Author: زيد صحناوي

  • المسرح السوري بين حرية التعبير وحرية الممارسة

    المسرح السوري بين حرية التعبير وحرية الممارسة

    لو عدنا قليلاً إلى الوراء، حوالي عشر سنوات تقريباً، وإن كان يمكنك كغريب أن تمشي في شوارع دمشق، تحديداً هنا شارع 29 أيار ومنطقة ساحة المحافظة، قد تتساءل:  أين هي الحرب من هذا المشهد العادي أو الأكثر من عادي؟  وسيزداد تساؤلك إن كنت من محبّي المسرح وترغب في مشاهدة عرضٍ مسرحي، فبرامج المسارح في تلك المنطقة لم تكن تتوقف على مدار العام. بعض تلك العروض كانت تستقطب أعدادًا كبيرة من الناس، بحيث لا يمكنك أن تشاهدها دون حجز مسبق، كما حدث معي ذات مرة. وربما إن أتيح لك أن تحضر إحداها، قد لا تجد شيئاً عن السؤال الذي خطر ببالك في البداية، وقد تجد شيئاً، إلى حدٍّ ما، كأن يتم تناول موضوعة الحرب بأكثر الطرق رمزية، وفي الحالتين ستكون قد غُيِّبت تماماً إن كنت غير مطلع على معطيات الواقع السوري.

     المشهد الثقافي العام آنذاك كان يعكس حيوية الحركة المسرحية ضمن مؤسسات الدولة في ذلك الوقت، وحتى بعد سقوط النظام ما تزال الآلية نفسها قائمة، ولو كانت أقل زخماً، إذ يمكنك في ظل السلطة الحالية أن ترى عرضاً مسرحياً أو حفلاً موسيقياً في دار الأوبرا دون أن تشعر بالكثير من الفرق عن شكل الحركة الفنية في العاصمة قبل سقوط النظام، وكلا المشهدين سيكونان صالحين كمادة للإعلام الرسمي للسلطة، سواء في ذلك الوقت أو هذا. وإذا أردنا أن نفسر قليلاً للغريب نفسه ما يحدث، سنحاول أن نتابع دور المؤسسة في هذه العملية، ومن ثم خيارات الفاعل الثقافي.

    في البدء، لا بد من فهم مركزية الثقافة في تكريس هيمنة المؤسسات، إذ إن نظام الحزب الواحد أخذ يطبع البلد بطابعه حتى كاد المسرح السوري من لون واحد، وتمّ تركيز الإنتاج الثقافي والفاعلية الثقافية في العاصمة والمدن الكبرى، وأعقب ذلك تكريس نوع من المسرح النخبوي المرتبط بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتجاهل أغلب التجارب والنتاجات الأخرى وتهميشها، مثل التراجع الملحوظ لدور المسرح الجامعي، الذي جعل الحركة المسرحية تفقد الكثير من تنوعها.

     لاحقاً خلال الحرب، بسبب الوضع الأمني، بدأ تراجع نشاط الفرق المسرحية، وكذلك خيارات العرض المسرحي في الشارع أو في المكان البديل، وبالتالي زادت هيمنة المؤسسة التي وضعت حتى ذلك المسرح النخبوي ضمن قالب من الحريات لا يمكن الخروج عنه. وبذلك حدث للمسرح السوري ما يحدث في تجربة الجندب الذي يوضع في علبة، فبعد فترة ستجد أن حدود قفزته أصبحت في حدود تلك العلبة التي حُشر فيها. ورغم ظهور التمويل المستقل لم يتمكن المسرح من تجاوز تلك القفزة، ولا سيما أنه بقي محصوراً ضمن خيارات المؤسسة كمكان للعرض. وهكذا بقي المسرح يراوح ضمن الحدود المرسومة له، وضمن إطار تتكرر فيه نفس الوجوه، إذ يُشاع في سوريا أن جمهور المسرح هو نفسه إلى درجة كبيرة، فإن أكمل ذلك الغريب جولته المسرحية ستتكرر أمامه الكثير من الوجوه. 

    وهكذا كان للمسرح حرية الممارسة لكنه يفتقد حرية التعبير، وهذا ما كان من المفترض أن يتغير بعد سقوط النظام. ولقد تمكنت العروض المسرحية خلال العقدين الماضيين من لعب بعض الأدوار الجيدة المرتبطة بالثقافة والجماليات وبعض النقد، لكن المؤسسة تمكنت من ضبط ذلك وإبقائه محصوراً ضمن أوساط وقوالب ضيقة، تحول دون وصوله إلى الشارع بسبب ذلك التقييد، أو دون أن يحدث هزة في المجتمع، كما حدث مع أعلام المسرح السوري من أبي خليل القباني حتى سعد الله ونوس وممدوح عدوان. ومع ذلك استمر الكثير من المسرحيين بتقديم عروض تتراوح بين البروباغندا الخالصة والمقاومة الرمزية، ما جعل تلك العروض توحي إلى درجة كبيرة بحيوية الحركة الثقافية في ظل نظام قمعي. ولتجاوز هذا التضليل كان من الأفضل لكثير منهم ألا يعمل، إن لم نضع في حسابنا بعض الاعتبارات أو المبررات، مثل الوضع المعيشي الذي وضع الكثيرين أمام خيارات صعبة، فلم يعد يفكر بجدوى هذا العمل أو ربما لا يهمه، طالما أنه يستمر بممارسة مهنته في المسرح، والحفاظ على هذا التقليد كشكل ضروري من الثقافة، حتى لو كانت ضمن قواعد صارمة، جعلت الكثير من العروض المسرحية لا تقرب السياق السوري سوى في لمحات خجولة.

    أما اليوم، بعد سقوط النظام، فيبدو أن الموضوع مختلف بالنسبة للثقافة بشكل عام، فلم تعد المشكلة تتوقف عند حرية التعبير، بل تحولت إلى شكل أكثر بدائية ووحشية يرتبط بحرية الممارسة، في ظل قواعد تعسفية من قبل سلطة متشددة، مثل منع الموديل العاري في كلية الفنون، وتخفيض حصص الرسم والموسيقا في المدارس، مقابل زيادة حصص التربية الدينية، وكذلك إغلاق دور السينما، وقد نجد غير ذلك الكثير. لكن هذه السلطة الجديدة يهمها أيضاً أن تحافظ على العاصمة في أقل حالة من التوتر، ففي حين تجتاح المجازر كل أطراف سوريا، يخيم على دمشق الباهتة وريفها هدوءٌ تشوبه حوادث وانتهاكات متفرقة، لكن يمكنك أن تذهب لتشاهد عرضاً مسرحياً أو موسيقياً في دار الأوبرا، ربما سيحاول أن يمارس دوره الثقافي، لكنه أيضاً سيعكس، من خلال وجوده في مؤسسة، حيوية الحركة الثقافية في ظل حكومة انتقالية قائمة على فكر ميليشياوي، تحاول أن تمارس سلطة دولة وتدير مؤسساتها، كما تحاول الحفاظ على صورة العاصمة أمام العالم على أنها آمنة ومستقرة، وبعيدة عن الانتهاكات التي تملأ صفحات الأخبار.

     ولذلك، من هذه الناحية، يبدو أن مسرحيي الداخل ما زالوا يمارسون أدوارهم نفسها، وإن أرادوا الاستمرار بهذه الأدوار، فالأفضل أن يحاولوا الخروج بها على الأقل من المؤسسة إلى الشارع. وقد تكون هذه الحركة كافية نسبياً، على الأخص بعد النكوص العام في الحالة المدنية، إذ سادت في شوارع دمشق، لفترة، أشكال الفرجة التي تقوم على العنف والعقوبة. وقد كنت شاهداً على أحدها، وقد صنع تريند لفترة من الزمن، عندما قام عنصران من الهيئة بضرب رجل وسحبه بين الناس في سوق الحميدية، وهو يصيح على الملأ بتهمته، إذ إنه تحرش بفتاة لفظياً. وغير ذلك الكثير من حلاقة الشعر، وملاحقة المتحولين جنسياً ووصمهم بالعار بشكل فضائحي يعمد إلى إذلال الآخر “الضحية” علناً للانتقاص من إنسانيته. فضلاً عن من كان من المفترض أن يكونوا مثقفين، وتحولوا إلى متشددين أو شبيحة جدد. وقد حدث مع صديق لي كان يدرس الموسيقى للأطفال في الغوطة أن تهجّم شخص عليه وحاول أن يكسر له العود، فتم إجبارهم على أن يحولوا النشاط إلى مكان داخلي، تحاشياً للصدام مع الناس، لأن الموسيقى حرام. وهذا يشبه ما تقوم به المؤسسة في حالة المسرح، إذ تبقيه في نفس العلبة ولدى نفس الجمهور، ليمارس بذلك أدواراً تقليدية عادية، لكنها قد تخدم السلطة أيضاً من حيث لا تدري.

    على تلك الشاكلة، بعد حوالي السنة من سقوط النظام، بدأت ترتسم ملامح المشهد الثقافي والمسرحي في الداخل السوري، لكن أيضاً من خلال العاصمة، وعلى الأغلب من خلال نفس المسرحيين، أو على الأقل من نفس الفئات السابقة التي شكلت حركة المسرح السوري في الداخل خلال الفترات الماضية. وقد يضاف إليها أو ينقصها بعض الوجوه التي اعتادت أن تمارس نفس الأدوار. وربما ليس لدينا نماذج كافية لكي نحكم، لكن العروض في مؤسسات الدولة لم تتوقف، حتى في ظل الإضراب الذي شهدته المؤسسات التعليمية، ومنها المعهد المسرحي الذي تقام فيه بعض تلك العروض أو بقربه في دار الأوبرا، دون التعامل الجدي مع الواقع السوري، وكأن شيئاً لم يكن، أو كأنها ليست معنية بكل ما يحدث. فهل لنا، على الأقل، أن نأمل بأن يطرح الفاعل الثقافي على نفسه بعض الأسئلة، ويعيد النظر إلى تجاربه السابقة ودوره في الفضاء العام، علَّ ذلك الغريب، إن مشى في شوارع دمشق مجدداً، أن يشعر ببعض التغيير؟