Author: تيما شريط

  • ثقافة تحت الوصاية

    ثقافة تحت الوصاية

    تعرفت على “الثقافة” في طابور الصباح، وليس بين دفتي كتاب.

    سمعت كلمة “بعث” لأول مرة وأنا أرتدي مريول المدرسة الزهري، ألوّح بالعلم وأردّد الأناشيد التي لا أفهمها بعد: “بالروح بالدم نفديك يا بشار”. لم يكن أحد يشرح لنا معنى الفداء أو الانتماء، لكنّنا كنّا نغني من القلب، لأن الفرح كان مشروطًا بالإيقاع، والابتسامةُ جزءًا من الانضباط.

    عندما أبديت عن رغبتي بتعلم العزف على أداة موسيقية جديدة، فكان الترومبيت يلوح لي من الأفق، وأوّل مقطوعةٍ حفظتها كانت : “دو دو سي سي لا لا .. للبعث يا طلائع”.

    في سوريا يبدأ الطفل مسيرته الثقافية على خشبة المسرح قبل أن يتعلم القراءة؛ لم يكن المسرح المدرسيّ مساحةً للعب أو الخيال كما يُفترض، بل طقسًا سياسيًا صغيرًا يُدرَّب فيه الجسد على الطاعة قبل إدراك العقل معنى الطاعة. يبدأ كلّ مشهدٍ بالتحية للرئيس وينتهي بالنشيد الوطني. كانت الموسيقى تصدح بصوتٍ واحدٍ عالٍ، صوت الجماعة، فيما يُمنع أي صوت فردي من أن يعلو. لم يكن المعلّم يوجّهنا إلى التعبير، بل إلى الالتزام، إلى “التمثيل الصحيح”، أي أن نحرك أيدينا معًا، ونبتسم معًا، ونصفق معًا.

    أذكر أوّل مسرحية شاركت فيها في الصف الرابع، أؤدي دور طفلة تحلم بأن تكون “طلائعية مثالية”. لم أكن أعرف ما هي الطلائع أصلًا، لكن التصفيق الذي حصدته بعد العرض جعلني أؤمن أن الطريق إلى الإعجاب يمر عبر ترديد الشعارات. كان ذلك المسرح الصغير في باحة المدرسة صورة مصغّرة عن الوطن الكبير: كل شيء مراقب، من اختيار الأدوار إلى النصوص إلى الأزياء. كانت المعلمة تراجع الكلمات سطرًا بسطر لتتأكد أن لا جملةً يُحتمل فهمها “بشكل خاطئ”.

    مضت السنوات، ولم يتغير شيءٌ سوى الأزياء، في الإعدادية أصبحنا نرتدي الكحلي والزهري، نسبل أيدينا أثناء النشيد بانتظامٍ عسكريٍّ يكاد يكون مقدسًا. المسرح المدرسي تحوّل إلى استعراضٍ دائمٍ للولاء. من يريد أن يُكافأ في نهاية العام عليه أن يشارك في “الاحتفال الوطني”، لا أن يكتب نصًا جيدًا أو يعزف مقطوعة موسيقية. حتى الرقص الشعبي كان يحمل هدفًا سياسيًا: أن نكون “يدًا واحدة في حب القائد”.

    بهذا الشكل، كانت الثقافة عندنا تُزرع لتؤطّر. لا وجود للمبادرة الفردية أو للخطأ الجميل، بل فقط للإيقاع الصحيح والانضباط الجماعي. كان تدريبًا مبكرًا على الظهور كما تريد السلطة أن نبدو. كنا نُعلَّم كيف نقف، كيف نلوّح، كيف نرفع الصوت، لا كيف نفكر.

    في المرحلة الثانوية، تسلّل التعب إلى المشهد. كبرنا قليلًا وبدأنا نفهم أن وراء الأناشيد وجهًا واحدًا لا يتغير. كنا نضحك سرًا على نصوص المسرحيات التي تُمجّد “المنجزات الوطنية”، لكننا كنا نؤديها بحماسٍ مصطنع، لأن الاعتذار عن المشاركة لم يكن خيارًا. كانت المدرسة بأكملها نسخة مصغرة عن الدولة: رقابة من الأعلى، ومواسم احتفالات تُفرض من دون نقاش، وملفات توثق من غاب أو رفض المشاركة.

    وحين دخلت الجامعة، ظننت أني سأخرج أخيرًا من تلك الدائرة المغلقة. لكن “مادة الثقافة” كانت بانتظاري في أول فصل دراسي، لتذكّرني أن الوصاية لا تنتهي بالتخرج من المدرسة. كانت المادة إلزامية، لا تشبه مواد الفلسفة أو الأدب أو الفكر، بل أقرب إلى كراس دعائي تمت إعادة تغليفه بعنوانٍ يبدو جذابًا: “الثقافة”. يبدأ أستاذ المادة المحاضرة بحديثٍ طويل عن “الحركة التصحيحية”، وعن “القيادة التاريخية التي حافظت على ثوابت الأمة”. كنا نكتب هذه العبارات في دفاترنا كما هي، لأن الامتحان لا يسأل عن الفهم، بل عن الحفظ.

    كان السؤال الحقيقي بالنسبة لي آنذاك: متى تتحول الثقافة من درسٍ إلى تجربة؟ من شعار إلى معرفة؟

    كنت أبحث عن الكتب التي تتحدث عن الحرية أو النقد أو الفن المستقل، لكن أغلبها لم يكن متاحًا في المكتبات الجامعية. كانت رفوفها متخمة بكتب عن “التراث القومي”، “الاقتصاد الاشتراكي”، “التحولات الاجتماعية في ظل القائد”، فيما غابت عنها الكتب التي تفتح الأسئلة. حتى في فضاء الجامعة الذي يُفترض أنه مفتوح، بقيت الثقافة محروسة بحذر شديد، كأنها طفل يجب ألّا يخرج من المنزل.

    شيئًا فشيئًا، بدأت أفهم أن “الثقافة الرسمية” لم تكن تسعى لتكوين وعي، بل لإدامة وعيٍ معين، وعيٍ مروضٍ لا يتساءل. فحين يُعاد إنتاج نفس الطقوس من الطفولة حتى الجامعة، تصبح الرقابة غير مرئية، لأنها تسكن داخلنا. الخوف يصبح جزءًا من عملية التفكير ذاتها، كما تقول بثينة العيسى في أحد كتبها: “إن أخطر ما في الرقابة أنها تجعل الكاتب يراقب نفسه بنفسه”.

    في تلك السنوات، كنت أشاهد كيف تتكرر المشاهد: المسرح، النشيد، الكلمات الممجّدة، الشعارات التي لا تتغير. حتى حين بدأت بعض الجامعات الخاصة تُدخل فعاليات فنية “مستقلة”، كانت الرقابة تتسلل في الكواليس. إذ لا يمكن لأي عرض أن يُقدَّم قبل المرور على “المكتب الوطني” أو “الجهات المختصة”، وكأنّ الفن لا يكتمل إلا بختمٍ رسمي.

    إنها الوصاية نفسها، فقط غيّرت شكلها. لم تعد ترفع صور القائد على الجدران، لكنها بقيت ترفع صوته في المناهج. بقيت تتحكم في ما يُقال وما لا يُقال، في المسرح كما في المحاضرة، في النشيد كما في النص.

    ربما لهذا السبب، أعود اليوم بذاكرتي إلى تلك الطوابير والمسرحيات المدرسية، فلا أرى فيها مجرد ذكريات بريئة. أراها البذور الأولى لوصايةٍ طويلة على الخيال السوري. تعلمنا منذ الصغر أن الثقافة ليست حقًا، بل امتيازًا تمنحه الدولة لمن يلتزم بشروطها. تعلمنا أن الغناء الجماعي أجمل من الصوت المنفرد، وأن السؤال خطر إذا لم يكن له جواب جاهز.

    لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هذه التجربة الجماعية صنعت فينا حسًّا آخر، حسًّا بالرفض الصامت، بالبحث عن متنفسٍ خارج النص المفروض. فكثيرٌ ممّن تربّوا على تلك الطقوس، صاروا لاحقًا كتّابًا ومسرحيين وفنانين مستقلين، كأنّ القمع الطويل خلق رغبةً موازية في الحرية. ربما كانت تلك المفارقة الأكثر قسوة وجمالًا في آن: أن الدولة التي أرادت أن تحتكر الثقافة، أنجبت دون أن تدري جيلًا يبحث عنها خارج أسوارها.

    اليوم، بعد أن تجاوزت السادسة والعشرين، أعود لأسأل نفسي: كيف يمكن أن نحرّر المسرح من ذاكرة الطاعة؟ كيف يمكن لمادة “الثقافة” أن تتحول من أداة دعاية إلى مساحة للتفكير؟ ربما يبدأ الطريق من الاعتراف بأن ما عشناه لم يكن طبيعيًا، وأن الفرح لا يُفرض بالنشيد، ولا الحب بالتصفيق الجماعي.

    الثقافة الحقيقية لا تُلقَّن في طابور الصباح، بل تُكتسب حين يجرؤ أحدنا على السؤال.

    وحتى يحدث ذلك، ستبقى ثقافتنا كما كانت منذ طفولتنا تحت الوصاية، تنتظر أن يخرج صوتٌ واحد من الجوقة ليقول أخيرًا: “دو دو سي سي لا لا لا… لكن مع كلمات أخرى.”.

  • من تقديس الأسد إلى تقديس السلطة

    من تقديس الأسد إلى تقديس السلطة

    خلال عملي كمدرّسة للتربية الرياضية في إحدى المدارس الحكومية، طُلب منا تدريب التلاميذ على أداء فقرات استعراضية ضمن احتفالات تنسيبهم إلى منظمة طلائع البعث. لم تكن هذه الفقرات مجرد أنشطة مدرسية عادية، بل كانت جزءًا من عملية منهجية تهدف إلى غرس الولاء في نفوس الأطفال منذ سن مبكرة، عبر ترديد الأغاني والشعارات الوطنية التي كانت في جوهرها تمجيدًا لشخص الرئيس لا للوطن.

    كنت أراقب تلك المشاهد بعين قلقة. الأطفال كانوا يشاركون بفرح تلقائي، يلوّحون ويهتفون وهم يرقصون بحماسة. لكن خلف هذه البراءة، كنت أرى كيف يُعاد إنتاج الولاء، كيف يُساق جيلٌ كامل إلى تبنّي رموز دون أن يُمنح فرصة السؤال عن معناها. كان ذلك الشعور بالغصة هو ما دفعني، لاحقًا، إلى عدم تجديد عقدي في التدريس. لم أعد أحتمل أن أكون جزءًا من منظومة تُكرّس التبعية في ذهن طفل لم يبدأ بعد بطرح أسئلته الكبرى.

    السلطة والثقافة المتأصلة

    لم يكن تمجيد الحاكم في سوريا مجرد أداة سياسية عابرة، بل تحوّل على مدى عقود إلى نمط ثقافي عميق، تم ترسيخه في وعي الأفراد منذ حكم حافظ الأسد، وتضاعف حضوره مع بشار. هذه الظاهرة لم تقتصر على مؤسسات الدولة، بل تمددت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات حب “الرئيس” يُعرض كمرادف لحب الوطن، في سردية أُنتجت عبر الإعلام، والمناهج، والشعارات.

    لكن ما بدا لسنوات وكأنه ولاء طوعي، كان في كثير من الأحيان نتاجًا لحالة مركّبة من الخوف والتعوّد وانعدام البدائل. فعلى مدى أكثر من خمسين عامًا، تماهت صورة الدولة مع صورة الرئيس. الشعارات مثل “الأسد أو لا أحد” أو “الله، سورية، بشار وبس” لم تكن مجرد هتافات، بل تعبيرًا عن حالة ذهنية أُنتجت ببطء، واستقرت في وعي شرائح مختلفة من المجتمع.

    ما يُثير القلق اليوم هو أن هذه البنية الذهنية لم تتفكك بعد، رغم كل ما شهدته البلاد. حتى بعد الثورة، وحتى مع تراجع رمزية الأسد، بقيت الحاجة إلى “قائد” تتكرر بصور مختلفة. وربما كان هذا التكرار دليلاً على أن المشكلة لم تكن فقط في شخص الرئيس، بل في نموذج السلطة الذي ترسّخ، وفي استعداد جزء من المجتمع، بفعل التراكم، لتقبل فكرة الزعيم كضامنٍ للنجاة، لا كموظف خاضع للمساءلة.

    هنا، قد يبدو الحكم قاسيًا إن فُصل عن سياقه. فالمجتمع السوري، مثل كثير من المجتمعات التي عاشت طويلاً تحت الاستبداد، لم تتح له فرصة واسعة لتجربة أنماط أخرى من السلطة. ومن الظلم اختزال تفاعلاته في صيغة واحدة، أو التحدث عنه ككتلة متجانسة. لكن من المهم التوقف عند هذه المؤشرات، لا لإدانة الناس، بل لفهم ما ورثوه، وما قد يكون مطلوبًا لتجاوزه.

    بعد الثورة لم يسقط التقديس، بل أُعيد إنتاجه

    حين اندلعت الثورة السورية، حمل كثير من السوريين آمالًا واسعة بتفكيك منظومة الاستبداد التي تجذّرت لعقود. بدا، في لحظات كثيرة، أن زمن الزعيم الفرد قد ولّى، وأن الناس على وشك إعادة تعريف علاقتهم بالسلطة والدولة. لكن الواقع سرعان ما كشف عن تعقيدات أعمق: لم يكن الاستبداد مجرّد بنية أمنية، بل ثقافة راسخة يصعب اقتلاعها بين عشية وضحاها.

    في مراحل لاحقة من الثورة، ظهرت مؤشرات على إعادة إنتاج نمط الولاء نفسه، ولكن بأسماء جديدة. ومع تغيّر الشخصيات السياسية، بقيت بعض الجماهير تتعامل مع رموز السلطة الانتقالية أو المعارضة كما لو كانت تجسيدًا لفكرة “المنقذ”، أو “القائد الضرورة”. وقد رُصدت شعارات تمجّد أسماء معينة بنفس اللغة العاطفية التي وُجّهت للأسد سابقًا، في مفارقة بدت صادمة للكثيرين.

    لكن من الضروري ألا يُفهم ذلك كتكرار مباشر للولاء السابق، بل كدلالة على هشاشة البنية السياسية البديلة، وافتقار الناس لمرجعية مؤسساتية واضحة يمكن الاتكاء عليها. فحين يغيب الإطار القانوني والضامن، يُعاد تلقائيًا إحياء الحاجة إلى وجهٍ قويّ يبدو قادرًا على حفظ التوازن، حتى لو مؤقتًا.

    وربما في هذا يكمن جوهر الأزمة: أن السوريين لم يثوروا فقط ضد حاكم مستبد، بل ضد منظومة فكرية تُقدّس السلطة ذاتها. ومع غياب البنية السياسية البديلة، وانعدام الممارسة الديمقراطية التاريخية، ظلّت الحاجة إلى “زعيم” أقوى من فكرة الدولة، وأقرب إلى فكرة الأمان.

    من هنا، يمكن فهم هذا الميل لا كخيانة لقيم الثورة، بل كنتيجة لفراغ سياسي ونفسي هائل، ترك ملايين الناس في مواجهة سؤال معقّد: إذا لم يكن الأسد، فمن؟ وإذا لم تكن الدولة، فبماذا نستعيض عنها؟ وحتى اليوم، لم تُحسم الإجابة.

    الإعلام والسيطرة على العقول

    لم يكن الإعلام السوري مجرّد وسيلة إخبارية، بل أداة أساسية لصياغة الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج علاقة الناس بالسلطة. فبدلاً من أن يكون فضاءً للحوار أو المساءلة، تم تحويله إلى منبر يروّج لفكرة الزعيم كركيزة لا غنى عنها لاستقرار البلاد.

    لسنوات، ظل التلفزيون الرسمي، والصحف، وحتى المناهج التعليمية، تكرّس صورة الأسد كحامٍ أوحد للوطن. لم يكن ذلك يتم عبر تمجيد مباشر فحسب، بل من خلال إلغاء البدائل تمامًا. لم يُترك للمجتمع مجال لتخيل أن سوريا يمكن أن تُدار خارج ظلال هذا الرجل، وكأن سقوطه يعني بالضرورة انهيار الدولة.

    وعندما اندلعت الثورة، استمر هذا النمط، لكن بخطاب أكثر شراسة. لم يناقش الإعلام أسباب الحراك أو مطالب الناس، بل أعاد تدوير الفكرة المركزية: “لا بديل عن الزعيم”، وكل معارضة تُختزل في صورة الفوضى. هذه السردية، التي أعيد ضخّها عبر الشاشات والندوات، ساهمت في خلق مناخ من الخوف والارتباك، وساهمت في إطالة عمر المأساة.

    لكن اللافت أن هذا النمط الإعلامي لم يتوقف تمامًا مع تغير الوجوه. ففي بعض المنصات البديلة التي نشأت بعد الثورة، ظهر خطاب يكرر نفس البنية الذهنية: ربط مصير الجماعة بشخص واحد، والاكتفاء بتبديل الاسم دون مناقشة شكل النظام. وهكذا ظل الجدل محصورًا في “من هو القائد؟”، بدل أن ينفتح على سؤال أعمق: “كيف تُبنى سلطة مسؤولة؟”.

    ما كشفته التجربة الإعلامية خلال الثورة وما بعدها، هو أن التحكم بالعقول لا يحتاج بالضرورة إلى رقابة صارمة أو أجهزة أمن، بل يكفيه خطاب مشحون بالعاطفة، يعيد صياغة الولاء على نحو ناعم، لكنه لا يقل إحكامًا. في بيئة تعاني من القلق، والفراغ، والدمار، يصبح الصوت الأعلى هو ذلك الذي يعد بالنجاة، لا بالحرية.

    لماذا استمر التقديس رغم سقوط الأسد؟

    قد يبدو غريبًا، للوهلة الأولى، أن تستمر بعض أنماط الولاء السلطوي حتى بعد انهيار النظام القديم أو تراجع رمزيته. لكن حين نتأمل السياق السوري بعمق، نكتشف أن التقديس لم يكن دائمًا نابعًا من الإيمان بشخص الحاكم، بقدر ما كان رد فعل على غياب بدائل مألوفة، ونتاجًا لتاريخ طويل من انعدام الممارسة السياسية الحرة.

    فبعد عقود من الحكم الاستبدادي، لم يتشكل في الوعي السوري نموذج واضح للدولة القائمة على المؤسسات. لم يعرف الناس تداولًا فعليًا للسلطة، أو استقلالًا للسلطات، أو ثقافة سياسية تشجّع على النقد والمساءلة. لهذا، عندما غاب الأسد، لم يتراجع الجميع باتجاه مشروع ديمقراطي متماسك، بل وجد كثيرون أنفسهم في فراغ سياسي ونفسي مربك، فاستعادوا — عن وعي أو لا وعي — النموذج القديم، ولكن بوجوه جديدة.

    كان السؤال الذي فرض نفسه في تلك اللحظة الحرجة: “من سيملأ هذا الفراغ؟”، لا “كيف نمنع تكرار الاستبداد؟”. فحيث يغيب الأمان، تظهر الحاجة إلى سلطة قادرة، حتى وإن تكررت عبرها أخطاء الماضي. وهذا ما ساهم في استمرار التقديس، ليس على شكل طاعة إجبارية دائمًا، بل أحيانًا كحالة دفاعية تبحث عن الاستقرار، ولو في صورة وهمية منه.

    لكن يجب الحذر من التسرّع في الحكم على هذا التكرار وكأنه نكوص جماعي أو إخفاق شعبي. فجزء كبير منه كان نتاجًا مباشرًا لمنظومة قمعية عملت لعقود على تجفيف منابع الوعي السياسي النقدي، وتفكيك أي إمكانية لقيام مؤسسات مستقلة. وإذا بدا أن الناس قد كرروا خطأهم، فإن السؤال الأهم ليس “لماذا فعلوا؟”، بل “من وفّر لهم البديل؟”.

    ما حدث، إذن، لم يكن خيانة لفكرة الثورة، بل نتيجة منطقية للفراغ الذي خلّفه النظام، حين لم يسمح لغيره أن ينمو.

    ما الذي يجعل المجتمع مهيّأً لإعادة إنتاج الاستبداد؟

    غالبًا ما يُعزى استمرار الاستبداد إلى سطوة القمع، لكن التجربة السورية تُظهر أن السلطة القمعية لا تصمد وحدها دون بيئة تمهّد لها، أو على الأقل تتعايش معها. هذه البيئة لا تُبنى في لحظة، بل عبر تراكم طويل، تُشارك فيه مؤسسات التعليم، والإعلام، والخطاب العام، ويُعاد ترسيخه باستمرار.

    في الحالة السورية، ساهم التعليم الموجّه في تشكيل أجيال تلقت المعرفة على هيئة حقائق غير قابلة للنقاش. لم يكن التاريخ سردًا متعدد الأصوات، بل رواية رسمية تُحدِّد من هو البطل ومن هو الخائن. التفكير النقدي لم يكن مهارة مطلوبة، بل خطرًا محتملاً.

    غياب التعددية الحقيقية كذلك لعب دورًا حاسمًا. لعقود، لم تشهد البلاد تداولًا فعليًا للسلطة، ولا أحزابًا مستقلة تمثل توجهات شعبية متنوعة. وهكذا، تَشكّل وعي سياسي هش، يرى في الحاكم ضرورة لضبط الفوضى، لا موظفًا خاضعًا للمحاسبة.

    ثم جاء الخوف، ليس فقط من النظام، بل من المجهول. الثورة نفسها، رغم زخمها، ترافقت مع انهيار أمني وخدمي واسع، أظهر هشاشة البنية العامة للدولة. في ظل ذلك، راجت سردية أن “الاستبداد سيئ، لكن الفوضى أسوأ”، وعلّقت فئات عديدة آمالها على القائد القوي، لا على النظام العادل.

    لكن هذا لا يعني أن المجتمع السوري بطبيعته قابل للاستبداد أو متصالح معه. إنما يشير إلى أن النظم القمعية حين تُطيل مكوثها، تخلق حولها بيئة نفسية وثقافية تُحاكي منطقها. والمطلوب لفهم هذه الظاهرة ليس فقط توجيه النقد، بل تفكيك البنى التي أنتجتها، وطرح نماذج بديلة تُخاطب الناس من موقع تجربتهم لا من فوقها.

    متى يتحرر السوريون من عبادة الحاكم؟

    بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاع الثورة، لا تزال سوريا معلّقة بين ماضٍ استبدادي ثقيل، ومستقبل لم تتضح ملامحه بالكامل. السؤال اليوم لم يعد يتعلق فقط بمن يجلس على كرسي الحكم، بل بنمط التفكير الذي يجعل الكرسي نفسه مركز السلطة، لا القانون ولا المؤسسات.

    التحرر من تقديس الحاكم لا يبدأ بسقوطه، بل بتفكيك البنية الثقافية والسياسية التي جعلت من الزعيم قدرًا، ومن تغييره مخاطرة. وهذا طريق طويل، لا يُختصر في شعار ولا يُفرض من الخارج، بل يُبنى داخليًا: عبر تربية جيل جديد يفكر بحرية، وتعليم يعيد الاعتبار للأسئلة، وإعلام يطرح البدائل لا يكتفي بتكرار الوجوه.

    ربما لم يكن الاستبداد في سوريا مجرد حادث سياسي، بل نتيجة منظومة متكاملة اشتغلت على تشكيل الوعي، حتى بات الخلاص يتخذ شكل شخص، لا مؤسسة. من هنا، فإن التغيير الحقيقي لن يكتمل بإزاحة رأس السلطة فقط، بل حين تتحوّل الدولة إلى فضاء مشترك، تحكمه القوانين لا الولاءات، ويتساوى فيه الجميع أمام المسؤولية والحق.

    ولعل التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في إسقاط الطاغية، بل في مقاومة الحاجة النفسية لإيجاد “طاغية بديل” يطمئن الخائفين. فكلما أُزيل زعيم وبحثنا عن آخر يشبهه، نكون قد أخطأنا الهدف.

    لكي ينهض السوريون من تحت ركام الحرب والخوف، لا بد أن يتحرروا من عبودية الشكل، ويعيدوا بناء وطن يُدار بالعقل لا بالهتاف، بالمؤسسات لا بالأفراد، بالثقة لا بالذعر. عندها فقط يمكن القول إن الثورة لم تكن مجرد احتجاج، بل بداية لولادة جديدة.