنا – نحن سكان دمشق- بقوله: “نحن عاملين صور أبو محمد ستكرات”. فضلت الصمت، وعاد إلى ذهني السؤال العدمي والمُكرر دائماً: ما الذي نفعله بحق الجحيم؟

أروي هنا جزءًا من شهادتي حول العمل في المجال الفني المستقل في دمشق، بين الـ 2021 وحتى 2024، وأؤكد على أنها دعوة للتذكر والضحك، وإذا كنتَ أحد أبطال هذه القصص، أدعوك لأخذ الأمور بخفة..

يرى المخرج  (Radu Jude) في فيلم (Bad Luck Banging or Loony Porn)[2] أن شاشة السينما هي درع الآلهة (أثينا) الذي مكّن (بيرسيوس) من النظر إلى انعكاس صورة (ميدوسا) وقتلها، دون أن تحوله إلى تمثالٍ حجري.

عام 2021 مَنعت لجنة مراقبة النصوص في المنطقة الحرة[3] وسط العاصمة، خمسة نصوص لأفلام قصيرة ضمن مختبر سينمائي أُقيم في دمشق- وكان فيلمي ضمن القائمة- وذلك بالتزامن مع حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة للنظام المخلوع، بحجة أنها أفلام متشائمة، فأحكمت قبضتها على الأمل وحمت المواطن من التشاؤم.

يبدو الخبر هزيلًا وبلا معنى، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا، ماذا يعني أن تُمنع من إنجاز عملٍ ما، فقط لأنه متشائم؟ وهل يحق للسلطة المُنتشية أن توقف أفكارك المتشائمة من التدفق؟ 

بعد ذلك، أُوقف تصوير أحد الأفلام المتفائلة في مخيم “خان دنون” للاجئين الفلسطينيين، جنوب المدينة، فبعد أن حصل النص على الموافقة من فرع “الجوية”، وجد فرع “فلسطين” نفسه خارج اللعبة، رغم أن بطل الفيلم فلسطيني سوري. بدأ الفرع المخذول تحرياته لمدة أسبوعين للكشف عن مدى خطورة الوضع، خاصةً وأن المخيم كان محتفيًا بالظاهرة السينمائية التي يعيشها.

في حادثة أخرى، طلبت لجنة الرقابة في مديرية المسارح؛ المكونة من فرد واحد، أن نحذف كلمتي “تعفيش” و”حصار” من عرض القراءات لنصٍ مسرحي كتبته شريكتي عن منزلها الذي حاصره نظام الأسد وعفّشه- الكلمتين اللتين كانتا تُشكلان حساسية شديدة للسلطة الحاكمة، وتكسران سرديتها عن الحرب السورية- وكانت نصيحة الرقيب لنا، هي الوقوف على الحياد.  ذلك لا يبدو عادلًا، أن تطلب الحياد ممن قتلتهم وسرقتهم.

كان من المنطقي أن نسأل عن بديل درامي لتلك الكلمات، فحذفهم يغيّر القصة والحقيقة، فلم نحذفهما، ولجأنا إلى تقديم العرض في “غاليري” مستقل، يتسع لخمسين شخصٍ، وخلال يومين، لم يشاهد العرض أكثر من مئة شخصٍ ونيف، مُقتنعين مسبقًا بما نقول، ولا مهارة لدينا أكثر من القول، ولا قدرة لديهم أكثر من الاستماع والتصفيق في أحسن الأحوال.

بعد السقوط، وفي جهادنا المسرحي، طوّرنا عرض القراءات إلى عرضٍ مسرحي، فَطُلب منا حذف كلمة “طيزي” من النص.. يا لهذه المتعة..

يأخذني هذا كله إلى تجربةٍ أخرى، كنت أصارع بها في مساحة ما قبل الرقابة، إنه انحدار اعتباطي للقصة. حصلت على تمويل من جهةٍ بريطانية مستقلة، لإنتاج مسلسل يوتيوب قصير، فكرته مستوحاة من تقريرٍ إخباري..

تعرّض منزل زوجين مسنين لصاروخٍ عشوائي من الدفاعات الجوية السورية، فمنعهم الإعلام الرسمي من إصلاح الجدار قبل أن يُنجزوا تقريرًا تلفزيونيًا عمّا تعرضا له من وحشية، مدّعين أن من قصف منزل العجوزين هو العدو الإسرائيلي. وهكذا تصبح استمرارية حياة الزوجين، مرهونة بمصير الجدار المثقوب والتقرير المنشود.

اختلفت مع أحد العاملين في المشروع على تحديد شكل جدار منزل الزوجين، فاستبعدته من المشروع، مما أدى إلى رفعه دعوة قضائية ضدي، بحجة أني سرقت فكرته، بعد أن قام بتسجيلها في حقوق الملكية الفكرية في وزارة الثقافة. ذلك الحق الذي ناله نتيجة بيروقراطية التقاعس لدي العاملين في الوزارة، والذين لم يُتعبوا أنفسهم في البحث عن مصدر الفكرة وأصالتها.

نتيجة لذلك، رحتُ أذهب بشكلٍ دوري إلى المحكمة، لأكتشف بأن لا أحد هناك يعلم كيفية التعامل مع هذا النوع من الجرائم:

“سارق الأفكار” تُهمة مثيرة للقلق بالنسبة لهم.

أما عن المحامين، هناك قلة ممن اطلعوا على قوانين الملكية الفكرية، ومنهم أنا، رغم أني لم أدرس المحاماة، إلّا أني اطلعت على القوانين وتمعّنت بها، وصرت اكتب خطاباتٍ للقاضي مستشهداً بـ (Emil Cioran): “كان علينا ألا نتكلم إلا عن الأحاسيس والرؤى: وليس عن الأفكار أبداً…”[4]، كنت أفضل الحديث مع القاضي عن المشاعر والفلسفة والعدمية فضلًا من الحديث عن الدولارات، ليس لأنني خائف من “جريمتي”، لكن الجهة المنتجة بريطانية، والدولارات التي سترسل غير شرعية بقوانين الدولة، ويمكن أن تُلصق بي تهمة تمويل الإرهاب، فكنت حريصًا على إخفاء أمر الدولارات عن القاضي والمحامي، هذه الدولارات ظلّت بعيدة عني بطبيعة الحال.

يأتي السؤال الصعب اليوم، بعد كل ما جرى، هل كان لمجموعات معزولة وصغيرة، خارجة عن المجتمع وتقارع أشباحها وخوفها، أن تُحدثَ أثراً ما؟ وهل فعلاً كنا نشكل حركات فنية وثقافية مستقلة؟ أم كنا أدوات غسلت بنا السلطة جرائمها؟

حاولت السلطة السيطرة على القطّاع الفني والثقافي الذي نشأ واستقلّ إلى حدٍ ما خلال سنوات الفوضى، أمّا قطاع الدراما الذي أنشأته ورعته، كان يخضع لسلطتها بشكلٍ أو بآخر، بسبب القدرة الإنتاجية الضخمة التي يتطلبها ويحتاجها. أما المسرح، القطّاع المهجور، فكان أثره ضئيلًا، ولا يزال. ورغم ذلك، كانت تترك هوامشًا للعمل الفني المستقل، المموّل من منظمات غير حكومية أو أفراد، يدفعون بالعملة الصعبة، ليحكوا عن الخراب والجرائم، شرط عدم الإشارة إلى المخربين بعينهم.

وعلى هذا المنوال، كانت تسيطر على الحركات المستقلة في الفنون وتدجنها عبر سياسة ممنهجة، لتنضم إلى قطّاعها العام، أو من خلال عزل من يرفضون التدجين، واعتقالهم في بعض الأحيان. وهنا أصبحت الاستقلالية تأخذ معانٍ أخرى تدريجيًا، فلم تعد تعني الحركات والمبادرات ذات التمويل الخاص، والخارجة عن رقابة القطّاع العام بالضرورة، بل أصبحت أدواتٍ خجولة لا تجرح كبرياء الدولة وهيبتها، وفي حال بقاء “العمل المستقل” قيد التنفيذ، يتحوّل دور العاملين فيه تلقائيًا، من فنانين إلى لجان رقابية، يعرفون “السقف” الذي يجب عليهم العبور تحته، ويتذاكون في مساحة مُظلمة/ عدمية، أو يحافظون على منهج النقد البنّاء.

عكس هذا السلوك رغبة نظام الأسد في الخروج من العزلة الدولية، مستعينًا بآلة الزمن الأكثر تأثيرًا، لتدوير صورته كمنتصر متفائل، ليس في المعركة فقط، بل في مخيلة الناس وذاكرتهم، فأفلام السينما أبقى من الدراما، وأكثر انتشار من المسرح، وكانت- بالنسبة للمجرم- صورة ورؤية لمستقبلٍ واعد، بينما كانت بالنسبة لنا، شرطًا للبقاء.


[1] ناشط حقوقي سوري من مدينة دير الزور، توُفيَ في مُعتقلات الأسد، وعثر على جثمانه بعد السقوط.

[2] أنتج الفيلم عام 2021، وحصل على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي في نفس العام.

[3] تقع المنطقة الحرة في منطقة البرامكة- ساحة الجمارك، ويمارس ضمنها النشاط التجاري والصناعي والخدمي والمصرفي.

[4] من كتاب (اعترافات ولعنات) للفيلسوف والكاتب الروماني (إميل سيوران).