Author: روان التكريتي

  • ‘هلأ مو وقت الثقافة’

    ‘هلأ مو وقت الثقافة’

    في 8 كانون الأول عام 2024، انهار نظام الأسد، تاركًا البلاد بعد ما يقرب من 60 عامًا من الحكم الشمولي. خلال هذه العقود، تدهورت البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالطبع البنية الثقافية أيضاً، إذ أدى القمع الصارم لحرية التعبير والرقابة الشديدة على الإنتاجات الثقافية وإمكانية الوصول إليها والمشاركة فيها، إلى إفقار القطاع الثقافي، مما جعله بوقاً من أبواق النظام و مصدر الدعاية والترويج لإنجازاته، مع بعض الاستثناءات القليلة ضمن مساحات محددة مسبقاً. وعند بدء الثورة السورية في عام 2011، وجدت الساحة الفنية الغنية بالفنانين والّكتاب وصناع الأفلام والموسيقيين، نفسها في مأزق حقيقي إذا توجّب على الفنانين الاختيار، إما أن تخدم خطاب الدعاية للنظام أو تواجه خطر الاختفاء، أو النفي، أو حتى الموت. آثر بعضهم البقاء بينما فرّ آخرون إلى دول أخرى، تاركين المجتمع ومواطنيهم لمواجهة وحشية الحرب الدموية ومواجهين هم تحديات جديدة في المنفى. في هذا المقال، سأتناول العديد من السرديات التي كانت ولا زالت تحدياً للفنانين في سوريا وفي المهجر، وهي تصب في سردية واحدة شاملة يتبناها المجتمع وبعض العاملين في القطاّع الثقافي أيضاً وهي “هلأ مو وقت الثقافة والفنون”


    في البدء، لا بد من الإضاءة على ملازمة كلمتي الثقافة والفنون لبعضهما البعض ضمن الخطاب السائد. فعادةً ما يتم استخدام كلمتي “الثقافة” و”الفن” معاً للإشارة إلى ارتباطهما الوثيق وأن وجودهما معهاً ضرورة حتميّة ضمن نموذج الفاعليّة الثقافية، ولكن هذه العلاقة قد تكون فخاً يعكس الفهم الشائع لكلمة ثقافة بين السوريين. فعند ذكر “الثقافة”، غالباً ما يتبادر إلى الذهن الإنتاج الإبداعي الفني مثل الموسيقى والفنون البصرية وفنون الأداء، أي “الثقافة” بمعناها الضيق. لكن يتم إغفال استخدام “الثقافة” بالمعنى الموّسع، والتي تشمل العادات والتقاليد وأنماط العيش والتراث غير المادي، بل وتمتد إلى معنى العيش نفسه، فإذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع هي ثقافة الرأي الواحد والإلغاء العنفي للآخر يتم تجاهل أن هذا السلوك هو جزء من ثقافة المجتمع وبالتالي يتم اختزال معنى الثقافة في التعبير الإبداعي دون النظر إلى الصورة الأشمل، مما يؤدي إلى ترسيخ السردية المذكورة.


    “كيف يمكنك الغناء بينما يموت الناس؟”
    في السنوات الأولى من الثورة السورية، كان يُنظر إلى ممارسة أي نشاط فني أو ثقافي، سواء داخل سوريا أو خارجها، بعين الريبة. ويرجع ذلك إلى السردية الفرعية الأولى “كيف يمكنك الرقص أو الغناء بينما يموت الناس؟” استخدمت القوات السورية أساليب قمع وحشية ضد الحركات المدنية السلمية المطالبة بالحرية والكرامة، وبلغ العنف ذروته عام 2016. خلال تلك السنوات، وجد الفنانون أنفسهم محاصرين في المواضيع وطرق التعبير، إما أن يتحدثوا عن الأحداث الجارية أو يُعتبر فنهم غير ذي صلة. كما أن هذا الخطاب كان شائعًا لأن الفنانين لا يُنظر إليهم كمحترفين في العديد من المجتمعات، بل كأشخاص يمارسون هواية، وليس كأفراد يعتمدون على عملهم كمصدر رزق. وهذا يطرح سؤالًا آخر: كيف يمكن للمرء أن يستمر في ممارسة الفن عندما تكون الحياة بهذا القدر من القسوة؟ تأثّرت بهذا الموقف الفنون الأدائية بشكل خاص مثل الموسيقى والكوميديا الارتجالية والمسرح، حيث تم حظر الحفلات الموسيقية، وتقليص العروض المسرحية، وتعرّض الفنانون في المهجر لضغوط هائلة ومشاعر الذنب وأحيانًا فقدان الإحساس بالقيمة ومسائلة المحتوى وشرعيّة التمويل بالإضافة إلى التهديدات الأمنية ومخاطر الملاحقة لهم أو لعائلاتهم في سوريا. وامتدت هذه السرديّة لتلاحق كل محتوى فني لا يتحدث أو يتحدّث عن الثورة، وتم دعم معظم الإنتاجات الفنية التي تناولت الصراع بشكل مباشر وخاصة الإنتاجات السينمائية، وأصبح المحتوى الفني السوري خلال سنوات الصراع يعتمد على سرديات الحرب، واللجوء، والسجن، والعنف بكل أشكاله، وأجبر على تبني سردية الحياة مقابل الموت لكي لا يضطر لمواجهة السردية العامة والوقوف في وجه الموت من خلال الفن.


    “الفنان بين النظام والمعارضة”
    على عكس الأطباء والمهندسين والمعلمين، كان يتعيّن على الفنانين تحديد موقفهم بوضوح. كان من المتوقّع منهم أن يتخذوا موقفًا ويبرروه أمام جمهورهم، سواء كانوا داعمين للنظام أو معارضين له. أدت هذه السردية إلى استقطاب المجتمعات ودفعها إلى التساؤل حول دور الفنانين، وأخلاقيات الفن في زمن الصراع، ومعنى أن يكون المرء فنانًا ومواطنًا في آن واحد. فهل يمكن للفنان الفصل بين كونه مبدعًا يسعى لكسب رزقه وكونه شخصًا يحمل موقفًا أخلاقيًا ويرفض المشاركة في إنتاجات تدعم النظام؟ كان هذا الصراع أكثر وضوحًا في الدراما التلفزيونية، خاصة بين الممثلين والمخرجين والمنتجين وغيرهم من العاملين في هذا المجال. ويغذي هذا الصراع السردية العامّة لدور الفنون ومنها الفنان في المجتمع، فمع بروز ممثلين معارضين انخرطوا بالعمل السياسي وآخرين مؤيدين للنظام دعموا رموزه وممارساته اصطف المتابعون والمعجبون مع الفنان بناءاً على مواقفه السياسية مع استثناءات وخاصة في السنة الأخيرة قبل سقوط النظام.


    “لا يمكن الاستمتاع بالفن عندما لا يجد الناس طعامًا”
    لطالما ارتبط الفن في الوعي الجمعي بفترات الاستقرار والازدهار والرفاهية. لذلك فإن السردية الفرعية “الناس لا يملكون المال لشراء الخبز، فكيف لهم أن يستمتعوا بالفن؟” شائعة خلال النزاعات. وفي سوريا، وبعد فرض العقوبات الاقتصادية على النظام وحلفائه، وجد معظم السكان أنفسهم تحت خط الفقر، بل وأحياناً كثيرة تحت خط الفقر المدّقع. لكن الربط بين الفقر وعدم القدرة على التمتًع بالإنتاج الفني هو نتيجة لمصادرة النظام الطويلة للحقوق الثقافية، بما في ذلك حق الوصول إلى الثقافة والممارسة الثقافية. كما أن الأشخاص ذوي الاستقرار الاقتصادي الضعيف يُوصمون بعدم التحضر، مما يؤثر أيضًا على رغبتهم في التعبير عن استمتاعهم بالفن أو حتى إنتاجهم له. حتى لو أرادوا ذلك، فإنهم لا يجدون المساحات المناسبة للتعبير. فالمسألة لا تتعلق فقط بالضعف الاقتصادي، بل أيضًا بالتقسيم الطبقي الذي يربط الاستهلاك الثقافي بالثروة. وهذه السرديّة هي بالعمّق ذات مأخذ استعماري يضع الشعوب التي تم استعمارها في مرتبة ثقافية أقل من المستعمر، وقد تم تبنيها عبر السنين من الفئات الاجتماعية الارستقراطية التي تمتلك علاقات متينة مع القوى الاستعمارية التي حكمت المناطق في فترات مختلفة وتمت إعادة إنتاجها مع الوقت مع إضافة ثنائيات صراع أخرى مثل صراع الريف والمدينة و النازحين والساكنين الأصليين والمسلمين وغير المسلمين وغيرها.


    “الفن ليس من الأولويات في ظل الأزمات”
    يستشهد البعض بهرم ماسلو للاحتياجات الأساسية لدعم هذه السردية، حيث تشير هذه النظرية إلى أن البشر يعطون الأولوية للاحتياجات الفيزلوجية مثل تأمين الطعام والماء والمأوى، تليها الحاجة إلى الأمان والاستقرار مثل الاستقرار المالي والصحة، قبل أن يصلوا إلى مستويات أعلى مثل الحب والانتماء وتقدير الذات، ويشمل الأخير تحقيق الذات بمعنى التعبير الثقافي. ومع ذلك، تعرّضت هذه النظرية لانتقادات عديدة، منها أن الاحتياجات لا تتبع ترتيباً صارماً، وأنه من الصعب إثباتها علمياً. رغم ذلك، لا يزال العديد من العاملين في المجال الثقافي يستندون إليها عند مناقشة دور الثقافة في الأزمات.
    وخلال العقد الماضي، ظهرت مفاهيم جديدة مثل الإغاثة الثقافية، والثقافة من أجل التغيير الاجتماعي، والتنمية الثقافية، والمرونة الثقافية، والديمقراطية الثقافية. كما أن تجربة مدارس الموسيقى وصناعة الأفلام لمؤسسّة العمل للأمل هي دليل واقعي على محض ارتباط هذه النظرية برفاه المجتمعات، إذ تعمل المؤسسّة على توفير الوصول للفنون للمجتمعات المهمّشة في بقاع لبنان، والتي يقطنها النازحون السوريون، وقد شارك العديد منهم بالفعاليات الفنية المختلفة وتعلّم العزف على آلات موسيقية مختلفة والقيام بعروض مسرحية وصناعة أفلام قصيرة، مع العلم أن هذه المجتمعات ذات قدرات مادية منخفضة نسبياً وتعاني من عدم الاستقرار المكاني والوجودي، لكنها استطاعت الانخراط بالعمل الفني بظل كل الأزمات والظروف المحيطة بها. بل على العكس استطاع انخراطها ضمن هذه البيئات بدعم مرونتها النفسية وقدرتها على التعبير الذاتي وإيجاد مساحات آمنة تعزز رغبتها بالاستمرار بالحياة والاستمتاع بممارسة الفنون.


    “الفنون، وخاصة الموسيقى، محرمة في الإسلام”
    في الآونة الأخيرة، اكتسبت السردية الفرعية ” الفنون، وخاصة الموسيقى، محرمة في الإسلام” زخماً، مدفوعة بالاتجاهات الإسلامية الراديكالية التي تنبع منها حكومة تسيير الأعمال. وعلى الرغم من أن رئيس الحكومة الانتقالية، أحمد الشرع، يقدم نفسه كقائد معتدل، فإن العديد من ممارسات الحكومة تتماشى مع أيديولوجيا الإسلام السياسي، مما يثير قلق الفئات العلمانية والمكونات المختلفة والإسلام السني المعتدّل. ويرى النقاد أن دمج الخطاب الديني في المؤسسات العامة والتشريعات المستندة إلى الفقه الإسلامي يشير إلى انحراف تدريجي نحو حكم ديني، مما يؤدي إلى قمع التعبير الفني، ليس فقط من منظور نقد النظام السياسي الحاكم وتكريس السلطة الأبوية والعقائدية، بل أيضاً من منظور نقد الممارسات الدينية. ومع أن وجود نص ديني يحرّم الفنون وخاصة الموسيقى هو موضوع يتبع للتأويل لكن جزءاً كبيراً من المجتمع لا يمتلك موقفاً واضحاً من هذه الممارسة وسيتبع الخطاب الحكومي والممارسات التي تليها مهما كانت بدون دفاع حقيقي عن حرية التعبير بالمعنى الموّسع والتي قد تشمل انتقاد الأديان والممارسات الدينية وهو قد يكون الدافع الذي يثير مخاوف المجتمع والسلطة من حرية التعبير.


    هل من الممكن تغيير هذه السردية؟
    في ظل التركيز الحالي على سوريا دولة واحدة قويّة وغير مقسمّة، وإعطاء الأولوية للإصلاحات الأمنية والاقتصادية والسياسية، يبقى دور الثقافة والفنون غير واضح. لكن هذا الغموض يمثل فرصة ذهبية للفنانين والممارسين الثقافيين لإعادة تشكيل السردية عبر تبنّي سردية “الفن كوسيلة لتحقيق العدالة” فالعدالة الانتقالية تُناقش على نطاق واسع في سوريا، مع مطالبة الناس بمحاسبة الجناة، والاعتراف بمعاناة الضحايا، وضمان عدم تكرار الفظائع السابقة. في هذا السياق، يمكن للفنانين أن يلعبوا دورًا حيويًا عبر توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزيز الحوار المجتمعي، من خلال توسيع دائرة عملهم والتشبيك وبناء الروابط مع مؤسسات المجتمع المدني، بأطيافها المختلفة من نقابات، واتحادات ومرسسات غير حكومية، ومبادرات وتجمعات أهلية وأية كيانات تساهم في بناء مجتمع أكثر شمولية وإنسانية، يتم استخدام فيه الفن لتعزيز المشاركة المجتمعية في بناء السلم الأهلي والتعايش المشترك.


    الصورة مأخوذة من صفحة الفيس بوك الخاصة بمؤسسة العمل للأمل من برنامج سينما على الطريق تاريخ النشر 11 تموز 2024