Author: أسماء السكوتي

  • من أين تأتي الحكايات؟

    من أين تأتي الحكايات؟

    عفاريت وأصوات

    لا أتذكر أول حكاية اخترعتها. ولكني أتذكر أني كنت أجدني أحيانًا أكلّم نفسي، أو أغني، أو أحكي قصّة. كنت أجدني فجأة وسط الحكاية، لا أستطيع تذكر بدايتها، لا أتذكر ما الذي قادني إليها، ولا أعرف من أين جاءت، ولا حتّى كيف سأنهيها. كيف سأحكيها لغيري وأنا لا أعرف رأسها من ذيلها؟

    لا أعرف من أين جاءت حكاياتي آنذاك، ولكنها لا بد أن تكون قد انبثقت في ذهني وسمعتها مني ونطقتها بصوتي الداخلي، قبل أن تحتّل لساني وتتحول إلى حكاية علنية، تسمعها لعبي من قريب وتراقبها أمي من بعيد بتفكّه مخلوط بالشفقة، إذ لا يكلم نفسه في المغرب إلّا المجنون أو الممسوس. لو تتبعت كلام أمي لوصلت إلى العفريت الذي يوحي ويوسوس بكل الحكايات. ولو اتبعت السرديات، لوجدت ميخائل باختين يقول إن أصواتنا الداخلية لا تنبثق من الداخل بل هي تردد وانعكاس لكل ما سمعناه من أصوات خارجية؛ أصوات العائلة والأصدقاء والمتنمرين والمؤسسة والإذاعة. طبعًا العفريت أحلى كحكاية، كما أنّ أدبيّته لا غبار عليها، وتكفي التوابع والزوابع حيث تلتقي الجن الممسوسة بالشعر والنثر دليلًا على ذلك. مشكلة العفاريت الوحيدة أنّها لا تأخذنا إلى أبعد من واد عبقر، إذ لا عفريت يوسوس لآخر، ولا عفريت يتلصص على آخر ، العفريت هو الأصل والنهاية. في المقابل، أصوات الآخرين تتناسل بلا نهاية، ما قالوه، وما منعوه، وما رفضوه وما همسوه، وما تسللنا وتلصصنا لنسمعه مادة لا تنتهي.  

    من أين تأتي الحكايات؟ سأعرف لاحقًا -حين أتخذ دراسة السرد والحكايات حرفة- أنه سؤال حيّر الكثيرين، فاخترع البعض مفهوم التناص، القائل بأن الحكايات تتناسل من بعضها، وأننا حين نخترع حكاية نؤلفها من حكايات سمعنها من قبل، ولا نزيد عن توليف تفصيلة من هنا وتفصيلة من هناك، لنخرج في النهاية بحكاية جديدة. مما يعني، بصيغة أخرى، أن كلّ ما نحكيه قد حُكي من قبل، وأننا ولله الحمد مجرد مكررين، أبواق نؤلف ونردد ما سمعناه منذ الولادة. هذا جليّ في فعل الحكي في الدارجة المغربية، إذ أن “عاود” تعني كرّر وأعاد وعاد وحكى. والأمر نفسه في اللغة العربية، ذلك أن الحكي مشتق من المحاكاة أي تقليد شيء ما.

    كان أول ما سمعته وسمعناه جميعا صرخة الولادة؛ صرخة الاقتطاع من الجسد الذي ضمنا تسع شهور. الحكاية بدورها تصرخ نفس الصرخة، فبعد أن كانت جزءًا من الحكاية الكبرى؛ أو من كرة النسيج اللانهائية التي تضم كل الحكايات، هي الآن مجرد خيط تائه يبني نفسه ببطء ملتقطًا كلمة من هنا وصورة من هناك، ومعنى من ركن ثالث.

    سرقات واختراعات

    كلّ حكاياتي الأولى بنت السماع والشفاهة. لم يدخل أبي  وأمي المدرسة، ومن ثمّ لم يكن يمكنهما أن يقرآ لي وأختي حكاية ما قبل النوم مثل ما يفعل الآباء في الأفلام الأجنبية. نشأنا في بيت بلا كتاب. حتّى القرآن لم يدخل بيتنا إلا ّحين سرقه عمي من مكتبة الإعدادية التي يدرس فيها. سرق قاموسًا للغة الفرنسية أيضًا، وكانت هذه نواة مكتبة البيت، التي لن تزيد عددًا إلّا في المستوى الخامس حين سرقت قصص الأطفال من خزانة القسم، كنت أضعها وسط كتاب القراءة لأتجنب أي سؤال عن مصدرها في البيت، أمّا في المدرسة فمن حسن حظّي أن المعلم ظنّ أنه رماها سهوًا أثناء التنظيف. ما أزال أتذكر نبضات قلبي الصاخبة التي كادت تفضحني وهو يبحث عنها. يبدو أن المكتوب مقرون بالسرقة في عائلتنا.

     العم الذي سرق القرآن هو نفسه هو من قرأ لي وأختي مرّة حكاية السندريلا، من كتاب حكايات فرنسي مصور  كانت قد أهدته لنا زبونة لأبي في الكراج. ضاع الكتاب منذ زمن في واحدة من انتقالاتنا السكنية المعدودة، ولكني ما زلت أتذكر أنه كان مكونًا من عشر حكايات. بعد أن رفض عمي قراءة الباقي تكلفت أنا وأختي بالباقي. كنّا نضع الكتاب بيننا ونؤول صوره ونملأ من فراغاته ما شاء لنا. “يبدو أن الأمير التقى بالأميرة،” “يبدو أنّه تاه في الغابة،” “يبدو أنّه تحول إلى ضفدع،” الخ. أكنت سأهتم بالحكايات لو وجدت من يقرأها لي كاملة في طفولتي؟

    استخدمت التكنيك نفسه مع لعبة الشطرنج التي ظهرت ذات يوم في بيتنا حين أشار أحد أصدقاء أبي عليه أن الشطرنج مفيد لتنمية القدرات العقلية للأطفال. صاحب الإشارة رمى نصيحته وذهب دون أن يعلمنا ما يجب أن نفعله بكل تلك القطع الغريبة والملونة. من ثمّ، لم يكن لي أن أقلب العلبة وأضعها في مجموعات، أتخيل مرّة أنها تتحارب، وأخرى أزعزع الصندوق فجأة لإحداث هزّة أرضية، لأتدخل وأنقذ الضحايا. لابد أن مصدر هذه الحبكات كانت من نشرة الأخبار أو من قناة الجزيرة التي دخلت فجأة في حياتنا وحرمتنا من الكثير من الأفلام، وتركت أبي مشدوهًا أمام حوارات ومناقشات بين كهلة فصيحين.

    العصفورة النمّامة

    أبي الذي هرب من قريته في الرابعة عشرة، لم يلتقط الكثير من حكاياتها، أو ربما التقطها ولكن نسيها قبل أن ينجبنا. لم يكن يحكي لنا ما يحكيه الكبار للصغار عن الحيوانات والعِبر إلّا نادرًا جدًا. في المقابل، كان يحكي لنا كثيرًا عن تفنن جدي في الضرب والعقاب، عن هروبه من المنزل بعد أن رآه أبوه يدخن سيجارة، عن تسلله من سطح إلى آخر ليعطي جدتي ما حصل عليه من دريهمات من تنظيف السيارات. كان يحكي لنا أيضًا عن الحشيش والخمر والصعلكة ويختتم كلامه بحكمة لا تناسب مجونية ما قصّه للتو، قائلًا: “أحكي لكم عن كل هذا، لتتجنبوا أخطائي”. لم أفهم قطّ موقع الخطأ في حكاياته. كانت حكاياته كلها عن الحرية التي اكتسبها في الشارع بعيدًا عن بطش أبيه. أكان يضيف خاتمته النشاز احترامًا لمشاعر أمي، أو خوفًا من أن يلهمنا لعقوقه؟

    حكايات أبي، ومعها كرتون العصفور كاليميرو مسؤولان عن عادة غريبة اتخذتها في طفولتي، إذ كنت أجول بين الغرف وألمّ كل أشيائي وأضعها في لفّة، أحيانًا أوفّق في إيجاد عصا، وأحيانا أغافل أمي وأسرق المكنسة لأعلّق بها ممتلكاتي الثمينة، وأتخيّل أني أمشي وأسافر بعيدًا دون عودة.

    لم تكن كل حكايات والدي ملهمة وطريفة، كان منها أيضًا المخيف والمقلق. واحدة من الحكايات المقلقة كانت حين أخبرنا أنا وأختي أنه يراقبنا ويعرف تحركاتنا حتى في غيابه، لأنّ له عصفورة يبعثها ورءانا حين نخرج وتأتيه بتحركاتنا. سنكبر لاحقًا ونعرف أن العصفورة هي أميّ التي كانت تفتن علينا وتنقل له كل ما أغضبها منا. بقيت أمي بفضل هذه الكذبة الحضن الذي يطبطب علينا بعد الضرب المبرح، ولكن العصافير حتمًا كانت ستذهب شهيدة لها، إذ لا أعرف كم مرّة فكرنا أنا وأختي في القبض على هذه العصافير التي تهددنا بلا سابق عداوة وتعذيبها. لحسن الحظّ أنّ العصافير كانت أسرع منّا، وإلّا لكانت حكاية العصفورة أكثر دموية مما يجب.  ترى من أين أتى أبي بهذه الحكاية اللعينة التي أفسدت علاقتنا بالطيور، أيكون قد سمعها من والده لذلك هرب منه؟ أم يكون قد استلهمها من التلفيزيون الذي لا يصمت أبدًا في بيتنا؟ 

    مساومات وشجارات

    تحكي أمي أنه رغم امتلاك عائلتها لأول تلفاز في القرية، لم تر الكرتون من قبل أن تتزوج والدي. تحكي أيضًا أنهما -هي بنت القرية التي اشتغلت في الأرض كل شبابها وهو الذي رباه الشارع- كانا يشاهدان كل ما يأتي في التلفيزيون حتى لو لم يفهماه. تحكي أنهما في بداية زواجهما، سكنا في عمارة تشارك سكان شققها الثلاثة واشتروا مستقبِل قنوات تلفزيون واحد، ومن ثمّ فإنهم جميعًا، كانوا يشاهدون كلّ من شقته نفس القناة في آن واحد. سأقبل لاحقًا الجيران الذين كانوا يتحكمون في المستقبل، وأسمع الكثير عن الاتفاقات والمساومات التي سبقت تحديد برنامج المشاهدة. في ظل هذا الاتفاق العجيب شاهدت العمارة بشققها الثلاثة المال والبنون، وليالي الحلمية ورامبو والكثير من الرسوم المتحركة. تذكر منها أمي بشغف حيوانات الغابة وفلّة (بياض الثلج) والنمر المقنع الذين تعلمتْ منهم -ومن أبناء الجيران- اللغة العربية بعد أن تركت قريتها الأمازيغية.

    بعد ولادتي بسنة ترك أهلي العمارة التشاركية وانتقلا لبيتهما الخاص، ومع ذلك لم يغيروا برنامج المشاهدة. كانا يشاهدان كل شيء، حتى الأفلام الأمريكية المدبلجة للفرنسية ليلة السبت، والمسلسلات المكسيكية ساعة الغداء، لم يفهما أغلب ما يجري في الأفلام الأجنبية، ولكنهما كانا أستاذين في التأويل بدورهما. ولو أن التأويل كان يخرج عن السيطرة أحيانًا إلى درجة الشجار حين يظن كل واحد منهما أنه فهم أكثر من الآخر. كنّا أنا وأختي بدورنا جزءًا من المشهد. لحدة الموقف لم نكن نغامر بإضافة تأويلات أخرى إلى الطاولة ونكتفي باختيار واحد من الحزبين، ونتراجع لمقاعد المتفرجين. 

    ما لم يُحْكَ إلّا مرّة في السنة

    كان الأسبوع الوحيد الذي يختفي فيه التلفزيون من حياتنا، ذاك الذي نقضيه في قرية أمي الأمازيغية. كان اللعب والجري والبقر والطين والمواشي والتوهان في البيوت القديمة يشغلنا عن مواعيد الكرتون المقدسة: الحادية عشرة صباحًا والساعة الخامسة مساءً في القناة الثانية، وكرتون القيلولة في القناة التونسية (آنذاك لم يكن لدينا إلّا سبع قنوات). يوم القرية كان مشغولًا ولا وقت فيه للملل، اللّهم إلّا القيلولة التي كانت تمتد لساعتين؛ لأنّ أمي وقريباتها لم يكن ينمن إلّا الفجر ليروين بالتفصيل كلّ ما حدث خلال السنة. ومع أن التليفون كان موجودًا وكنّ يسمعن أهمّ الأخبار في وقتها، إلّا أن حلاوة التفاصيل لم تكن تتيسر إلّا في هذا الأسبوع بعد أن ينام جدي والأطفال ويخلو لهن الجو. على عكس بقية الأطفال الذين كانوا ينامون باكرًا، كنت ألتصق بجدتي وأرفض النوم، وأظل طول الليل أصغي لثرثرة وشكوى وضحك لم أكن أفهم منها إلّا كلمات متناثرة بما أنهن كنَّ يتكلمن بالأمازيغية التي احتفظت بها أمي لنفسها ولم تعلمها لنا. ترى هل احتفظت بها سرًّا حتى تأمن على أسبوعها الحميمي الوحيد طول السنة؟ أكانت -هي التي طالما تفكّهت/اشتكت (على حسب السياق) من تسجيلي لكل شيء يقع في البيت وحكايته لأبي بمجرد عودته- لتسمح لي بأن أظلّ معها وقريباتها لو كنت أفهم ما يقلن؟ عمومًا، آنذاك لم تكن تزعجني نوايا أمي ولا غموض لغتها، كان يكفيني ألّا أنام مع بقية الأطفال، وأحسب على عالم الكبار ولو لم أفهمه.

    العضة التي طردتني من أرض الحكاية وجدتي التي أعادتني إليها

    قبل موعد الثرثرة النسائية كان جد أميّ، يتناول عشاءه أمام البيت لتلافي سخونة الحيطان في الداخل، محوطًا بقططه الكثيرة وبأطفال أربعة. في ساعات صفو كان يطفئ الضوء تحاشيًا لحرارته ويراقب الجبل المقابل. كانت عيوننا تتعلق بالجبل لساعات في انتظار ضوء سيارة  يتأمله جدي طويلًا قبل أن يخبرنا بثقة عن صاحب السيارة وإلى أي بيت يتجه. أثناء الانتظار الطويل كان جدي يحكي لنا حكايات لا أفهم أغلبها بسبب لغتها. أتذكر أنه طردني كذا مرة من جلسات حكيه بسبب فرط حركتي وأسئلتي. أتذكر أيضًا يوم نفاني من جلساته بلا رجعة بعد أن عضضت أذن طفله الذي لم يتم سنة بعد. صرخ الطفل بقوة، ولأننا كنا نجلس في الظلام والعقارب والحشرات خطر معتاد في الصيف، فقد قامت الدنيا وقعدت وظنّ الجميع أن عقربًا قرصه، ولم تكتشف العضة إلّا بعد أن أشعلوا الضوء ووجدوا أثرها في أذن الصغير. حاولت جدتي كثيرًا أن تصفي الجو بيننا وتعيدني إلى مجلسه ولكنه لم يتراجع عن موقفه. أكان الحكي ليسحرني لو لم أطرد من حضرته؟

    في الأخير، حين عرفت جدتي ألا أمل لي في العودة، بدأت تحكي هي حكاياتها. كانت لها حكايات ثلاث تعيدها كلّ صيف، حكاية الأخوين المتعبد والتاجر، وحكاية حماد وفاطم؛ الأخوين  اللذين طردتهما زوجة أبيهما وعاشا في الغابة، وحكاية حماد أونمير الذي أطعم النسر من لحمه ليصعده إلى السماء السابعة ليقابل حبيبته الجنية. لا أدري متى بدأت أفهم أحداث هذه الحكايات، إذ لم أتعلم الأمازيغية إلّا في الثانية أو الثالثة عشرة، ولكن جدتي كانت لطول بالها ورقّة قلبها تعيدها صيفًا وراء صيف إلى أن فهمتها أخيرًا. ألهذا تعاد وتعاد الحكايات؟ لنفهمها؟  

    في النهاية، لا أدري من أين تأتي الحكايات، ولا متى ينبثق لأول مرة رأس خيطها قبل أن يصبح مادة للتكرار والإعادة والنسج والتقليد. شهرزاد نفسها التي قالت إن مصدرها ألف كتاب لم تأمن التكرار والإعادة. كل ما يمكن أن نعرفه هو من أين أتت بعض خيوط حكاياتنا الصغيرة المشبوكة بحكايات أهالينا؛ بما عاشوه وما سمعوه، وبالكثير من اللافهم والسرقة والتلصص والإخافة والنفي والإلهام.