مدخل إلى الذاكرة المفقودة
“الكتب التي تُنسى لا تموت، بل تنتظر من يكتشفها ليمنحها حياة جديدة.” كارلوس زافون، مقبرة الكتب المنسيّة

ما بين الواقع والرواية، سوريا اليوم تشبه تلك المقبرة التي تحدّث عنها زافون، حيث أنّ الكتب والوثائق وتاريخ الشعوب في مكتبات ومتاحف سوريا لا تنتظر من يكتشفها، بل تنتظر ذاكرة كاملة للبلاد وأن يُعاد إليها حقّها في الوجود.
منذ أنّ تشكلت سوريا ككيان سياسي حديث، وما شهدته من حروبٍ وثوراتٍ وصراعاتٍ، تحوّلت إلى أرضٍ تُمحى فيها الوثائق، تُتلف، تترك للتآكل، حيث لا أرشيف جامع، ولا ذاكرة رسمية قابلة للوصول، ولا حتى رواية مشتركة لما جرى ويجري ويدوّن ويكتب ويعاد إنتاجه.
فالماضي السوري مفقود كما فُقدت كثير من السرديات التي شكلت البلاد، ما بين ما تم محوه أو صودر أو هُرّب أو دفن في تعاقب فصول حكاية البلاد، لكنه يُطل بملامح متناثرة، مترهلة في بعض الأحيان، موجهة، قاصرة، حتى أصبح سردية واحدة، سردية بُنيت على خراب الذاكرة.
إن مأساة الأرشيف السوري تكمن في أنه لم يقتصر على الضياع، بل في أن الدولة الحديثة، منذ نشأتها، لم تتعامل مع الأرشيف كمؤسسة جامعة. فوفقًا للمعيار الذي تقوم عليه الدول القومية، تُعدّ مؤسسات المتحف والمكتبة والأرشيف الركائز الثقافية الأساسية لبناء تصور موحد للشعب، وفي سوريا، تحوّلت هذه الركائز إمّا إلى أدوات سيطرة أو هياكل فارغة، مما أدى إلى تفكك الذاكرة المشتركة وفتح الباب أمام السرديات الممحوّة.
الأرشيف في سوريا كمرآة للسلطة
منذ التأسيس، لم يكن الأرشيف مجرد مكان لجمع وحفظ الوثائق، بل كان أداةً للسيطرة. لم تُجمع الوثائق لحماية الذاكرة أو الحفاظ عليها، بل لضبطها والتحكم بها، وتحويل التاريخ إلى سجل يخضع لرقابة الدولة ويخدم مصالحها فقط.
هذا الاستخدام للأرشيف يعكس سياسة ثقافية مختلفة؛ بدلًا من أن تكون السياسة الثقافية وسيلة لتعزيز الذاكرة العامة وتشجيع التنوع، استُخدمت لفرض رؤية واحدة فقط، لم يكن الأرشيف مجرد مكان لحفظ الماضي، بل أصبح أداة لصياغة الأفكار والتحكم في كيفية فهم المجتمع لتاريخه، وكان للأجهزة الأمنية دورٌ كبير في مراقبة كل ما يُكتب أو يُحفظ، وأصبح الوصول إلى الأرشيف أمراً محفوفًا بالمخاطر.
لم يعد الأرشيف حقاً متاحاً للجميع أو امتيازًا أكاديميًّا، بل صار ملكًا خاصًا للسلطة. وهكذا، تحوّل الأرشيف من وسيلة لفهم التاريخ إلى أداة رقابة تحكم من يملك حق الاطلاع عليه. في سوريا اليوم، لم يعد السؤال “أين الأرشيف؟” بل أصبح “من يملك الحق في النظر إليه؟”.

مكتبات وطنية ومتاحف: صروح بلا روح
في قلب دمشق، يقف مبنى المكتبة الوطنية (مكتبة الأسد سابقاً) شامخًا بأعمدته الرخامية وحدائقه الهادئة، لكنه في جوهره أشبه بتمثالٍ حجريّ لذاكرة ميتة. هذه المؤسسة، التي كان من المفترض أن تكون المكتبة الوطنية المركزية وحافظة الإنتاج الفكري السوري بموجب الإيداع القانوني، تحوّلت إلى صرحٍ مغلق وبعيد عن الباحثين.
الأرشفة والفهرسة متوقفة، والوثائق متهالكة، والأرشيفات نادرة الوصول. أما القاعات المخصصة للقرّاء فتحولت إلى ساحاتٍ للاحتفالات الرسمية، لا للبحث والتفكير.
هكذا صارت مكتبة وطنية سُميت عنوةً مكتبة الأسد رمزًا لمأساة الأرشيف السوري: مبنى محفوظ ومحمي ومضمونٌ مفقود ومحرم، مجرد مبنى شاهد على فعل القمع من مصادرة الاسم وصولًا إلى مصادرة المعرفة.
إن مأساة هذه المكتبة تكمن في أنها لم تفشل في أداء وظيفتها كمكتبة وطنية فحسب، بل فشلت في احتضان أو تمثيل الشبكة الوطنية للذاكرة بكامل تنوعها. لم تشكّل هذه المؤسسة نقطة وصل أو مركزاً للذاكرة، وأدّى فشلها المركزي إلى تفكيك باقي الركائز:
- المتاحف الوطنية والإقليمية: لم تستطع المديرية العامة للآثار والمتاحف حماية كنوزها، من المتحف الوطني بدمشق ومتحف حلب الوطني، وصولًا إلى متاحف المواقع الأثرية كتدمر وأفاميا وإيبلا. هذه المتاحف التي كان من المفترض أن تحفظ التراث، صارت عرضة للنهب والتدمير بسبب غياب الإدارة المركزية الفعالة.
- المكتبات المتخصصة: بقيت المكتبات التاريخية والأثرية كالمكتبة الظاهرية ذات المخطوطات النفيسة والمكتبات الجامعية منفصلة ومحدودة الوصول، بينما غابت المكتبات العامة عن المدن والأرياف، تاركة المجتمع بلا فضاءات معرفية حرة.
- فقدان الوظيفة: أصبحت الوظائف الأرشيفية المتخصصة (مثل حفظ الأرشيفات العسكرية أو متاحف التقاليد الشعبية) تتبع جهات متفرقة دون رابطٍ مؤسّسي جامع، ما عزز فكرة أن الأرشيف والذاكرة هي ملكية سلطة وليست خدمة عمومية.
غياب الأرشيف كفقدان للعدالة
ليس غياب الأرشيف مسألةً ثقافية فحسب، بل هي قضية عدالة مُؤجلة. فمن دون وثائق، لا يمكن توثيق الجرائم المرتكبة، ولا بناء سردية موضوعية ومقبولة قانونياً لما حدث.
إن الأثر المباشر لفقدان الوثائق لا يقتصر على سرد التاريخ، بل يمتد ليشمل الحقوق القانونية للناس. ففقدان سجلات الملكية، عقود الزواج، وثائق الهوية المدنية، يُعطّل قدرة السوريين على إثبات نسبهم، وملكيتهم لأراضيهم، وحقهم في الميراث في المستقبل، وكذلك الحق في سرد التاريخ، في سياق العدالة الانتقالية، يواجه الأرشيف المهاجر تحديًّا كبيرًا: هل سيتم قبول هذه الوثائق الرقمية المجمعة من المنفى كأدلة جنائية في المحاكم؟
الأرشيف المهاجر
بعد قيام الثورة السورية عام 2011 وما تلاها من تطورات على المشهد السوري، تفككت مؤسسات الدولة والمؤسسات المجتمعية، وتبعثرت معها ذاكرة البلاد. حيث احترقت سجلات، نُهبت أرشيفات، وثائق بلديات، سُرقت مكتبات خاصة وعامة على امتداد الجغرافيا السورية، ولم يكن ما ضاع مجرد أوراق، بل تاريخ الناس.
في المقابل، نشأت ظاهرة الأرشيف المهاجر أو أرشيف الشتات: وثائق رقمية حُفظت في خوادم خارج سوريا، ومشاريع بحثية جمعها ناشطون مستقلون أو جمعيات مدنية وفرق في المنفى، صارت ذاكرة رقمية تتشكل على هامش الفقد. هذه المبادرات تُعنى بكل ما هو سوري، بدءًا من التراث اللامادي وصولًا إلى ذاكرة القهر السوري، في سنوات الجمر التي زادت عن 14 عام.
ومن هذه المبادرات النوعية، مشروع “الذاكرة الإبداعية للثورة السورية” (Creative Memory)، الذي تأسس في عام 2013 كمنصة رقمية لتوثيق وأرشفة أشكال التعبير الحرّ، الفكري والفنيّ، في زمن الثورة والحرب. يركز هذا المشروع على الإبداعات البصرية واللافتات والرسوم والأعمال الفنية التي أنتجها السوريون في سياق الثورة، مقدمًا بذلك سردية بديلة ومضادة للسردية الرسمية، ويساهم في حفظ ذاكرة المعتقلين والمغيّبين عبر الفن.
لكن هذه الذاكرة ما تزال هشّة، فهي تحتاج مؤسسات تحميها، وتضمن استمراريتها، لأنها تعيش في منفىً مزدوج، جغرافي ورقمي في آنٍ واحد. تتعاظم هشاشة هذه الأرشيفات المهاجرة نتيجة نقص التمويل المستدام، وتواجه مشكلة توحيد المعايير والمنهجيات، حيث يعمل كلّ فريقٍ بأدواته الخاصة، ما يجعل دمج هذه الجهود الهائلة ضمن أرشيف وطني موحد، أمرًا معقّدًا ومكلفًا.
على الرغم من ذلك، فالأرشفة “من الهامش” لا تقلّ أهميّة عن أيّ أرشيف رسمي، لأنها تؤسس لذاكرة حية، نابعة من الناس، غير خاضعة للرقابة أو التزوير. كما أن الذاكرة الشفوية (Oral History) تلعب دوراً حاسماً في سد الفجوات التي تركتها الوثائق الممحوة، مقدمة بذلك طبقة إضافية من الروايات غير المكتوبة.

استعادة الفضاء العام والحق في الذاكرة
استعادة الأرشيف لا تنفصل عن استعادة الفضاء العام، فالذاكرة لا يمكن أن تزدهر في السرّ، لا بدّ من مؤسسات ثقافية شفافة، ومصادر مفتوحة، تُدار بمشاركة المجتمع المدني، بسياسات شاملة لا بأوامر سلطات.
يمكن للرقمنة المفتوحة أن تخلق فضاءً جديدَا للمعرفة يُتيح الوصول الحر للوثائق ويعيد الأرشيف إلى موقعه الطبيعي: ملكًا جماعيًّا. إن بناء أرشيفٍ جديد لسوريا يجب أن يعيد تعريف الأرشيف كخدمة عمومية تخضع للمساءلة والمشاركة. هذا يتطلب تبني سياسات أرشيفية واضحة وشفافة، يتم صياغتها بمشاركة المجتمع المدني.
كما يجب أن تلعب الجامعات والمراكز البحثية السورية في الداخل والمهجر دورًا محوريًا في الأرشيف. فبدلًا من أن يبقى المشروع جهدًا ناشطًا فرديًّا، يجب أن يتحول إلى مشروع مؤسسي يوفر الاستدامة، والتدريب المهني على منهجيات الأرشفة والتوثيق. إنّ ضرورة بناء أرشيفٍ جديد لسوريا يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا، لا فعلًا بيروقراطيًا يغلب عليه الطابع التقليدي للأرشفة، بل مشروعاً يُعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والحرية.
من مقبرة إلى حديقة
ربما تبدو الصورة قاتمة: بلد بلا أرشيف، مكتبة وطنية بلا حياة، وذاكرة متروكة في المنافي. لكن كلّ جهدٍ لحفظ وثيقة أو تسجيل شهادة أو رقمنة صورة، هو فعل مقاومة للنسيان. تحويل “مقبرة الأرشيفات المنسية” إلى “حديقة ذاكرة” يتطلّب خيالًا سياسيًا وثقافيًا جديدًا، يعترف بأنّ الذاكرة ليست ماضيًا فقط، بل هي شرطٌ من شروط المستقبل. فالأرشيف ليس أكوامًا من الورق، بل هو مرآةٌ لما نريد أن نكونه. وإن كانت أجزاء من الماضي قد صودرت، فإنّ استعادته ليست فعلاً أرشيفيًا فحسب، بل فعل تحرّرٍ جماعي، من أجل أن نحيا مع ذاكرتنا، لا في غيابها.

![سوريا: مقبرة الأرشيفات المنسيّة [نحو استعادة الذاكرة والفضاء العام]](https://culturetankfactory.org/wp-content/uploads/2025/12/WhatsApp-Image-2025-12-03-at-00.29.50_762764c7.jpg)