“خرجا من الحفلة التنكرية يضحكان..” سعد الله ونوس

مدخل
في كتاب «عن الذاكرة والموت» (الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 1996) يستعرض سعد الله ونوس في قصته (المشاجرة) عملية تفكير ثقافي لتحديات الذات (السورية) في خضم تاريخ طويل من إنتاج الثقافة وتهديمها. تبدأ القصة من خروج رجل وامرأة من حفلة تنكرية، (حفلة تُوجد في كل البلدان وفقاً لونوس)، يخرجان كلحنين متآلفين في أغنية. وبثيابهما التنكرية، قناع خنفساء عملاقة للرجل وقناع نفرتيتي للمرأة، يتوجهان إلى غرفة تتسع لهما، ليخلع الرجل قناعه الخنفسائي، فيظهر قناع آغا عثماني تحته، بينما يظهر النقاب الأسود كقناع ثانٍ للمرأة النفرتيتية. يتعجب العاشقان للأقنعة المتتالية، التي ستظهر لهما مع كل محاولة تَكشُّف جديدة، فمن قناع الآغا إلى قناع الإنكشاري، والمملوكي والبدوي والعبد، أما المرأة فكان لها النقاب الأسود، تلاه قناع المرأة الافرنجية، ثم الفلاحة والمحظية في الحريم التركي، ثم البدوية والجارية والأفعى.
عشرات الأقنعة الملقاة على أرض الغرفة التي باتت تضيق على حبهما وتآلفهما، وهما يتضاءلان مع كل خلع لقناع جديد، حتى وصلنا إلى آخر الأقنعة، وهو قناع الكلس الجاف، انسكبا كقطرات محرورة وكثيفة تسيل محملة بالغبار. انتهت ليلة الأقنعة، ومع هدوء الصباح، مرّ البوّاب أمام الغرفة، وسمع ضجيجاً وشجاراً لا ينتهي بين الأقنعة، وانتشر الغبار وضجت الغرفة بالوجوه المتحاربة، لكنّ البواب لم يتدخل، بل فكّر بالقصة المثيرة التي سيخبرها للجيران ليثير الدهشة والاستغراب.

الثقافة التي نعيش فيها أم التي نعيش بها؟
حين نفكر بالثقافة السوريّة التي شكّلت واقع الشوارع السوريّة، بماذا نفكر؟ هل نفكر بالأغنية الشعبية أو بالكتاب السوري؟ هل نفكر بموسم قطاف الزيتون أم بندوات المراكز الثقافية؟ هل نتحدث عن ثقافة الجدات في روي القصص وتكديس الوسائد للضيوف أم نتحدث عن إنتاج الهوية الثقافية العليا لسوريا؟ نفكر بالمثقف السوري الذي استُهلكت معانيه بطرق مختلفة، أم نفكر بالفن السوري الذي تركّز في صناعة الدراما أحياناً أم نفكر بأدب السجون والروايات الكافكاوية المليئة برجال الشرطة والمخابرات؟ أم نفكر بالطربوش والمكدوس، ومحارم ديمة ومراوح هنديكو، وتفاصيل أصغر وأكبر؟ ما هي الثقافة السورية التي نريد أن نراجع ونفكك؟ وكيف شكّلت منذ الاستقلال وعينا وطرحت واقعنا أمامنا؟ إنّه زمن الأسئلة المستحيلة، ولا إجابات نهائية على كل حال، ولهذا على التفكير في الثقافة السورية أن يكون بنيوياً، ينطلق من داخل العناصر المشكلة للثقافة الشعبية قبل الانتقال إلى الثقافة العليا، أو الثقافة كفعل سياسي. أي من الثقافة التي نعيش داخلها إلى تلك التي نستخدمها لنعيش. وبصورة أخرى، هل تحتاج الثقافة إلى قطاع عام في دولة لينتجها؟
يتهافت البعض إلى انتقاص كل ما كان في سوريا قبل لحظة 8 ديسمبر، واعتباره بائداً أو منتمياً لمنظومة الأسد الفاسدة والبعث الذي دمّر سوريا، وهكذا تسقط كل الرموز السورية (حتى شهداء أيار مثلاً) وكذا يصبح التشكيك والتخوين هما أساس كل نظرة لأي فعل ثقافي في البلد. لكن هل كانت الثقافة السورية كذبة عملاقة؟
تعلمنا أن ممارسة الثقافة في دولة استبدادية هو فعل انتحار مؤجل، لأنّه سيقود بصورة أو بأخرى إلى نهاية صاحبه، لكنّ هذه الممارسة المستفزة للسلطة و المتحدية لأبراج مراقبته، أصبحت في سوريا أكثر إبداعاً وقدرة على التجدد، إذ تحولت أدواتها إلى تقنيات سحرية ساخرة تتحدث عن الحرية والتغيير حتى وإن كانت تتحدث عن مطاوعة الدولة. ولهذا تتسرب الكتب من السجون، وتتحدث الناس رغم الحيطان السمّيعة، وتتلون الكلمات لتخادع المخبرين وتخترع الناس قاموساً خاصاً بها، بثقافة شعبية جوهرها ثقافة سياسية، تحارب به الدولة وتقاوم سلطتها. لكن من أين يأتي المثقفون أصلاً؟
لو كنا نتحدث عن الثقافة كفعل آيديولوجي وراغب بالتغيير السياسي، لا عن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، فإنّ السؤال في حالة سوريا يصبح معقداً فعلاً. فهل أنتجت الدولة السورية المثقفين الذين سينتقدونها ويفككون نظامها الاستبدادي وكيف سمحت لهم بذلك؟

كتب الماغوط “سأخون وطني” وكتب سعد الله ونوس عن الملك والفيل ومسرح التسييس، وقصّ زكريا تامر قصصاً كثيرة عن الشرطة والمخابرات، وتحدث ممدوح عدوان عن مشكلة الجبهة الوطنية التقدمية وحيونة الإنسان، وأنتجت الدراما السورية أعمالا تنتقد السلطة، وأخرجت الهيئة العامة للسينما أفلاماً ضد نفسها، وتحدث عشرات المثقفين عن دولة البعث، فهل كان ذلك اعتباطياً؟ وما هي أدوات الدولة التي أنتجت هؤلاء المثقفين؟
تتطلب الإجابة على هذه النوع من الأسئلة إلى دراسات عابرة للتخصصات ومتقاطعة، للنظر في كيفية خروج المثقف عن المسار المرسوم له، أو عن كيفية تحول فعل الاعتقال السياسي إلى مساحة تخييل أدبية لكتابة رواية قادرة على وصف جانب أساسي من الحياة السورية مثل “القوقعة”. أما لو تحدثنا عن الانتقاد بالتكليف، أو الانتقاد تحت سقف الوطن، الذي كان يعتبر فعلاً مقبولاً في سوريا (مرايا وبقعة ضوء وغيرها) فإنّها أيضاً تساهم بدون قصد ببناء وعي سياسي (محدود لكنّه مفيد) وتصبح أداة لترسيخ فكرة الدولة المستبدة في عقول المواطنين. وبالتالي يمكن التفكير بأن القطاع الثقافي العام في سوريا، كان يعمل بما يتوافق مع الأجندة الوطنية (البعثية) لكنّه بصورة أو أخرى أنتج أدوات تفكيكه أيضاً، فقدم لنا أفلاماً وكتباً ومفكرين ونقاداً ودراما يمكن التعويل عليها في فهم المظلمة السورية وتحليلها.
لكن ما مدى تأثير القطاع العام الثقافي على المواطنين أو ما مدى وصوليته إليهم؟ إذا استثنينا دور التلفزيون السوري، وفنونه من دراما وسينما فإننا نتوقف عند منظومة ميتة وجامدة لم تكن لتجذب المجتمع بأطيافه، فجميعنا يعرف أن المراكز الثقافية معطلة لغير العاملين فيها أو المهتمين. وأن الثقافة تحدث في المقاهي، لا في مكاتب وزارة الثقافة ومؤسساتها، لكنّنا أيضاً نجد دور نشر سورية تنشر أهم كتب الفكر العربي والفلسفة التي من شأنها أن تدفع للتغير. فهل كان تأثيرها مؤجلاً؟ لا أحاول هنا أن أفهم ما كان لكن ربما أن أشير من موقع ذاتي وموضوعي إلى أنّ القطاع العام الثقافي في سوريا كان فاعلاً بمحدودية كبيرة، ولم يكن متاحاً للجميع إلا أنّه أنتج ما يكفي لمحاربة أكبر استبداد يمكن تخيله.

أتذكر أنني عشت في عائلة لا تمتلك مكتبة ولا تفكر بالثقافة كفعل سياسي، إلا أنني دخلت إلى هذا العالم بمحض الصدفة البحتة. قبل أعوام قليلة من دمشق عاصمة الثقافة، عاد أبي الرياضيّ من الملعب، ومعه كرتونة صغيرة فيها كتب ومجلات مختلفة من إنتاج اتحاد الكتاب العرب في دمشق، وقد كانت فائضة فوزعت على الأصدقاء. وكان لأبي صديق هناك وعَلِمَ أنني أحب القراءة، فأهدانا هذه الكرتونة التي سأقرأ منها مسرحية مذكرات بقرة مجنونة – اسماعيل همتي، ترجمة فاضل بهزاديان، وتبدأ رحلة من الأسئلة السطحية والصعبة، أولها كان هل أنا بقرة مجنونة؟
واليوم، وأنا أكثر قرباً من إجابة هذا السؤال، ولا سيّما بمساعدة سعد الله ونوس، الذي أخبرني بأنّ أحد أقنعتي في بلادي، هو قناع بقرة مجنونة. وها نحن اليوم، ندخل الغرفة شعباً كاملاً متأملين بقدرتنا على التآلف في أغنية، لكن قبل ذلك، هل علينا أن نخلع كلّ الأقنعة؟ هذا هو التمرين الذي يقدّمه ونّوس لنا، تمرين بنيوي في فهم الوجوه الثقافية التي تتشاجر اليوم في كل التفاصيل. ربّما لا نحتاج سوى للاعتراف بالأقنعة وفهمها وإدراك لا نهائيتها في حالتنا؛ إلى أن نخترع قناعاً يمكن أن نرتديه كلنا في يوم واحد وتدخل البلاد في حفلة حقيقية للتنكر الوطني.


