لم أكن درزياً يوماً. وُلدت كذلك. لكن الولادة ليست وعداً، ولا قدراً. كانت خانة فارغة مُلئت دون استشارتي، كما مُلئت لاحقاً خانات الدين، والجنسية، وحتى اللغة. لم أكن أبحث عن تمرّد، كنت أبحث عن معنى. ولم أجد في الطائفة ما أتمرد عليه. وجدت صمتاً لا يجيب، وشكلاً لا يسعني. لم أجد في الإيمان ما يغويني. لا لأنه شرّ، ولا لأنه طمأنينة زائفة. لم أعرف يوماً كيف أُسلّم دون أن أسأل: لماذا؟ كيف؟ من؟ وماذا بعد؟
مشكلتي لم تكن مع الفكرة، كانت مع الطاعة. مع أن يُقال لك إن هذا هو الطريق الوحيد، وإن السؤال انحراف لا بحث. حين يُطلب منك أن تؤمن أولاً لتفهم لاحقاً، يصبح الفهم نفسه متهماً. وأنا، ببساطة، لا أُجيد التأجيل حين يتعلق الأمر بالمعنى.
ولدت في بيت لا يُشبه الطائفة. لا تُعلّق فيه صور الزعماء الروحيين، فقط خريطة فلسطين، ولا يُقسم على المصحف. بيت يُراكم الوعي كأنه حصن ضد التوريث. نشأت على أصوات الثوار، على الشيخ إمام ومارسيل خليفة وفرقة العاشقين. تربيت على النقاش، لا على الطاعة. وحين قيل لي إن الدين هو الملجأ، كنت قد رأيت أن الحرية وحدها تصلح للجوء.
لم تكن السويداء مسقط رأسي الحقيقي. ولادتي كانت في المخيم، حيث لا أحد يُسأل عن طائفته، وحيث الخوف لغة موحّدة لا تحتاج إلى ترجمة. هناك، في زوايا المخيم، تَشكّلت علاقتي الأولى مع العالم. لا بصيغة “مَن أنا؟” لكن بصيغة “مَن بجانبي؟”. لم نكن نُسمّي بعضنا، كنا نُسند بعضنا. لم نكن جماعات، كنا طوابير خبز وماء وصمت. في اليرموك، كانت التجربة تُعلّمك أن تنتمي إلى من يجوع معك، لا إلى من يُصلّي معك.
وحين بدأت أتلمّس نفسي، وجدتني أقرب إلى الإلحاد من أي إيمان موروث. كان الله كبيراً جداً على أن يُختصر في طائفة، صارماً جداً على أن يُدار بصوت شيخ أو قس. اخترت ألا أؤمن، لا رغبة في الهدم، وإنما لرغبة أعمق: أن أُعيد بناء صوتي دون وسائط. أن أكون كائناً حراً، لا رقماً في تعداد أبناء الطائفة. عرفت باكراً أن الثمن سيكون العزلة.
لم أفهم يوماً لماذا يُفترض بي أن أُجيب عن مواقف السويداء. لماذا أحمل جغرافيتي كهوية، وأُملي رأيي وفق ما يُنتظر من أبنائها. لم أفهم لماذا تُصبح الطائفة مرآة تُطلب منك الشهادة أمامها، في كل مرة يشتدّ فيها الضجيج. كلما اهتزّ الجبل، اتجهت الأنظار نحوي: ما رأيك؟ كأنني المتحدث الرسمي باسم الاسم العائلي، كأنني الوحيد الذي لا يُسمح له بالصمت.
لكنني لا أمثّل. لا السويداء، ولا المخيم، ولا الثورة. لا أكتب عن أحد، أكتب من مكانٍ بين الجميع وخارجهم. من ذلك الحيّز المتروك للذين لا يشبهون الطائفة، ولا يعادونها. الذين لا يرثون ولا يورّثون. لا تُنشر صورهم في مواكب الجماعة، ولا يُرفرف اسمهم على رايات الانتصار الهويّاتي.
حين اندلعت الثورة، عرفت أنني بلا غطاء. لا طائفة تحميني، لا حزب يتبنّاني، لا فصيل يُهدي صورتي إلى الجموع. كتبت من فراغٍ شديد، من هشاشة لا تُترجم إلى موقف. من إدراك أن ما يُبنى على الدم الهويّاتي سيتحوّل إلى سجن. من يطلب منك أن تمثّل لا يريد صوتك، يريد استخدامك كعدد.
في بلادٍ تُدار بالهوية، يُصبح الصمت تهمة، والانفراد ارتياباً، والحياد خيانة. ويُصبح من لا يُشبه أحداً مشروع خطر دائم. نحن الذين لا نحمل خطاباً جاهزاً، ولا نُجيد أناشيد الجماعة، نُعامل كشوائب في النسيج الاجتماعي. لا نُقصى لأننا نعارض، فقط لأننا لا ننتمي. لا نؤذي أحداً، لكننا نُربك الجميع.
وربما لهذا أكتب. لا أكتب لأقنع، أكتب لأترك ندبة. لأقول إن بين الانتماء والقطيعة، بين الطائفة كذاكرة والطائفة كأداة، هناك فراغ واسع يسكنه أناس لا يعرفهم الإعلام، ولا يذكرهم التاريخ. أناس لا تعنيهم الرايات، ولا تُقنعهم السرديات الكبرى. لا يُقيمون في الحشود، ولا يُشبهون الملصقات. أناسٌ آمنوا أن الفرد أغلى من الجماعة، وأن الموقف لا يُملى من فوق، بل يُصاغ في أعماق الذات.
كيف أشرح لك هذا دون أن يبدو شعوراً خاصاً أو موقفاً عابراً؟ حين أنظر إلى وجه ميرا ثابت، لا أراها علوية. أراها امرأة سقطت لأنها خرجت من السطر، لأن جسدها لم ينضبط مع المرويات. لا أراها ضحية طائفة، بل ضحية مجتمع لا يحمي من لا يلتزم بقواعده. مجتمع يعرف جيداً كيف يعاقب الخارجين: بالصمت، بالتحريض، أو بالذبح.
وحين أرى طلاب السويداء يهربون من جامعاتهم، لا أراهم دروزاً. أراهم شبّاناً خائفين، يتراكضون في دولة لا تراهم، وطائفة لا تقدر على حمايتهم. لا يحملون سلاحاً، لا يرفعون راية، ولا يطلبون شيئاً سوى أن يُتركوا وشأنهم. فقط وجوههم المرتبكة، وجلهم أمام الخراب، ما يجعلهم يشبهونني.
في تلك اللحظات، أفهم دون تنظير، دون فلسفة، أن الوطن ليس من يشبهك، بل من لا يطلب منك أن تتطابق معه. ليس الجبل، ولا المخيم، ولا اسم الطائفة على الهوية. الوطن هو تلك اللحظة التي تُغمض فيها عينيك وتهمس: “أنا لا أمثّل أحداً، لكنني أرفض القتل، ولو لم يكن من حصتي”.
أنا لا أُشبه أحداً بما يكفي لأمثّله. لا أريد أن أكون حصة طائفة، ولا رمز جغرافيا، ولا رقماً في إحصاء تمثيلي. أكتب لأنني نجوت من الهندسة الاجتماعية. لأنني لم أُصبغ بلون العائلة، ولا شُكّلت على مقياس الجماعة. أكتب لأنني اخترت، لأنني خرجت، لا لأنني أُخرجت. ولهذا فقط، أنا أكتب.
وفي بلادٍ كهذه، لا يُقاس الانتماء بالمحبة، يُقاس بالانضباط. لا تُسأل إن كنت تؤمن، بل إن كنت تُطيع. من يخرج يُسمّى خائناً، لا لأنّه خان، لكن لأن الخروج يُربك البنية. لأن الكائن الحرّ لا يدخل بسهولة في المعادلات. لكن الخروج، في هذه الأرض التي تُحكم بالوراثة، ليس نكراناً. هو النجاة الأخيرة من موت جماعي يُباع على هيئة هوية.
الخروج هنا ليس تمرّداً. هو فعل بقاء. رفض الطائفة لا يعني خيانة الأهل. يعني إنقاذهم من أن يُختصروا في ذراع سياسية أو راية دموية.
الخروج، من هذا الركام، ليس خيانة. هو ولادة ثانية، دون قابلة، دون دولة، دون طائفة. أن تولد واقفاً، عارياً، مسؤولاً عن نفسك وحدك. أن تكتب، لا لأنك تُجيد الكتابة، بل لأنك لم تعد تملك سواها لتمنع انزلاقك في القطيع.
في بلاد كهذه، الخروج هو المعنى الوحيد الذي يمكن البدء منه.

