Author: عدي العبد الله

  • الثقافة السورية بعد الفقد: قراءة في تجربة دير الزور والمهجر

    الثقافة السورية بعد الفقد: قراءة في تجربة دير الزور والمهجر

    كان التهميش في سوريا سياسةً ممنهجة للسيطرة، لا مجرّد إهمالٍ عابر؛ فالإبقاء على أطراف البلاد في الظلّ يعني الإبقاء على الرواية المركزية وحدها مرئية، متماسكة، ومهيمنة.

    على مدى عقود، لم تُبنَ الثقافة السورية بوصفها مرآةً للتنوّع، بل كجدارٍ إسمنتيّ صامت أقامه نظامٌ مركزي هدفه احتواء المعنى لا إطلاقه. لذلك، فإن محاولة فهم النتاج الثقافي السوري اليوم تستدعي تفكيك هذه البنية الجامدة، واستعادة الذاكرة التي وُلدت خارجها، في المساحات الهامشية التي قاومت الصمت بوسائلها البسيطة.

    اعتمد النظام السوري السابق نموذجاً ثقافياً استبدادياً، يركّز الموارد والتمثيل في العاصمة، ويترك المحافظات البعيدة في الهامش، بميزانيات شحيحة ووصاية ثقيلة. هكذا تحوّل “القطاع الثقافي العام” في المدن الطرفية إلى واجهة شكلية خاضعة للرقابة، فاختفى الفعل الثقافي المستقل، وحلّت مكانه بيروقراطية ثقيلة أنتجت غياباً أكثف من الحضور.

    دير الزور كانت المثال الأوضح على هذا الغياب المتعمّد؛ مدينة وُلدت فيها الثقافة من رحم المبادرات الفردية لا من مؤسسات الدولة. فكلّ محاولة محلية للنهضة اصطدمت بضعف التمويل وبمقصّ السياسة الذي لا يسمح إلا بالخطاب المتوافق مع السلطة.

    أحاول استعادة ملامح المشهد الثقافي في دير الزور قبل عام 2011 وبعده، عبر شهادات الذاكرة الحيّة، لاستكشاف صمود الثقافة خارج قنوات الدولة، وكيف وجدت طريقها عبر المسرح والشعر والمبادرات الفردية.

    فما الذي بقي من ذلك الزمن؟ وكيف أعادت الحرب والمنفى تعريف معنى “الثقافة” ذاتها؟

    صمت الدولة والبديل الشعبي 

    عشية أن تعصف الحرب بكل شيء، كانت دير الزور تعيش صراعاً خافتاً بين ثقافةٍ رسمية صمّاء وثقافة شعبية تبحث عن صوتها.
    لم تكن المشكلة في غياب المؤسسات، بل في حضورها الشكلي الذي لا روح فيه. فبحسب مشرف الصفحة الثقافية في “جريدة الفرات” الأستاذ أحمد يساوي، فإنّ الدولة أمّمت حتى الثقافة نفسها، لتصبح مديرياتها ومراكزها امتداداً لمكاتب حزب البعث أكثر من كونها منصّات للإبداع. 

    “واجهة المركز الثقافي في دير الزور.. مبانٍ بقيت حاضرة شكلياً كجزء من بيروقراطية ثقيلة أنتجت غياباً أكثف من الحضور الثقافي الفعلي”

    كان كل نشاط يُقام ضمن حدود مرسومةٍ سلفاً، لا يتجاوز الخطّ السياسي للحزب، فيما تحوّل المثقفون إلى موظفين إداريين ينتظرون موافقة الأمن قبل إقامة أمسية شعرية أو عرض مسرحي.
    ورغم هذا الخضوع البنيوي، عرف المشهد الثقافي في دير الزور لحظات حيوية متقطّعة. فحسب يساوي، كانت بعض المراكز الثقافية ــ مثل مراكز الميادين والبوكمال والبصيرة ــ تنشط تبعاً لشخصية مديرها، لا بفضل النظام الإداري نفسه. مديرٌ شغوف بالثقافة كان يعني حياة مؤقتة للمكان، ومديرٌ معيَّن بالمحسوبيات كان يعني موتاً بطيئاً لأيّ نشاط.

    أمّا ضعف الميزانيات فكان السور الآخر الذي حاصر الفعل الثقافي؛ فكيف يمكن لمدينة بعيدة مثل دير الزور أن تستضيف مفكرين أو أدباء من العاصمة وهي بلا موارد تغطي حتى تكاليف الطريق؟

    من جانبه، يصف الصحفي معاذ الطلب تلك المرحلة بوصفها زمنَ ازدواجٍ ثقافيٍّ: رسميٌّ مغلق، وشعبيٌّ نابض في الظل. فإلى جانب المراكز الثقافية والندوات الجامعية التي مثّلت وجه النظام، كانت هناك فضاءات أخرى أكثر صدقاً وإن كانت محدودة: المضافات، الشعر النبطي، الحكايات الشفوية، والأمسيات الطلابية الصغيرة. كان الوعي الثقافي في المدينة متصلاً بعاداتها وأعرافها أكثر منه بمؤسساتها، حيث ظلّت الثقافة الشعبية تمثّل البديل الحيّ عن الرسميّة العقيمة.

    وبينما يركّز يساوي على التضييق والبنية المادية التي عطّلت الفعل الثقافي (الميزانية، التعيينات، الرقابة)، يتعمّق الطلب في تفسير الجذر الاجتماعي والسياسي للتهميش، معتبراً أنّ المركزية الشديدة والرقابة الأمنية جعلت الثقافة في الأطراف مجرّد صدىً باهت للعاصمة. فدير الزور، كما يرى، لم تكن تفتقر إلى المواهب بقدر ما كانت محرومة من المنصّات التي تسمح لتلك المواهب بأن تُسمَع.

    ورغم ذلك، لم تكن الصورة مظلمة بالكامل؛ فشهدت المدينة فتراتٍ نادرة من الانفتاح، كما يروي يساوي، حين تمكّن مدراء مراكز من استضافة أسماء فكرية كبرى مثل أحمد برقاوي والطيب تيزيني والبوطي، في توازنٍ نادر بين جرأة الطرح وحدود الممكن. كانت تلك الومضات تبرهن أن الثقافة يمكن أن تعيش رغم القبضة، لكنها كانت سرعان ما تنطفئ، لتعود المدينة إلى صمتها المعتاد.

    “الجسر المعلق.. شريان دير الزور ورمز هويتها الذي تحول من معلم حيوي إلى شاهد على الذاكرة الجريحة للمدينة”

    تنفّست دير الزور الثقافة من شقوق الجدران الرسمية قبل 2011: ثقافةً تعيش على الهامش، وتحيا بفضل أفراد لا مؤسسات. ثقافةً تحوّلت فيها المضافات إلى صالونات أدبية، والشعر الشعبي إلى أرشيف شفهي للمدينة، فيما ظلّت الدولة عاجزة عن إدراك أنّ ما تحاول ضبطه كان في الواقع ما يمنح البلاد معناها الأعمق.

    الهامش والدولة

    لم تكن العلاقة بين الدولة والمكان في دير الزور علاقة رعاية، بل علاقة مراقبة.
    فالمؤسسات التي وُلدت لتكون جسوراً للمعرفة، تحوّلت بفعل المركزية المطلقة إلى جدرانٍ للعزل، تُدار من بعيد بأوامر فوقية لا ترى من المدينة إلا هامشها الإداري. وكأن الدولة لم ترد للثقافة في الأطراف أن تزدهر، بل أن تبقى ضمن حدود “التمثيل” لا الفعل.

    يُظهر تحليل شهادتَي يساوي والطلب أن التهميش لم يكن مجرد تقصير أو سوء توزيع، بل نتاجاً لبنية كاملة من الخوف المركزي الذي حكم العلاقة بين العاصمة وأطرافها.

    فشل الاعتراف

    يتقاطع رأي الاثنين في أن الخلل بدأ من فوق، من مركزٍ يحتكر القرار والثروة والمعنى. فكما يروي يساوي، كانت الميزانيات المخصصة للمراكز الثقافية في دير الزور رمزية، لا تكفي لتنظيم ندوة أو دعوة كاتب من خارج المحافظة، في سياسة متعمّدة لتثبيت هرمٍ قائم على الطاعة.

    عمّقت الاعتبارات الأمنية هذا الخلل البنيوي، إذ تحوّلت الرقابة من أداة ضبط إلى شرطٍ لأي فعلٍ ثقافي. لم تكن المبادرات المحلية تُرى كمحاولات لإحياء الوعي، بل كاحتمالاتٍ للتمرّد يجب مراقبتها. ومع الوقت، استبدل المثقفون حماسهم بالحذر، وصار كل نشاط يحتاج إلى “تصريح” أكثر مما يحتاج إلى فكرة. فالمؤسسة الرسمية، كما يصفها معاذ الطلب، بدت حاضرة شكلياً فقط: مبانٍ قائمة، مديريات فاعلة موسمياً، وفعاليات أقرب إلى الطقوس الإدارية منها إلى الفعل الثقافي.

    كانت علاقة المثقفين بالمؤسسة ملتبسة، تجمع بين التعاون والريبة: تعاونٌ للحصول على منبرٍ أو دعمٍ محدود، وحذرٌ دائم من أن تتحوّل الكلمة إلى تهمة. لذلك لجأ كثيرون إلى استراتيجيات رمزية في التعبير، كتبوا ضمن الحدود، وتحدثوا بلغةٍ مزدوجةٍ تفهمها دوائرهم الضيقة وتتجاوز أعين الرقيب.

    أمّا الجمهور، فكان حضوره انتقائياً ومتفاوتاً. الفعاليات الرسمية جذبت الناس بصفاتها الاجتماعية أكثر من مضمونها، بينما لاقت المحاولات التي تناولت قضايا محلية أو هوية فراتية تفاعلاً محدوداً داخل أوساط الطلبة والأدباء وبعض العشائر. هكذا تراوحت الثقافة في دير الزور، حتى قبيل 2011، بين رقابةٍ تُخيفها وجمهورٍ يراقبها بحذر، فغابت عنها ديناميكية التفاعل المجتمعي. كان الخوف، لا اللامبالاة، هو ما صنع الصمت.

    تجاهل الهوية المحلية

    يرى الصحفي معاذ الطلب أن التهميش الجغرافي انعكس في تهميش رمزي للثقافة ذات الجذور الشعبية. فالدولة التي حاولت أن تصوغ هوية ثقافية “قومية” موحدة، اختزلت التنوّع السوري في نموذجٍ واحد يليق بالمركز ويقصي الأطراف.
    الشعر النبطي، الموال، الحكايات الشفوية ــ كلّها في نظر المؤسسة كانت فولكلوراً يُستحضر في المناسبات، لا ثقافة جديرة بالبحث والدعم والتوثيق. بذلك أُقصيت الفنون المحلية عن مفهوم “الثقافة الرسمية”، وتحوّل المبدع الديري إلى تابعٍ يُقاس قربه من المركز لا تميزه عنه. 

    تحولات الذاكرة

    حين انهار الشكل الرسمي للمؤسسات الثقافية بعد عام 2011، لم يكن ذلك حدثاً مفاجئاً لمن عاش التهميش قبله. سقطت الهياكل كما تسقط واجهات طينية مهجورة، كاشفةً هشاشة البنية التي كانت تتكئ على مركزٍ راكد، لا على مجتمعٍ حيّ. غير أن المفارقة أن هذا الانهيار لم يُلغِ الفعل الثقافي، بل حرّره من أسره القديم.

    “بين الركام يولد الإصرار.. الثقافة السورية بعد 2011 لم تعد ترفاً، بل وسيلة للمقاومة والتمسك بالحياة وسط الخراب”


    انتقلت دير الزور ــ ومعها المدن السورية الأخرى ــ من ثقافة المكان إلى ثقافة الذاكرة؛ من نشاطٍ تُنظمه الدولة إلى فعلٍ يحمي الإنسان ذاته. فالثقافة لم تعد ترفاً أو احتفالاً موسمياً، بل طريقة للنجاة، للتمسّك بالهوية وسط العصف والشتات.

    من الترفيه إلى الوجود

    في مواجهة الفقد والتهجير، تغيّر معنى الفعل الثقافي؛ لم يعد الشعر والغناء والرسم أنشطة تكميلية، بل وسائل لتثبيت الذات أمام التلاشي. نشأت مبادرات صغيرة لتوثيق الذاكرة ــ تدوين القصص، جمع الصور، حفظ الحكايات ــ كأن المجتمع يعلن: “نحن ما زلنا هنا، حتى لو غابت المدينة”.

    وبالتوازي، استعاد الفن وظيفته الأولى بوصفه لغة مقاومة. لم يكن المسرح، كما يروي أحمد يساوي، نشاطاً مدرسياً أو فعالية موسمية، بل مساحة لاختبار الحرية في مدينةٍ أُريد لها أن تصمت. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، برز الباحث في الفلكلور والتراث الغنائي إبراهيم العكيلي كأحد مؤسسي الحركة المسرحية في دير الزور.

    قدّم العكيلي أعمالاً استلهمت البيئة المحلية، مثل أوبريت “موسم الفرح” الحائزة على جائزة القباني الذهبية عام 1971، و”بير زعنون” التي قُدمت في مهرجان المسرح المدرسي باللاذقية عام 1973، ثم مثّلت سوريا في مهرجان قرطاج للأطفال عام 1981. كان المسرح آنذاك فعلاً جماعياً يدمج الأغنية الفراتية بالحكاية الشعبية.

    ومع تبدّل الإدارات وتراجع اهتمام المؤسسات الثقافية، خفت الضوء، تقلّصت الفرق، وتحولت المسارح إلى قاعات مغلقة. بعد التسعينيات، لم يبقَ من تلك الحيوية سوى ذكريات وومضات عابرة، كالمهرجان المسرحي لاتحاد الطلبة عام 2008. ومع ذلك، ظل المسرح رمزاً للكرامة التي قاومت الاندثار، ودليلاً على أن الثقافة في دير الزور كانت تعرف طريقها إلى الحياة.

    صعود الهامش

    حين سقطت مظلة الدولة، انفتح الهامش على نفسه. ظهرت منظمات ومنصات ثقافية جديدة لا تدين بولائها لأحد، تنطلق من الحنين إلى المكان ومن الرغبة في حفظ ذاكرته. وكأن الثقافة، التي طالما كانت تُدار من الأعلى، استعادت جذورها القاعدية.

    هذا التحول يبرهن على ما قاله الطلب: إن الثقافة الشعبية لم تكن هامشاً بل جوهراً مؤجَّلاً، انتظر لحظة الحرية ليظهر. فالشعر النبطي، والموال، والمسرح المحلي ــ تلك الفنون التي كانت تُعدّ “غير رسمية” ــ صارت هي اللغة التي حفظت ما تبقّى من الذاكرة.

    “انهيار الهياكل الرسمية كشف عن مجتمع حي.. حين غابت الدولة، بقيت الحكاية الشعبية والذاكرة الجماعية هي الحصن الأخير”


    أتاح انهيار الحيّز الرقابي نشوء ثقافة أكثر صدقاً وعدالة، تدور حول الإنسان لا المؤسسة. الثقافة التي كانت تُستخدم أداة للضبط، تحولت إلى فعل مقاومة وشفاء. إنها ثقافة بلا وصاية، نشأت من رحم الخسارة لتعيد تعريف معنى الإبداع بوصفه قدرةً على التكيّف والبقاء.

    في ضوء التحوّل 

    ما حدث بعد 2011 يُثبت تحليلات أحمد يساوي حول هشاشة المؤسسة الثقافية، التي انهارت بلا مقاومة تُذكر، ويؤكد في الوقت نفسه رؤية معاذ الطلب بأن الثقافة الأصيلة كانت تسكن في المجتمع لا في مبنى المركز الثقافي. فحين اختفى الشكل الرسمي، بقي الجوهر الشعبي الذي كان يحيا على الهامش. هذه المفارقة بين الانهيار المؤسسي والتحوّل المجتمعي تمهّد للانتقال إلى تجربة المنفى، حيث تواجه الثقافة امتحاناً جديداً: الحرية من جهة، والاقتلاع من الجذور من جهة أخرى.

    يلتقي يساوي والطلب عند خلاصة واحدة: لم تكن المشكلة في غياب الإمكانات المادية فحسب، بل في غياب الاعتراف. يبرز يساوي غياب الدعم والاستمرارية داخل المؤسسات، بينما يحدّد الطلب جوهر المنتج الثقافي الذي جرى تجاهله أصلاً. كلاهما يصف فراغاً لم يكن إدارياً بقدر ما كان سياسياً ومعنوياً، فراغ إرادةٍ في الاعتراف بثقافة الأطراف بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية. هذا الفراغ، الذي اتسع لعقود، كان الشرط الأول للانفجار الثقافي بعد 2011؛ فعندما سقطت الهياكل الهشّة، لم يسقط كل شيء، بل خرج ما كان في الظلّ إلى الضوء.

    البديل الشعبي الذي تحدّث عنه الطلب، والمبادرات الفردية التي كانت تتنفس من شقوق الجدران كما وصفها يساوي، تحوّلت بعد الحرب إلى نواة وعيٍ ثقافيٍّ متمرّد. لم تعد الثقافة ترفاً تنظيمياً، بل وسيلة بقاء، وطريقة للدفاع عن الذاكرة في وجه الفناء. هكذا انتقل مركز الثقل من الجغرافيا إلى الذاكرة؛ لم تعد دير الزور مكاناً يُغادر، بل مرجعاً تُستعاد منه الحكايات والرموز أينما ذهب أبناؤها. في إسطنبول وبرلين وغازي عينتاب، نشأت ثقافة المنفى بحرية أوسع، لكنها بقيت معلّقة بين حنينٍ لا ينطفئ وواقعٍ جديد يبحث عن جذوره.

    في الخارج، تحررت الكلمة من الرقابة لكنها فقدت جمهورها المباشر؛ صارت الثقافة مفتوحة لكنها مهددة بالذوبان. ما وصفه يساوي يوماً بـ”الهياكل الطينية” في الداخل تحطّم، ليُستبدل بهياكل رقمية ومبادرات مدنية لا مركزية يديرها مثقفون سوريون في الشتات. ومع ذلك، يذكّر الطلب بأن الأصالة ليست مسألة حرية فقط، بل مسألة جذور أيضاً؛ فالإنتاج المنفي، مهما بلغ من الثراء، يبقى مشدوداً إلى لهجته وبيئته وذاكرته الشعبية.

    “جسر الأعيور في دير الزور.. شواهد باقية على ضفاف الفرات، حيث تلتقي الذاكرة المنهكة بإرادة البقاء، لتروي حكاية مدينة لم تكسر الحربُ صوتها.”

    تكشف المقارنة بين الداخل المقموع والمنفى الحر أن كليهما يعاني نقصاً جوهرياً مختلفاً: هناك غابت الحرية، وهنا غابت الجذور. لكن بين القيد والاقتلاع تلوح ملامح نموذج ثالث، نموذج لا مركزي ينهض من الأطراف نفسها، قائم على شبكات ثقافية مستقلة تستمد شرعيتها من الناس، من الشعر الشعبي والذاكرة الشفهية والفنون المحلية التي طالما وُصفت بالفولكلور، قبل أن يتضح أنها الذاكرة الحيّة للأمة.

    ليست هذه دعوة للعودة إلى الماضي، بل للاعتراف بأن المستقبل السوري لن يُبنى إلا حين تُعاد الكلمة إلى أصحابها.

    من الصمت إلى الصوت

    تُظهر تجربة دير الزور أن الفشل لم يكن يوماً في غياب المنتج الثقافي، بل في غياب الاعتراف به. فالدولة لم تُهمّش الثقافة عن جهل، بل لتبقى روايتها وحدها هي الرسمية. لكن حين سقطت الرواية، بقيت الحكاية.

    علّمنا الداخل أن الثقافة ذاكرة للبقاء، وعلّمنا المنفى أن الحرية تحتاج إلى جذور. ومن التقاء هاتين التجربتين يمكن أن تولد ثقافة سورية جديدة، لا تبدأ من العاصمة بل من الحوافّ، من أصواتٍ لم تعد تنتظر اعترافاً رسمياً كي تُسمَع.
    هكذا يتحوّل صمت الماضي إلى صوتٍ مؤسِّس، يعيد تعريف الثقافة بوصفها حقًّا عاماً ومساحة للشفاء لا أداة للسيطرة.
    وحين نجرؤ على تخيّل هذا النموذج، لا نستعيد ما كان، بل نكتب بداية مختلفة، تنتمي إلى الأرض التي وُلدت فيها القصيدة الأولى، وإلى الناس الذين صنعوا ثقافتهم رغم كل ما فُرض عليهم من نسيان.