بين ساحات الثقافة الرسمية والشعبية والشعبوية والنخبوية, أين نحن؟

 هل ما زلنا نعرف أنفسنا وسط هذا الركام المتراكم فوق ذاكرة المدن وذاكرة الناس؟ هذا السؤال، الذي بدأ كتداعٍ شخصي، تحوّل مع السنوات إلى هاجس يرافقني كلما حاولت أن أتذكّر الأماكن التي كوّنتني وكوّنت من يشبهونني.

الهجرة ليست دائمًا عبورًا جغرافيًا، أحيانًا نغترب مرتين: عن المكان الذي جئنا منه، وعن المكان الذي نظن أننا وصلنا إليه. وما يحدث في مدننا يشبه هذا الاغتراب. صحيح أنّ “الوحش البيتوني” في سوريا لم يتمدّد شاقوليًا كما فعل في مدن أخرى، لكنه تمدّد أفقيًا داخل الذاكرة، وترك فجوة مؤلمة في سرديات الناس. فجوة تجعل السؤال يتكرر بلا توقف: “ماذا بقي منها اليوم؟”.

ذاكرة تمحى مع الأماكن:

كان يُفترض أن تكون الساحات فراغات مخصّصة للاجتماع، للقاء الإنسان بإنسانيته وبغيره. لكنّ معظمها تحوّل إلى عقد مواصلات أو مساحات مراقبة أو تجمعات مهمّشة، وفقدت وظيفتها الأصلية كفضاء عام. لذلك، لم أحاول يومًا أن أفهم المدينة كمبانٍ فقط. المدينة بالنسبة لي ذاكرة تنبض، وأرواح تتقاطع، وهواء يشبه الناس الذين مرّوا فيه. فالعمران، كما أراه، لا ينفصل عن الثقافة الشعبية، ولا عن تنوّع البشر الذين عاشوا فيه. بعد الاستقلال، بدأ التنوع الاجتماعي والسياسي في سوريا—ودمشق خصوصًا—يظهر بوضوح: رواد مقاهٍ بوجوه مسفوحة بالشمس، عمال بحقائب الجرائد والسجائر، طلاب جامعات، فنانين، أشخاص ببدلات رسمية وآخرين بملابس بسيطة… خليط بشري لا يفصل بينه سوى تفاوت الدخل، لكنّه يلتقي كلّه في الذاكرة.

لهذا، لم يكن فقدان الساحات والأماكن الشعبية مجرّد تغيّر عمراني، بل فراغًا تكرّر في قلوب الناس. وأنا شخصيًا عشت هذا الفراغ مؤلمًا حين فقدت التكية السليمانية بهويتها الشعبية الواسعة. كنتُ أهرب إليها في سنوات دراستي لأنني لم أنتمِ يومًا لتجمّعات الأثرياء. في التكية وجدتُ روحًا تجمع الغريب والمتديّن والفنان والحرفي والطفل والشيخ. كان المكان واسعًا للطهارة والفن والانعزال والصخب معًا. كتبت تحت شجر النارنج، ورسمت، وأطعمت القطط، واستمتعت بنقاشات تمتد من معبد جوبيتر حتى سقوط الأندلس. وهناك كان العم جورج والعم أحمد، كلٌ منهما يحكي حكاية الحرفة وكأنه يحكي رواية حياة كاملة.

كل هذا تبدّد عام 2023 بدعوى “الترميم”. أزيلت أجزاء أصيلة من البنية، ووضعت أساسات بيتونية شوهت النسيج التاريخي، وهُجّر الحرفيون، ومنع الناس من الدخول. لقد تحوّل الترميم إلى أداة لمحو ذاكرة.

مقاهينا وتبدلاتها:

ومن هنا بدأت أسأل نفسي: كيف واجهت الهوية الثقافية الرسمية الهوية الشعبية؟
تشكّلت الهوية الثقافية الرسمية في سوريا تدريجيًا منذ منتصف القرن العشرين مع وزارة الثقافة والمسارح ودور السينما. لكنها ركّزت على مؤسسات مغلقة، ولم تلتفت إلى الساحات العامة كفضاءات ثقافية. تحوّلت الساحات إلى نقاط حراسة وإدارة حركة، لا إلى ساحة للناس. كانت ساحتا الأمويين والمرجة مثالين على ذلك، إذ أصبحتا مركزًا لرقابة الاحتجاجات أكثر من كونهما ملتقىً عامًا.

في المقابل، حاولت بعض المقاهي لعب دور الفضاء الشعبي، مثل مقهى “هافانا” الذي كان منذ الستينيات ذاكرةً مفتوحة على كل فئات المدينة. لكن دوره تقلّص تدريجيًا لصالح الاستثمار التجاري، فاختفت هويته الثقافية لصالح هوية استهلاكية باهتة.

لم يبقَ اليوم سوى امتدادات صغيرة: الروضة، الكمال، مزبوطة.
لكلٍّ منها شخصيته وزواره. فالكمال كان الأقرب إلى الفنّانين وطلاب السينما نظرا لقربه من سينما الكندي وأسعاره المعقولة. ومزبوطة أصبح ملتقى شبابيًا ضيقًا نسبيًا، لكنه حافظ على شخصياته المميّزة مثل خالد خليفة، الذي كان يحضر المكان بطاقة تشبه الضوء رغم حزنه المدفون. أمّا الروضة فابتعد عنها الشباب بسبب تكلفتها، وبقيت فضاءً لذاكرة الجيل الأكبر، قبل أن تتحوّل هي الأخرى إلى مساحة استعراضية بعد سقوط النظام.

هنا يبرز سؤال جديد: هل كانت هذه المقاهي فعلًا شعبية؟ أم أنها مارست تراتبية خفيّة داخل الثقافة الشعبية نفسها؟ تبدو “ساحة الحجاز” ومقعاها، نموذجاً حياً لهذا الجدل، فالمحطة التي بُنيت عام 1917 جسّدت تلاقح الذاكرة والحداثة، وكانت جزءاً من مشروع “خط الحجاز” العثماني الرامي إلى دعم الحج وتعزيز الروابط داخل الإمبراطورية. صمّمها الإسباني “فرناندو دي أراندا Fernando de Aranda” بواجهتها الأندلسية الفريدة، مزيجاً من القوسية الغربية والنوافذ المتعددة مع لمسات زخرفية عثمانية، لتصبح مدخلاً جنوبياً لدمشق وعلامة عمرانية فارقة، تقع قرب المرجة والقنوات، وكانت قديماً جزء من خط يربط المدينة القديمة بمحيطها ولكن مع التوسع العمراني في نصف القرن العشرين تغير التخطيط العمراني بشكل كبير.

بِجوارِها أُنشئ مقهى الحجاز في الخمسينيات من القرن الماضي، جنوب البساتين الغربية لمدينة دمشق. ولم يكن ليخطر ببال أحد آنذاك أن بناء هذا المقهى سيكون لاحقاً نذير تحول كبير سيطال غوطة دمشق بأكملها. فسنوات قليلة بعد إنشائه كانت كافية لتحويل البساتين الخلفية للمنطقة إلى مكعبات إسمنتية سُميت “حي الفحامة” نسبة إلى صناعة الفحم التي انتشرت هناك، واتصل هذا الحي الحديث بدوره ببلدة كفرسوسة، ليصبح المقهى تدريجياً في قلب المدينة.

ورغم كل هذه التحولات، ظل مقهى الحجاز لزمن طويل ملتقى لرواد الثقافة والأدب، كما أصبحت ساحته مسرحاً لاحتجاجات 2011 التي رُفعت فيها شعارات الحرية والثورة لأول مرة، قبل أن تتلاشى مع بداية القمع الحكومي للمظاهرات.

ولكن الوضع اختلف اليوم، ففي عام 2025 أُزيل المقهى ويُبنى حالياً مكانه فندق ضخم يطغى عمرانياً على المحطة نفسها. وقد كان هذا القرار قراراً ورقيّاً صدر عام 2022، فعلى الرغم من الاستقرار النسبي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية – الذي أبقى المقهى محافظاً على وظيفته كحاضنة للطبقة المتوسطة ضمن مقاهي المدينة – إلا أن السكان ورواد المكان تفاجأوا بقرار استبدال المقهى بفندق ومجمع فاخر يضم أقساماً لا تشبه خصوصية المكان التاريخية. وللأسف، فباستبدال المقهى بالفندق، تم اختزال تاريخ المكان في واجهة حجرية فارغة، ومُسحت ذاكرة سبعين عاماً من حياته.

وبرغم صعوبة الموقف، لم تكن الصدمة بقدر ما جاء في البيان الذي أصدرته المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي – المعنية بإدارة المكان – لتبرر عمليات الهدم بعد احتجاجات السكان، والذي جاء حرفياً على الشكل التالي: “إن المقهى الموجود الذي تم وصفه بالتراثي والتاريخي، هو مجرد إشغال محدود لمقهى له طابع شعبي باسم من وحي المكان “الحجاز” ولا يوجد له أي تبعية تاريخية أو معالم عمرانية، أو هوية تراثية، وغير مصنف في قوائم التراث في دمشق بتاتاً، ومن ارتاده يعرفه كبناء وخدمة.”

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حتى الساحة قد فقدت بُعدها الاجتماعي، رغم محاولات الأفراد لإنعاشها بعد سقوط نظام الأسد، بالقيام بعدد من الاحتجاجات والوقفات فيها. ولكن للأسف، تحول الفراغ العام من فضاء فعال إلى فراغ مراقب بأعين الحكومات.

وإذا خرجنا قليلًا من دمشق نجد أن مخيم اليرموك كان حالة استثنائية، فقد شكّل مركزًا ثقافيًا نابضًا بفضل المبادرات المحلية والدولية. خلال الحصار (2013–2015)، تحوّلت الثقافة إلى فعل مقاومة، وكان الشباب يعزفون البيانو وسط القصف، كأن الفن آخر خيط يربطهم بالحياة. وبعد الدمار، بقي المخيم حيًا في أرشيف الذاكرة.

وفي حلب، كانت مقاهي القلعة حاضنة للجدل الفني والسياسي، ومهداً لقصائد كـ”أساطير يومية” لرياض صالح الحسين. أما في شرق البلاد، فحافظت الثقافة على طابعها الشفوي، تُروى في الأغاني على ضفاف النهر، حتى جاءت داعش لتحوّل القصائد إلى خطاب دموي غريب، لا يشبه السكان ولا النهر.

ومن كل ذلك، حاولتُ أن أخلق تجربتي البصرية بالكولاج، مستخدمة الخط العربي والسرياني والكردي والأرمني كعناصر شعورية تُعيد رسم أرواح المدن. فالخط بالنسبة لي ليس حروفًا؛ إنه صوت المكان.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل مثّلت الهوية الثقافية الرسمية ما يشبهنا؟ وهل كانت الثقافة الشعبية فعلًا للجميع؟ وماذا بقي من الساحات والمقاهي والذكريات؟ وهل يمكن للفن والذاكرة أن يعيدا إحياء ما مُحي؟