بين كتابٍ وسهلٍ، كيف شكّل القطاع العام جدارًا بيننا وبين أحلامنا

هل علقتُ في الماضي؟ أسأل نفسي هذا السؤال وأنا أتابع ما يأتي من البلاد، إعلانات ودعوات متلاحقة عن نشاطات ثقافية تنفض عنها الغبار بعد أربعةَ عشرَ عاماً من الغياب، أسمع أخبارَ من عادوا، أفرح، إلّا أنّ فرحي منقوص، نقصٌ أعادني للماضي، فبينما تقام عشرات الفعاليات في العاصمة دمشق وحلب، لا أسمع إلا عن عدد ضئيل في المحافظات الأخرى، أما في المناطق النائية والريفية تكاد تنعدم مثل هذه النشاطات، وكأن التاريخ يكرر نفسه وتعود مركزية دمشق وبعض المحافظات الكبرى للسيطرة على المشهد الثقافي.

أنا ابنة القرن المنصرم، ابنة الثمانينيات، أعيش عالقةً في ماضٍ يتكرر، في حاضرٍ ينسخ تهميش البعيد عن المركز، تغزو إعلانات الفعاليات المدنَ الكبرى، وتبقى مدنٌ وقرى ساكنةً وفارغةً من الفعل الثقافي.

في دعوة “معمل 01” للكتابة مع خزّان، يقولون إن التاريخ عاصفة، لا سيل أحداثٍ متواصلة. وأنا، ابنة قرية في ريف مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماه السورية، وُلدتُ في الثمانينات، أؤمن أن هذه العاصفة لم تكن عاصفة أحداثٍ سياسية فقط، بل كانت عاصفة ضد التهميش، تهميش البعيد عن المركز. وضد التغريب باعتبار أبناء الهوامش غرباء ليسيطر أبناء حواضر المدن الكبرى على المشهد. وهنا سأتحدث عن التهميش الثقافي.

نوافذ الثقافة في القرية المنسية:

لم يكن إحساسي بالحرمان من الثقافة قرارًا واعيًا اتخذته، كان نتيجةً لسياسةٍ عامة، رسمتْ جدارًا بيني وبين شغفي. كانت الثقافة في سوريا خلال العقود الأربعة الماضية “صناعةً” مركزيةً، تُدارُ من مكاتب في العاصمة وربما في المدن المركزية، وتُقدّمُ من خلال مؤسسات لا يعرفها إلا القليلون. أما في قريتي الصغيرة “تلدرة” أو كما تكتبها الخرائط “تل الدرة” الواقعة على بعد أحدَ عشر كيلومتراً عن السلمية، المدينة التي تُعرف بعراقتها الثقافية، فكان الأمر أيضًا لا يخلو من صعوبات للوصول إلى مراكز المدينة الثقافية ومسارحها القليلة، وأما سينماها لم نصل إليها سوى في أحاديث من سبقونا.. نمرُ عبر شارعٍ في المدينة فتخبرني أمي كيف كان طقسُ السينما “الوحيدة والمهجورة يوم ذاك” طقسًا عائليًا أسبوعيًا.

جدير بالذكر هنا أنه وبينما أكتب هذا المقال تكنس تلك السينما غبار أكثر من ثلاثة عقود من الزمن وتعاود فتح أبوابها، ما يعينني على كتابة ما تبقى في مقالي بهدوء أكثر، ولكن كل هذا يتم بجهود تطوعية من شباب متحمس ويحاول انعاش ما تبقى من هذه المدن المنسية، كل الفرص التي تفتح اليوم في وجوهنا هي فرص شعبية لأناسٍ يحملون همّ هذه المدن.

أعود لذاكرتي، وأعترف، مع ذلك كنت من المحظوظات القلائل اللواتي بذل أهلي جهدًا عظيمًا لدعم رغبتي  بالمشاركة في مناسبات المدينة القليلة. عرّفتُ نفسي لهم على الدوام على أنيّ “فنانة، ولا أريد أن أصبح طبيبة أو مهندسة كبقية أبناء وبنات جيلي”. ولعلّي كنت محظوظة أكثر من مدينتي ذات التاريخ الثقافي العريق والسمعة الحسنة، تلك المدينة التي تركت منسية دون اكتراث من الدولة الأم الحاضنة فلم تستطع الدولة ومؤسساتها الاستفادة من هذا الإرث أو حمايته أو احتضانه ليبقى إرثًا شعبيًا حمله ناسها.

كنت في الصف الأول الابتدائي حين أعطتنا المعلمة “صباح” في نشاطٍ لا صفّي كتبًا صغيرةً مجلدةً بجلدٍ سميك، كتلك التي في مكتبة جدي. وأنا اعتدت على قراءة القصص المصورة التي تجهد أمي في الحصول عليها، كانت توصي طلاب الجامعات العائدين من حلب ودمشق وحتى حمص، وتسأل أقاربنا القادمين من لبنان ومن المغترب عن أيّة كتبٍ أو قصصٍ للأطفال لتشتريها لي أنا ابنتها البكر الصغيرة.

وفعلًا، حصلت على كتبٍ مصورةٍ وقصصٍ جميلةٍ، لكن هذه المرة كان جلدُ الكتاب سميكًا وكانت قصةً حقيقيةً، قصة “كوخ العم توم” للكاتبة الأمريكية “هيريت بيتشر ستو”، قصةٌ تدور حول مكافحة العبودية، لا عن الأميرات والعصافير وصوتها وألوانها ولا عن الزرافة وطول رقبتها وعدد فقراتها أو عن الفيل وأهمية خرطومه.

وقعت خطأً هذه الرواية بين يديّ وأنا ابنة ست سنوات، وأرّقتني. كيف يبيع إنسانٌ إنسانًا آخر؟ من أعطاه الحق؟ كيف يموت الناس من الفقر وضغط العمل وقسوة الحياة؟ أسئلة وجودية أضيفت لأسئلتي التي بدأت تكبر معي سنةً إثر سنة، وأنا أبحث عن الأجوبة بين صفحات ما تيسّر من كتب.

كانت الكتب هي نافذتي الوحيدة. لكن ميولي لم أجدها بين دفات الكتب التي يقتنيها والديّ المنفتحان على الحياة لأنها غالبًا كانت تحمل عناوين ضمن اختصاصاتهما العلمية، وأنا أريد أجوبةً لا يمتلكانها، ما جعلني أركض خلف الكتب المستعارة من هنا وهناك، لصعوبة حصولي على كتبٍ خاصةٍ بي، حتى أنني أظن أننا لم نكن نعي وقتها امكانية شراء الكتب لأن الثقافة الدارجة كانت مكتبة واحدة في القرية لمن يملكون لوثةً مشابهة لما لدي. نقرأ بعيدًا عن نظرات من لا يفهمون هذا الشغف. وبعض الكتب كان الوصول إليها أشبه بمعركة مستحيلة. لم يكن هناك مكتباتٌ عامة، ولا ورش عمل، ولا ندوات دوريّة. كانت الثقافة أشبه بـ “معمل” يديره القطاع العام، بواباته مغلقة أمام من هم مثلي، أبناء الأطراف المنسيون.

لأكن أكثر صدقًا، كنت ابنةَ قرية محظوظة، لدينا مهرجان ثقافي سنوي، كان بوابتي للخوص في صناعة الأحلام. وقفت أمام الجمهور وقرأت الشعر على مسامعهم وغنّيت، ومثّلت في المسرحيات ورقصت. ولا أذكر أن ندوةً حتى لو كانت عن الفلاحين إلا وكنت بين الحاضرين والحاضرات القلائل. 

لكنّ كل ذاك كان محليًا يشارك فيه قلةٌ قليلة، ولا يصل صداه كما يصل صدى ما نسمع عنه في التلفاز على القناتين الوحيدتين آنذاك الأولى والثانية حول مهرجانات العاصمة. وكالعادة حاول والداي مساعدتي للوصول إلى أحلامي بعيدة المنال، لكنها كانت كلها تتقطع فيها السبل في منتصف الطريق، ففي كل مناسبة وفرصة يدفعاني للمشاركة، لكن غالباً لا تكتمل الفرص لأنها أصلًا قائمة على أساس فردي هش وغير مدعوم.  أذكر مثلًا كيف دفعني والداي للتسجيل في دورة لتعلّم الخط العربي، ودورة أخرى في تعلّم اللغة الإنجليزية، وأخرى حول لغة الحاسوب، وكلّها لم تستمر ولم تثمر، تنتهي دون خوضٍ في الأسباب. وحصل نفس الأمر في الرياضة فمرةً كنت في فريق الكاراتيه الذي انتهى أمره بعد أشهر، ومرةً في فريق ألعاب القوى الذي لا أذكر كيف صار ذكرى، ومرةً كنت في فريق السلّة الذي استمر لسنوات بين بحثٍ عن مدرّبٍ دائم وقطيعة لأشهر وعودة لشهر أو اثنين.

أكثر ما يداعب ألمي إلى هذه اللحظة كان في رغبتي الشديدة لتعلّم العزف على آلةٍ موسيقية، وكيف كنت في درس الكورال -الشيئ الوحيد الذي استمر لسنوات في قريتي وبدعمٍ فردي- وبينما كان أستاذ الموسيقى يعلّمنا قراءة الصولفيج، كنت أتخيّل مفاتيح آلة البيانو، أرسمها على الطاولة الخشبية أمامي وأبدأ عزف ما نتعلمه ونغنيه. أخبر أستاذُ الموسيقى والديَّ مشجعًا على تعليمي العزف. وفعلًا اشترى لي أبي أورغ صغير ملائم للبدايات واتفق مع عازف متوفّر لتدريسي، وكان الدرس الأول والأخير، كنت أتطلع لتعلّم الموسيقى بشكل حقيقي، بينما الأستاذ الذي اتفقنا معه بدأ بتعليمي الموسيقى بشكل سماعي، وعليّ أن أحفظ على أي مفتاح أدوس لأعزف “القلب يعشق كل جميل” لأم كلثوم. 

استمرت عملية البحث عن أستاذ آخر لسنوات، ولم ألتقِ بذلك الأستاذ إلى أن درست الموسيقى في دمشق.

لم أكن أعي إلا أن لدي رغبة عارمة في صناعة الحضور، والتعرف إلى الناس كل الناس، والخوض في نقاشاتٍ أيًّا تكن علّني أجد الأجوبة لأسئلةٍ أبحث عنها، والسؤال الدائم على لساني: من أين عرفتَ ذلك؟ ما اسم الكتاب الذي أخبركَ تلك القصة؟ ما اسم الكاتب؟

وبين أسئلتي الصغيرة التي لم تجد إجابة: لماذا لا يأتي كاتب كبير لزيارة قريتنا؟ لماذا لا يوجد لدينا مسرح؟ ونُشاهد مسرحية، مسرحية حقيقية لا تلك التي نصنعها على خشبتين من جذع شجرة وضوء فوقهما؟ ماذا عن السينما؟.

كانت الإجابة المباشرة التي لم تُقل، أننا لسنا “جزءًا” من هذا المشهد. ولكي نكون كذلك علينا أن نعبر مئات الكيلومترات حاملين أحلامنا الطفولية وعيوننا ترقب لحظة الوصول إلى دمشق عبر كراجها الشمالي.

جنوبًا نحو المركز:

سأعترف أيضًا أنني كنت محظوظة جربت خوض رحلة السفر إلى دمشق وتحديدًا إلى الجامعة طفلةً صغيرةً، ركبت الكرنك مع أمي، وقرأت المجلاتِ على طريق السفر كمجلة أسامة والعربي وطبيبك، ونمت بين الاستراحات، ووصلت إلى نفق الآداب، ومنه إلى كلية الآداب قسم علم النفس قبل أن ينقلوه إلى البرامكة. كنت هناك أنتظر أمي أمام باب القاعة التي تقدم فيها امتحانًا، لنخرج بعدها مزهوتين متجهتين إلى جسر الرئيس -سابقًا، الحرية اليوم-، وهناك يذهلني كيف تتناثر الكتب على جنباته وتحته وحوله، أطالعُ العناوين مزهوّةً وأقرأ أسماء كتّابٍ وكاتباتٍ لم أسمع عنهم من قبل. ثم نمشي باتجاه متحف دمشق الوطني، يقف في بابه ذاك التمثال البازلتي الضخم، الضخم جدًا. نتجوّل في أركان المتحف ونزور إنسان النياردنتال للمرة العاشرة، وأسألها عن تمثال آدم وحواء في المغارة فتصحح أمي لي أنهما في متحف تدمر الذي زرناه قبل عام في رحلة سياحية مع الإتحاد النسائي في ضيعتنا. تلك الرحل التي كانت تقليدًا في عائلتي وتحديداً في طفولتي فزيارة المدن والأرياف والمناطق السياحية والأثرية في سوريا مع والدي ووالدتي كانت إلى جانب الكتب بوابات لعالمي الأوسع، ووقودًا لأسئلةٍ لا تنتهي.

تنتهي زيارة المتحف نعبر التكية السليمانية وطريق المجوهرات كما كنت أسميه أتفرّج على سبائك الفضّة وخواتم عتيقة وعقود ضخمة، تذكّرني أمي بمشاهداتنا لمثيلاتها في متاحف أخرى في رحلاتٍ قمنا بها معًا في مدن هذه البلد، حلب، حماه، الرقة،اللاذقية وجزيرتها أرواد، وكيف كانت تلبسها الملكات. وعلى أرض التكية المائلة نستريح قليلًا نتفرج على السجاد وعلب الصدف وقماش البروكار والداماس، نكمل مشوارنا المعتاد إلى قلعة دمشق أو الحميدية ومنها إلى الجامع الأموي والبزورية وقصر العظم ومكتب عنبر. وأقرر “سأدرس الجامعة في دمشق حين أكبر”، هذا كل ما أعرفه عن نفسي الآن، أنني ولسبب مجهول أريد دمشق، أريد أن أعيد هذا المشوار لآلاف المرات في حياتي.

نجحت في البكالوريا، وكان مرشحًا دخولي كلية الحقوق في حلب، لكنني تنازلت عن ذلك وباغتُّ  الجميع وكانت رغباتي تعتمد على أين تقع تلك الكليات، واخترت حصرًا دمشق حتى لو كان فرعًا لا يعرفه أحد.

الحقيقة اخترت فرع الآثار، المعهد تحديدًا رغم إمكانية دخولي الجامعة، وفقط لأنه في قلعة دمشق، حيث أكون قريبةً من أماكني الأحبّ، ومن هناك سأتوجه إلى المسارح ودور السينما والمكتبات، وأتعرف على عالم الثقافة الذي لطالما شعرت أنني أنتمي إليه، وزرت المتحف الوطني مرةً أخرى وأضحى التمثال البازلتي الضخم، الضخم جدًا أصغر، وأقرب إلى حجمي.

واكتشفت أن في الشام مكتباتٌ ضخمة، ومعاهد للفنون والموسيقى. وتخيلت لو كان مثلها في قريتي.

وتعرفت إلى أصدقاء كنا في نفس العمر حين حلمنا أن نصير عازفين وعازفات، رسامين ورسامات، ممثلين وممثلات، كاتبين وكاتبات. أهلي جرّبوا كل الطرق، وسجلوني في دورات موسيقية، ودورات رسم، ومحاولات مسرحية فقيرة، كلّ تلك المحاولات لم تكتمل. هم كانوا طلابًا وطالباتٍ في معهد صلحي الوادي للموسيقى، أو في معهد أدهم اسماعيل للفنون، أو في المسرح المدرسي. يداومون فيها أسبوعيًا يتجهزون ليسجلوا في المعهد العالي للموسيقى، أو في قسم التمثيل، أو في كلية الفنون الجميلة. وفي الشام مكتباتٌ ضخمة لإعارة الكتب، ومكتبات خاصة لشرائها. 

ومع ذلك وإلى أن خضت بعض الخطوات في هذا الدرب، فهمت كيف أن هذا القطاع العام الثقافي لم يكن يمتلك سياسةً ثقافية عامة بالمعنى الحقيقي، بل كان يمتلك سياسة رعاية ورقابة. كان يرعى بعض المثقفين، ويُقصي الآخرين، أي أنه لا يقصي أبناء الهوامش فقط. كان يُعرّف الثقافةَ السوريةَ من خلال ما يُنتجُ في عواصمِ البلاد، ويُهمّش كلَّ ما هو خارج هذا النطاق. إلا أن الوصول إلى هذا المنتج، أو إلى أن تكون أنت من يشارك في صناعته لم يكن أمرًا هيّنًا أبدًا. 

أبواب دمشق الثقيلة:

قضيت سنواتٍ طويلةً في دمشق أبحث عن الباب الذي عليّ أن أدقّه ليفتح لي عوالم هذا العالم الذي “عفتُ كلَّ الدنيا”و سعيت كثيرًا لأكون جزءًا منه، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة وهذا اللين، والأبواب لا تفتح بسهولة. ومرارًا ظل السؤال عالقًا داخل رأسي: هل كان القطاع العام فعلًا يهدف إلى نشر الوعي؟ 

وقد يكون جوابي -الشخصي جداً- هنا: “لا، لم يكن كذلك لم أشهد أنه سعى لنشر الوعي الذي أردت أن أختبره، ولولا المؤسسات البديلة لانفجر رأسي منذ زمن طويل، وأنا وآخرون نرى شبابَنا يضيع، قادمين من أماكن بعيدة، ولا نملك علاقاتٍ تمنحنا بابًا يُفتحُ لنعرّج على إحدى تلك الساحاتِ الداعمةِ لقصورنا الثقافي، والدافعة له ليتكوّن، ويتشكّل بحذرٍ وحب.

وهل كان القطاع العام يهدف للسيطرة والرقابة على معمل الثقافة؟ 

لا أمتلك جوابًا جاهزًا حول ذلك، لكنني أعتقد أن أبناء جيلي سيوافقونني حول وجودِ أسماءٍ في كل قطاع ثقافي كانت تملأ الفراغ لأسباب معروفة، أرى أنها تستحق عشرات الصفحات للحديث عن أسباب تصدّرها.

أتخيل نفسي لو لم أعش تجربتي وتتقاطع في الوقت والعناد مع ظاهرة خروج المنتج الثقافي من عباءة المؤسسة الرسمية، بسبب أن هذه الفجوة أدت إلى خلق مساحات ثقافية بديلة، كالمنتديات غير الرسمية وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر المنتدى الاجتماعي، أو المقاهي الثقافية التي زاد انتشارها بعد عام 2000. لكن حتى تلك المنتديات والمساحات البديلة لم تثق بسهولة بأي هاوٍ ليسمح له بالدخول، ما تطلّب مني وقتاً وجهدًا لإثبات ولائي وربما انصهاري مع الهويات الثقافية لمريديه ليصبح حضوري مقبولًا. 

وأخيرًا حضر الإنترنت، الذي سمح لأشحاصٍ مثلي بالوصول إلى المعرفة والإنتاج.

وهذا هو الأهم، أن هذا الجدار لم يستمر. ففي نهاية المطاف، خرج المنتج الثقافي من المؤسسة، ولم يعد حكرًا على القطاع العام، وأتاح لنا الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مساحةً للتعبير عن أنفسنا، وللبحث عن المعرفة. لم أعد أبحث عن كاتب لأقابله في قريتي، بل أستطيع اليوم أن أتواصل معه مباشرةً.

هذه التجربة ليست مجرد قصة شخصية. إنها قصة جيل كامل، نشأ على هوامش المشهد الثقافي الرسمي. 

هل حصل ذلك معي أنا وحسب؟ الجواب الأكيد هو لا. تقاطعت تجربتي مع تجارب العشرات ممن أعرفهم، واليوم ومن خلال “خزان” نطرح هذه التساؤلات ونحاول إعادة تعريف ما مررنا به، آملين عدم التكرار.

إنها قصةٌ عن فراغٍ تركته مؤسساتُ الدولة، فراغٌ ملأه الشبابُ بأنفسهم، عبر جهودٍ فرديةٍ ومساحاتٍ بديلة. 

وأعود وأنا أشارك أصدقاء آخرين هذا الهمَّ المشترك إلى بداية المثال، إلى الإعلانات الكثيرة التي تصلنا يوميًا عن حدث جماهيري ثقافي مركزي، شديد المركزية، في دمشق، في حلب.. وماذا عن “كفرنبل” على سبيل المثال؟ ماذا عن “بصرى الحرير”؟ ماذا عن “تفتناز”؟ “فيروزة”؟ “الصورة الكبرى”؟ ماذا عن ضيعتي؟ ألا يحق لي أن أتخيل طفولتي وأنا أشارك عائلتي كل ليلة أربعاء مثلًا نحضرُ حفلةَ العصر في مسرحِ القرية؟ تجلب لنا وزارةُ الثقافة فرقاً موسيقيةً عريقةً وبسعرٍ رمزيّ أو بالمجان نتشارك البهجةَ، ونعرّج على مكتبةٍ ضخمةٍ تزودنا بكل الكتب الممنوعة من النشر والمسموحة على مر الأزمان، لا أحد يقرر ما يجب علينا أن نقرأ، أو ما يتاح لنا لنعيشه في حيزنا الخاص والعام!

فماذا يعني أن نتخيل حاضرًا بلا قطاعٍ عام؟ أو لنعيد صياغةَ السؤال بطريقةٍ أكثرَ عدالةً: 

ماذا يعني أن نتخيل حاضراً لا يشكّلُ القطاعُ العامُ هويتَهُ بشكلٍ حتميّ؟ إنه يعني أن نتخيل قطاعًا آخر شريكاً في تأسيس وعيِ كلّ أبناء البلد، فضاءً ثقافيًا غير مركزي.. وأكثر حريةً، وأكثر إنصافًا، وأكثر قدرةً على استيعابِ كلّ أبناء سوريا، من المدينة والقرية على حدٍّ سواء.

________________