Author: محمد حاج حسين

  • تووت.. تووت، عن قطارات لم تصل

    تووت.. تووت، عن قطارات لم تصل

    لم تكنّ سراقب سوى مكانًا ككلّ مكانٍ في سوريا، يعيش على صوت الكاسيت والبثّ التلفزيوني للقنوات السورية. في العام 1996 كنت طفلًا بلغ الخامسةَ من عمره، يجلس بكاملِ انبهاره أمام التلفاز الذي احتلّ مساحةً من غرفة الضيوف، تلفاز السيرونكس الملوّن، والذي أحسبه في ذاكرتي أنّه الإصدار الأول 1983، حافظَ على زاويته لسنواتٍ طويلةٍ، بإطاره الخشبي وشاشته التي تبلغ 27 بوصة. أراقبه، أجلس في مواقيتٍ ما بعد الظهيرة، مواقيت قيلولة من كَبُرَ، كحال كلّ طفل في البلاد، أنتظر القطار، مُشاهدًا بصفة مسافر في رحلة الخيال الخاص بي وسط غفوةِ البالغين.

    موعد الرسوم المتحركة لم يكن مجرد وقتٍ عابر، بل كان وعدًا مقدسًا، لحظة انطلاق القطار الوحيد الذي يسير بانتظام في ذاكرة أطفال سوريا. بينما كان العالم يرقب ثورات التكنولوجيا، كانت بيوتنا لا تزال تردّد صدى حكايات «صندوق الدنيا» و«البيانولا». ومع ولادة التلفزيون السوري عام 1960، استقرّت القناة الأولى في وعينا كالمحطة الوحيدة التي ننتظر على رصيفها بلهفة.

    لأمرٍ يثير الحيرة، فإن «القطار السينمائي» الأول الذي استقرّ في قاع ذاكرتنا الجماعية لم يكن قطار «الأخوين لوميير» الشهير، بل ذلك القطار الكرتوني القادم من أفق مجهول ليعلن بدء فقرة الأطفال. لم نكن نهتم بالتفاصيل الأخرى، كل ما يهمنا هو وصوله حاملًا «النمر الوردي» و«توم وجيري»، يتهادى على إيقاع موسيقى شرقية تأسر العيون الشاخصة نحو شاشة البثّ الأرضي المنمّشة بالتشويش في حالات الطقس الماطر والريح. قطارٌ بثلاث عربات دائرية، يطلقُ من مدخنتهِ نجومًا تمنح الألوان لمروجٍ باهتة، تترجّل منه شخصياتنا في مشهدية سريالية: النمر الوردي ينسلّ ببرود، الكابتن رابح يرتقي في الهواء، والجميع يلحقون بكرة تتحول في النهاية إلى شعار «التلفزيون العربي السوري». كانت تلك الغمزة الخاطفة من «الفتاة العربية» في الشارة هي صافرة انطلاق خيالنا، خيالٌ لم ينتمِ يومًا لبرنامج محدد، بل انتمى لتلك اللحظة من الانتظار الصافي لقطار البرامج الخاصة بنا.

    في بلادٍ كانت فيها السكك الحديدية الحقيقية صامتة أو مهجورة في أغلب المدن، صار القطار التلفزيوني يمثّل «الحلم بالآخر». كانت المسلسلات الكرتونية المدبلجة تحاكي عوالم غريبة ببيوت فارهة وسيارات لا تشبه أزقتنا. صار القطار وسيلة نقلنا نحو حياةٍ مشتهاة، حياةٍ قد لا تسعفنا الأيام فيها حتى لشراء «شوكو ترين»، ذلك القطار المصنوع من السكريات الذي كان يكلّف خمس ليرات، مبلغٌ لم يكن دومًا في متناول اليد.

    كانت تتكدّس العلب الكرتونية للمنتجات الغذائية على زاوية محل في الحي، تلك العلب تحمل صور شخصيات كرتونية. أحرص على جمعها وقصّ الشخصيات، ثم صناعة سيناريوهات خاصة بها، كأن تلعب كرة قدم أو تسلك مسارًا في غابات بحثًا عن كنز أو صراع مع وحوش. وكثيرًا ما اصطفّت في عربات صغيرة كأنها قطارات لشخصيات لم تكن ألعابًا، بل مجرد وسيلة ليعبر الطفل في رحلة مع شخصياته المحببة في قطار من سعادة أو وهم، لا فرق. هي حقيقة قطارات العمر حين يمضي.

    غزت القطارات الشاشة. في كثير من المسلسلات قطارات، تعمّقت هذه العلاقة في حياتي مع تسلّل أغنية «توت توت» لعبد المنعم مدبولي وهدى سلطان إلى أشرطة الكاسيت، بعد أن كانت ذاكرة صنعها السيد حجاب وعمار الشريعي في مشهد يعكس بساطة عائلة تدور في متتالية القطار. صار صوت مدبولي يعلق في القلب كصافرة «قطار العمر» الذي يمضي ولا يصل، محاولًا عبثًا إسعاد بنات ثلاث وأم، تمامًا كما كنا نحاول اقتناص السعادة من شاشة صغيرة.

    لا يتذكر البعض اسم هذا المسلسل يعتقد أنّها أغنية مفردة ظهرت كغيرها في الذاكرة السورية. من مصر تعلّقت الناس بأغنيتين اشتركتا بهذه الفرادة: «توت توت» و«اتفضل من غير مطرود». أغنية بلا هوية، ليست لفيديو كليب، ليست لمسلسلات أو أفلام معروفة، لكنها محفورة في الذاكرة، صوتُ صافراتٍ انتمت للطفولة أكثر من غيرها.

    لكن بهجة الصافرة لم تدم كحقيقة وحيدة، فقد حملت الشاشة ذاتها قطارات أخرى أكثر قسوة. في «لحن الحياة»، رأيت الآنسة صفاء والعائلة التي أصبحت مسؤولة عن تربية أطفالها يهربون بالقطار من أنياب الحرب، لأعرف لأول مرة طعم «الهجرة».

    ثم جاءت رحلات «ماركو» و«فادي بائع الحليب» لتثقل كاهل طفل بفكرة تشتت العائلات على أرصفة المحطات الباردة.

    لم تكن تلكَ المسلسلات عادية، كانت مثقلةً بالهموم وبالفاجعة: رحيل، يُتم، وحدة، فراق، ومشاعر كثيرة لا تصلح لطفل. أرى انكسار سالي وانتظارات جودي أبوت للحب في محطات القطارات، رحلات خيبة وقسوة أيام، جرعةٌ من القهر تُعرض في وقت محدد، موعد واحد لا غير، كلُّ ما يأتي بعد صافرة القطار ذاك.

    لم يتغير شيء في نوعية الكرتون الذي أراه حينما قرر والدي عام 1998 جلب «ستالايت». كلّ القنوات التي كانت تبث مسلسلات الكرتون كانت تستند على ما قام مركز الزهرة بدبلجته. كنت أشاهد بعض المسلسلات على قنوات أخرى، بحكم القرب من الحدود، كان المستقبل قادرًا على التقاط اشارة القنوات التركية، إلّا أنني لم أفهم ما «البوكيمون» حتى قررت MBC بثه مدبلجًا. كذلك القطار الذي عبر أمامي لما كنت أعرف أنّه «الديجمون» الذي أصبح يُسمى «أبطال الديجيتال». أحسُ بأنني أكثر حظًا من غيري كلّما تذكرت مسلسلات رأيتها قبل الدبلجة، وقبل القنوات، وقطارات بلا ترجمات مرّت من أمامي ولم أنتبه لها.

    مع وصول «سبيستون» عام 2000، تحوّل القطار إلى مسرح للريبة. عربات القناة التي خصصت نفسها للأطفال على مدار الساعة استقلّت، ظهرت برامجها واعدة بكثير من المتعة والسعادة، كواكب تشكّل فقرات المشاهدة وتقسم المسلسلات إلى نوعيات موزّعة عليها.

    ومع هذا الزخم أتت الريبة من الشخصية التي احتلت مساحة كبرى في الذاكرة: جرائم «كونان» في قطارات اليابان السريعة، هناك ترى المجرمين والمجرمات، تسمع عن دوافع لإزهاق الأرواح في كل حلقة، ولطالما تكررت الرحلة في القطار.

    لم تكن الجرائم كلّ ما يعلق في البال، كان الانتظار سمةً لما نرى، انتظار «آن» اليائس على الرصيف، وكأن القطارات خُلقت لتكون شواهد على الصدمات لا على اللقاءات،  لم يكن مايزاكي بعيدًا كل البعد عن ذاكرتي، «عدنان ولينا» و«هايدي» كانا مسلسلين لا يمكن التغاضي عن ظهورهما على الشاشة. يجلس الجميع لحضور مغامرات طفل يعيش بعد الكارثة والحروب التي أودت بالبشرية، توالت السنين. أكبرُ في العمر وأنا أتابع المسلسلات وأحاول جاهدًا نسيان اللقطة اللعينة من مسلسل «إخوة التراب»، حين قررت شخصية جمال باشا السفاح التي أداها الممثل فايز أبو دان، رمي مساعده الذي أدى دوره  محمد آل رشي من القطار والتخلي عنه. أبحث عن قطاراتٍ أقل قسوة أعود للكرتون عبر الـDVD الأول في حياتي الذي كان لقطار مايزاكي السحري العظيم في فيلم « Spirited Away » الذي حمل «شيهيرو» في رحلتها داخل عالم الأرواح لتستعيد أهلها. يجلس بجانبها شبح وطائر وهي متجهة إلى الساحرة. تغيّرت صورة القطار في داخلي، أصبح مكانًا للأحلام والخيال، بات رحلتي للبحث عن خيالات غيّبتها مشاهدات تلفاز ضخم في زاوية.

    لم ألتحق بركب السحرة مبكرًا، احتاجني الأمر لأشاهد «هاري بوتر» سنواتٍ بعد عرض الجزء الأول. كان أول ما رأيته الجزء الثالث «هاري بوتر وسجين أزكابان» بدون ترجمة، في بثٍّ على أحد القنوات التركية في الموعد الفاصل بين مباريات بطولة كأس العالم 2006. كان السحر حقيقيًا هذه المرة، شخصيات من لحم ودم تطير على عصيّ سحرية، وتدخل في مغامرات هائلة، تعيد للطفل شيئًا من خيال لم يُحكَ عنه. بعدها صارت هذه السلسلة طقسًا سنويًا للمشاهدة. أن ترى مدرستك السحرية وأبطالها أمر لا نقاش فيه، أن تصل إلى منصة 9¾ لتلتحق بقطار العالم الخفي، ظللنا نلاحق سحرًا لا يُمس.

    كبرت، في كثير من الأحيان أقنع نفسي أني كبرت عنوةً. أنتظر قطارًا، أتخيل عربة للسعادة، لكن الواقع كان يرسم سككًا من نوع آخر. قطارات حقيقية هذه المرة، حملت رفاق الغربة إلى منافٍ بعيدة، وأخرى حملت أرواحًا غادرت بلا تذاكر عودة. لم أذهب يومًا في قطار. يرسل لي الأصدقاء صورهم في قطارات البلاد الباردة، أرى بعضهم يهرع للحاق بعربة أثناء مكالمة فيديو. لطالما سمعت قصصهم عن عدم اللحاق بالرحلة. تخيلت الخيبة في رؤية قطار مغادر، يشبه كلّ انكسارات شخصيات الكرتون التي رأيتها، يشبه حلم طفل صغير بالركوب في القطار.

    اليوم، أمر بجانب محطة الحجاز بشكل متكرر، أحاول جاهدًا ألا أتذكر كيف اقترن القطار الذي يمكث أمام المبنى بصور الفقد والاعتقال وحسرة الأمهات. قطار لُصقت عليه صور أحبة وأهل، لم يتحرك، لم يتغير، تمامًا كالذاكرة المحكومة بالقهر. بينما تمر القطارات في مغتربات الأصدقاء بضجيجها الآلي البارد، لا يزال قطار «السحر» القديم هو الوحيد الذي يعيدني إلى طفل يجلس في «سراقب»، يترقب اهتزاز الشاشة وصافرة البداية، قبل أن يركض في ساحة المدرسة صائحًا بملء حنجرته: «توت توت» دون أن يدرك أن القطار الحقيقي سيأخذه يومًا بعيدًا، لعالم السحر، أو لبلاد وذاكرة أقل قسوة.

  • سوريا: مقبرة الأرشيفات المنسيّة [نحو استعادة الذاكرة والفضاء العام]

    سوريا: مقبرة الأرشيفات المنسيّة [نحو استعادة الذاكرة والفضاء العام]

    مدخل إلى الذاكرة المفقودة

    “الكتب التي تُنسى لا تموت، بل تنتظر من يكتشفها ليمنحها حياة جديدة.” كارلوس زافون، مقبرة الكتب المنسيّة

    ما بين الواقع والرواية، سوريا اليوم تشبه تلك المقبرة التي تحدّث عنها زافون، حيث أنّ الكتب والوثائق وتاريخ الشعوب في مكتبات ومتاحف سوريا لا تنتظر من يكتشفها، بل تنتظر ذاكرة كاملة للبلاد وأن يُعاد إليها حقّها في الوجود.

    منذ أنّ تشكلت سوريا ككيان سياسي حديث، وما شهدته من حروبٍ وثوراتٍ وصراعاتٍ، تحوّلت إلى أرضٍ تُمحى فيها الوثائق، تُتلف، تترك للتآكل، حيث لا أرشيف جامع، ولا ذاكرة رسمية قابلة للوصول، ولا حتى رواية مشتركة لما جرى ويجري ويدوّن ويكتب ويعاد إنتاجه.

    فالماضي السوري مفقود كما فُقدت كثير من السرديات التي شكلت البلاد، ما بين ما تم محوه أو صودر أو هُرّب أو دفن في تعاقب فصول حكاية البلاد، لكنه يُطل بملامح متناثرة، مترهلة في بعض الأحيان، موجهة، قاصرة، حتى أصبح سردية واحدة، سردية بُنيت على خراب الذاكرة.

    إن مأساة الأرشيف السوري تكمن في أنه لم يقتصر على الضياع، بل في أن الدولة الحديثة، منذ نشأتها، لم تتعامل مع الأرشيف كمؤسسة جامعة. فوفقًا للمعيار الذي تقوم عليه الدول القومية، تُعدّ مؤسسات المتحف والمكتبة والأرشيف الركائز الثقافية الأساسية لبناء تصور موحد للشعب، وفي سوريا، تحوّلت هذه الركائز إمّا إلى أدوات سيطرة أو هياكل فارغة، مما أدى إلى تفكك الذاكرة المشتركة وفتح الباب أمام السرديات الممحوّة.

    الأرشيف في سوريا كمرآة للسلطة

    منذ التأسيس، لم يكن الأرشيف مجرد مكان لجمع وحفظ الوثائق، بل كان أداةً للسيطرة. لم تُجمع الوثائق لحماية الذاكرة أو الحفاظ عليها، بل لضبطها والتحكم بها، وتحويل التاريخ إلى سجل يخضع لرقابة الدولة ويخدم مصالحها فقط. 

    هذا الاستخدام للأرشيف يعكس سياسة ثقافية مختلفة؛ بدلًا من أن تكون السياسة الثقافية وسيلة لتعزيز الذاكرة العامة وتشجيع التنوع، استُخدمت لفرض رؤية واحدة فقط، لم يكن الأرشيف مجرد مكان لحفظ الماضي، بل أصبح أداة لصياغة الأفكار والتحكم في كيفية فهم المجتمع لتاريخه، وكان للأجهزة الأمنية دورٌ كبير في مراقبة كل ما يُكتب أو يُحفظ، وأصبح الوصول إلى الأرشيف أمراً محفوفًا بالمخاطر. 

    لم يعد الأرشيف حقاً متاحاً للجميع أو امتيازًا أكاديميًّا، بل صار ملكًا خاصًا للسلطة. وهكذا، تحوّل الأرشيف من وسيلة لفهم التاريخ إلى أداة رقابة تحكم من يملك حق الاطلاع عليه. في سوريا اليوم، لم يعد السؤال “أين الأرشيف؟” بل أصبح “من يملك الحق في النظر إليه؟”.

    مكتبات وطنية ومتاحف: صروح بلا روح

    في قلب دمشق، يقف مبنى المكتبة الوطنية (مكتبة الأسد سابقاً) شامخًا بأعمدته الرخامية وحدائقه الهادئة، لكنه في جوهره أشبه بتمثالٍ حجريّ لذاكرة ميتة. هذه المؤسسة، التي كان من المفترض أن تكون المكتبة الوطنية المركزية وحافظة الإنتاج الفكري السوري بموجب الإيداع القانوني، تحوّلت إلى صرحٍ مغلق وبعيد عن الباحثين.

    الأرشفة والفهرسة متوقفة، والوثائق متهالكة، والأرشيفات نادرة الوصول. أما القاعات المخصصة للقرّاء فتحولت إلى ساحاتٍ للاحتفالات الرسمية، لا للبحث والتفكير.

    هكذا صارت مكتبة وطنية سُميت عنوةً مكتبة الأسد رمزًا لمأساة الأرشيف السوري: مبنى محفوظ ومحمي ومضمونٌ مفقود ومحرم، مجرد مبنى شاهد على فعل القمع من مصادرة الاسم وصولًا إلى مصادرة المعرفة.

    إن مأساة هذه المكتبة تكمن في أنها لم تفشل في أداء وظيفتها كمكتبة وطنية فحسب، بل فشلت في احتضان أو تمثيل الشبكة الوطنية للذاكرة بكامل تنوعها. لم تشكّل هذه المؤسسة نقطة وصل أو مركزاً للذاكرة، وأدّى فشلها المركزي إلى تفكيك باقي الركائز:

    • المتاحف الوطنية والإقليمية: لم تستطع المديرية العامة للآثار والمتاحف حماية كنوزها، من المتحف الوطني بدمشق ومتحف حلب الوطني، وصولًا إلى متاحف المواقع الأثرية كتدمر وأفاميا وإيبلا. هذه المتاحف التي كان من المفترض أن تحفظ التراث، صارت عرضة للنهب والتدمير بسبب غياب الإدارة المركزية الفعالة.
    • المكتبات المتخصصة: بقيت المكتبات التاريخية والأثرية كالمكتبة الظاهرية ذات المخطوطات النفيسة والمكتبات الجامعية منفصلة ومحدودة الوصول، بينما غابت المكتبات العامة عن المدن والأرياف، تاركة المجتمع بلا فضاءات معرفية حرة.
    • فقدان الوظيفة: أصبحت الوظائف الأرشيفية المتخصصة (مثل حفظ الأرشيفات العسكرية أو متاحف التقاليد الشعبية) تتبع جهات متفرقة دون رابطٍ مؤسّسي جامع، ما عزز فكرة أن الأرشيف والذاكرة هي ملكية سلطة وليست خدمة عمومية.

    غياب الأرشيف كفقدان للعدالة

    ليس غياب الأرشيف مسألةً ثقافية فحسب، بل هي قضية عدالة مُؤجلة. فمن دون وثائق، لا يمكن توثيق الجرائم المرتكبة، ولا بناء سردية موضوعية ومقبولة قانونياً لما حدث.

    إن الأثر المباشر لفقدان الوثائق لا يقتصر على سرد التاريخ، بل يمتد ليشمل الحقوق القانونية للناس. ففقدان سجلات الملكية، عقود الزواج، وثائق الهوية المدنية، يُعطّل قدرة السوريين على إثبات نسبهم، وملكيتهم لأراضيهم، وحقهم في الميراث في المستقبل، وكذلك الحق في سرد التاريخ، في سياق العدالة الانتقالية، يواجه الأرشيف المهاجر تحديًّا كبيرًا: هل سيتم قبول هذه الوثائق الرقمية المجمعة من المنفى كأدلة جنائية في المحاكم؟ 

    الأرشيف المهاجر

    بعد قيام الثورة السورية عام 2011 وما تلاها من تطورات على المشهد السوري، تفككت مؤسسات الدولة والمؤسسات المجتمعية، وتبعثرت معها ذاكرة البلاد. حيث احترقت سجلات، نُهبت أرشيفات، وثائق بلديات، سُرقت مكتبات خاصة وعامة على امتداد الجغرافيا السورية، ولم يكن ما ضاع مجرد أوراق، بل تاريخ الناس.

    في المقابل، نشأت ظاهرة الأرشيف المهاجر أو أرشيف الشتات: وثائق رقمية حُفظت في خوادم خارج سوريا، ومشاريع بحثية جمعها ناشطون مستقلون أو جمعيات مدنية وفرق في المنفى، صارت ذاكرة رقمية تتشكل على هامش الفقد. هذه المبادرات تُعنى بكل ما هو سوري، بدءًا من التراث اللامادي وصولًا إلى ذاكرة القهر السوري، في سنوات الجمر التي زادت عن 14 عام.

    ومن هذه المبادرات النوعية، مشروع “الذاكرة الإبداعية للثورة السورية” (Creative Memory)، الذي تأسس في عام 2013 كمنصة رقمية لتوثيق وأرشفة أشكال التعبير الحرّ، الفكري والفنيّ، في زمن الثورة والحرب. يركز هذا المشروع على الإبداعات البصرية واللافتات والرسوم والأعمال الفنية التي أنتجها السوريون في سياق الثورة، مقدمًا بذلك سردية بديلة ومضادة للسردية الرسمية، ويساهم في حفظ ذاكرة المعتقلين والمغيّبين عبر الفن.

    لكن هذه الذاكرة ما تزال هشّة، فهي تحتاج مؤسسات تحميها، وتضمن استمراريتها، لأنها تعيش في منفىً مزدوج، جغرافي ورقمي في آنٍ واحد. تتعاظم هشاشة هذه الأرشيفات المهاجرة نتيجة نقص التمويل المستدام، وتواجه مشكلة توحيد المعايير والمنهجيات، حيث يعمل كلّ فريقٍ بأدواته الخاصة، ما يجعل دمج هذه الجهود الهائلة ضمن أرشيف وطني موحد، أمرًا معقّدًا ومكلفًا.

    على الرغم من ذلك، فالأرشفة “من الهامش” لا تقلّ أهميّة عن أيّ أرشيف رسمي، لأنها تؤسس لذاكرة حية، نابعة من الناس، غير خاضعة للرقابة أو التزوير. كما أن الذاكرة الشفوية (Oral History) تلعب دوراً حاسماً في سد الفجوات التي تركتها الوثائق الممحوة، مقدمة بذلك طبقة إضافية من الروايات غير المكتوبة.

    استعادة الفضاء العام والحق في الذاكرة

    استعادة الأرشيف لا تنفصل عن استعادة الفضاء العام، فالذاكرة لا يمكن أن تزدهر في السرّ، لا بدّ من مؤسسات ثقافية شفافة، ومصادر مفتوحة، تُدار بمشاركة المجتمع المدني، بسياسات شاملة لا بأوامر سلطات.

    يمكن للرقمنة المفتوحة أن تخلق فضاءً جديدَا للمعرفة يُتيح الوصول الحر للوثائق ويعيد الأرشيف إلى موقعه الطبيعي: ملكًا جماعيًّا. إن بناء أرشيفٍ جديد لسوريا يجب أن يعيد تعريف الأرشيف كخدمة عمومية تخضع للمساءلة والمشاركة. هذا يتطلب تبني سياسات أرشيفية واضحة وشفافة، يتم صياغتها بمشاركة المجتمع المدني.

    كما يجب أن تلعب الجامعات والمراكز البحثية السورية في الداخل والمهجر دورًا محوريًا في الأرشيف. فبدلًا من أن يبقى المشروع جهدًا ناشطًا فرديًّا، يجب أن يتحول إلى مشروع مؤسسي يوفر الاستدامة، والتدريب المهني على منهجيات الأرشفة والتوثيق. إنّ ضرورة بناء أرشيفٍ جديد لسوريا يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا، لا فعلًا بيروقراطيًا يغلب عليه الطابع التقليدي للأرشفة، بل مشروعاً يُعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والحرية.

    من مقبرة إلى حديقة

    ربما تبدو الصورة قاتمة: بلد بلا أرشيف، مكتبة وطنية بلا حياة، وذاكرة متروكة في المنافي. لكن كلّ جهدٍ لحفظ وثيقة أو تسجيل شهادة أو رقمنة صورة، هو فعل مقاومة للنسيان. تحويل “مقبرة الأرشيفات المنسية” إلى “حديقة ذاكرة” يتطلّب خيالًا سياسيًا وثقافيًا جديدًا، يعترف بأنّ الذاكرة ليست ماضيًا فقط، بل هي شرطٌ من شروط المستقبل. فالأرشيف ليس أكوامًا من الورق، بل هو مرآةٌ لما نريد أن نكونه. وإن كانت أجزاء من الماضي قد صودرت، فإنّ استعادته ليست فعلاً أرشيفيًا فحسب، بل فعل تحرّرٍ جماعي، من أجل أن نحيا مع ذاكرتنا، لا في غيابها.