Author: عرفة عوض

  • بصلي وبصوم… بس أنا فنان!

    بصلي وبصوم… بس أنا فنان!

    هل يجتمع الفن والدين في سوريا ما بعد البعث؟

    “بصلي وبصوم… بس أنا فنان.” تبدو جملةً بسيطةً، لكنها في الحقيقة مفتاح لسؤال ظلّ يخنق التجربة السورية لعقود: هل يمكن للإنسان أن يكون متديناً ومبدعاً في الوقت نفسه؟ أم أن المجتمع — ثم الدولة — يصرّان على تقسيم الإنسان إلى مربعات ضيقة لا يحق له تجاوزها؟

    على امتداد العقود الماضية، لم يكن التناقض بين الفن والدين نابعاً من جوهرهما، بل من الخطاب الذي صاغه نظام البعث، والذي جعل من هذا التقابل قاعدة ثابتة. الفنان في الرواية الرسمية هو “الحداثي”، “المتنور”، ابن الدولة المدنية المُتخيّلة. والمتدين هو “الرجعي”، “الخطر الكامن”، الذي يجب مراقبته وتطويعه. بهذه الثنائية المختلقة، نجح البعث في تشكيل وعي اجتماعي يقوم على الفرز: فنان/لا ديني — متدين/غير فني. وتحول الإنسان إلى ساحة صراع بين صورتين مفروضتين عليه، بدل أن يكون مساحة واسعة تتسع لإيمانه وذائقته وإبداعه معاً.

    قبل استيلاء البعث على السلطة، لم يكن هناك عداء جوهري بين الفن والدين في سوريا. كانت هناك أناشيد روحية، وحلقات ذكر صوفية ذات جمال موسيقي، ورسوم وزخارف مستمدة من الحس الديني، وشعر يفيض بالتصوف. كان الدين جزءاً من الوجدان، والفن جزءاً من الحياة، ولم يكن أحدهما مهدداً بالآخر. لم يكن الفنان إذا صلّى موضع ريبة، ولا المتدين إذا أحبّ الموسيقى محطّ اتهام. كان المجتمع يعيش علاقة مرنة، طبيعية، غير مُسيّسة بين الروحاني والجمالي.

    مع وصول البعث، بدأ تشييد جدار فاصل بين المجالين. فالفن تحول إلى أداة دعائية، مراقَباً وموجَّهاً، يُسمح له بقدر ما يخدم صورة السلطة. والدين تقيّد وجرى تحويله إلى طقس منزلي أو خطاب منضبط، منزوع القدرة على مساءلة الدولة أو التعبير الحرّ عن المجتمع. هكذا خلق النظام تباعداً مصطنعاً بين الفن والدين: الفن محمول على خطاب “التنوير” الذي تحتكره السلطة، والدين محاصر داخل حدود “الاعتدال” الذي تحدده الأجهزة الأمنية. وبمرور الزمن، ترسخت الثنائية في الوعي الجماعي: من يصلي لا يُتوقع منه أن يرسم أو يكتب أو يغني، ومن يرسم أو يغني لا يُفترض به أن يصلي. هذه ليست حقيقة ثقافية… بل نتيجة سياسة ممنهجة.

    في فهم الفصل المتعاظم بين الدين والفن في المجتمع السوري، لا يمكن إغفال الدور العميق للمركزية الحكومية التي أسّس لها نظام البعث، إذ احتكرت الدولة الخطابين الديني والفني معاً، فأعادت تشكيلهما بما يخدم استقرارها السياسي. فالدين تحوّل إلى منظومة طقوسية منزوعٌ منها البعد الأخلاقي والاجتماعي الحقيقي، بينما صار الفن أداة ترويجية وأيديولوجية تُستخدم لإعادة إنتاج قيم الحزب. هذا الاحتكار لم يكتفِ بإعادة صياغة العلاقة بين الدين والفن، بل خلق مسافات واسعة بين الطبقات الاجتماعية نفسها، حيث شجّع النظام تصنيف المجتمع إلى طبقات متباينة: الريف مقابل المدينة، والنخبة مقابل العامة، والمثقف في مواجهة “الناس البسطاء”. وبهذا التصنيف، صُوّرت الفنون بوصفها ترفاً برجوازياً لا يليق إلا بالمدن وأبنائها، بينما جرى دفع التدين إلى خانة العفوية فصار “فطرة عامة الناس”، ما عمّق الهوّة وأنتج ذهنية اجتماعية ترى الفن غريباً عن الحياة اليومية، وترى الدين مسيّجاً ومختزلاً في السلوكيات المحافظة وحدها.

    كما لا يمكن تجاهل أثر التنشئة التربوية والأسرية التي تفاعلت مع هذه المنظومة عبر العقود، ففي خمسينات القرن الماضي، كانت البنية الاجتماعية أكثر انفتاحاً، والطبقة الوسطى أكثر حضوراً، ما جعل الفن جزءاً من حياة المدن السورية، من المسارح إلى السينما والصحافة، وكانت الممارسات الدينية معتدلة وغير مُسيّسة. لكن ابتداءً من السبعينات، ومع ازدياد القمع السياسي وتراجع الحريات وتحوّل الدين إلى ملاذ نفسي واجتماعي، بدأت موجة التشدد تتنامى. تعمّق هذا الاتجاه في الثمانينات بعد العنف الواسع بين النظام والإسلاميين، وترافق مع تراجع اقتصادي أدى إلى انحلال الطبقة الوسطى وصعود قيم أكثر انغلاقاً. ومع الهجرة الريفية الهائلة إلى المدن من دون خطط دمج أو تطوير ثقافي، انتقلت إلى الحيز المديني أنماط تدين تقليدية لم تقابلها مشاريع ثقافية حقيقية، فغاب التوازن وبرزت سرديات اجتماعية تربط الفن بالانحلال وتربط الدين بالمحافظة الأخلاقية.

    وفي خلفية هذا المشهد، لعبت الصور النمطية المتبادلة بين اليمين المتشدد واليسار السافر دوراً جوهرياً في صبّ الزيت على نار الانقسام. فاليمين الديني المتشدد رأى الفن تهديداً للقيم والأخلاق، وصوّر الفنان كعنصر دخيل على المجتمع. وفي المقابل، نظر اليسار الراديكالي إلى الدين باعتباره قوةً رجعية تعيق التقدم، فساهم في إقصاء المتدينين من فضاءات الثقافة والفنون. وبين هذين الخطابين المتطرفين، فُقدت المنطقة الوسطى التي تسمح بطرح سؤال بسيط: هل يمكن للإنسان أن يكون فناناً ومتديناً في آن واحد؟ ومع غياب هذا السؤال، تعمّقت الهوية المزدوجة الممزقة، وصار الانتساب إلى الفن يعني تلقائياً الخروج من خانة التدين، والالتزام الديني يعني الانفصال عن الفن.

    اليوم، ومع تفكك خطاب النظام وتآكل سلطته، تدخل سوريا — أينما وجد السوريون — لحظة حساسة تشبه العدالة الانتقالية: لحظة كشف الحقيقة، وفهم الماضي، وإعادة بناء الذاكرة. وفي هذه اللحظة بالذات، يتغير شكل الفن… وتتغير معه علاقة الفن بالدين جذرياً.

    الفن في العدالة الانتقالية لا يكتفي بأن يكون جمالياً؛ يصبح أداة لكسر السردية القديمة. فهو يكشف كيف استغل النظام الفن كواجهة، وكيف شيطن التدين، وكيف فصلهما عن بعضهما لخدمة معادلته السياسية. وحين يخرج المتدين من قوالب الرقابة، ويخرج الفنان من أسر الدعاية، يُمكن لحدود الهوية بالانهيار أمام حقيقتها الأصلية.

    وعندما يتحرر الدين من وظيفته السياسية المفروضة عليه، يعود إلى معناه الحقيقي: خبرة روحية وأخلاقية وإنسانية. وهنا يصبح الفن مستعداً للالتقاء به مجدداً — لكن اللقاء هذه المرة ليس لقاء تراثياً أو فولكلورياً فقط، بل تجلٍّ في موسيقى روحية دون رقابة، ومسرح يستكشف الأسئلة الوجودية، وأعمال تشكيلية تستلهم الميثولوجيا الدينية بحرية، وسرديات تُنصف المتدين وتقدم تجربته بوصفها جزءاً من الهوية السورية لا نقيضاً لها. في هذا الفضاء الجديد، يصبح السؤال: كيف يكمل الفن الدين؟ وكيف يكمل الدين الفن؟

    الفن في العدالة الانتقالية يحمل مسؤولية أخلاقية: أن يكون صادقاً، أن يحترم التجربة الإنسانية للضحايا، ألا يجمّل القمع ولا يسرق الألم. وهذه المسؤولية ليست بعيدة عن جوهر الدين، بل إن كثيراً من قيم العدالة والإنصاف والكرامة هي قيم دينية في أصلها وروحية في معناها. وهكذا، وللمرة الأولى منذ عقود، يصبح ما يجمع الفن والدين قيمة أخلاقية مشتركة، لا معركة يفرضها النظام بينهما.

    في المرحلة الجديدة، حدود الفن ليست حدوداً مفروضة باسم الدين ولا باسم السياسة، بل حدود إنسانية فقط: ألا يتحول الفن إلى أداة إهانة أو استغلال أو تشويه لتجارب الناس الروحية أو آلامهم، وألا يُستخدم الدين كأداة لقمع حرية التعبير. هي حدود تُبنى على الحساسية الأخلاقية، لا على الرقابة.

    ليس الهدف أن نثبت أن الفن “يتوافق” مع الدين، ولا أن الدين “يتحمل” الفن، بل أن نستعيد الحقيقة التي حاول البعث محوها: الإنسان قادر أن يكون الاثنين معاً. قادر أن يصلي ويغني، أن يؤمن ويبدع، وأن يعيش انتماءه الروحي دون أن يفقد حريته الجمالية. والفن في مرحلة العدالة الانتقالية ليس مجرد وسيلة للذاكرة، بل وسيلة لإعادة بناء توازن سُرق من السوري لعقود طويلة؛ توازن يسمح له أن يقول بثقة، وبدون خوف أو تناقض:

    “بصلي وبصوم… بس أنا فنان.”

  • سؤال الانتماء وهاجس النفي

    سؤال الانتماء وهاجس النفي

    الواقع السوري من منظور فلسطيني: سردية شخصية

    يوميات من الواقع المعاش، لعنة الوجود بين ضياع الهوية واللجوء

    إن تدوين الواقع السوري من منظور فلسطيني سوري يمثل تحدياً جماً للكاتب. فترجمة المشاعر المكبوتة، التي لا يُسمح بالإفصاح عنها، واسترجاع ذكريات طواها النسيان في غياب مستمع حقيقي، أمر بالغ الصعوبة. لكن العبء الأكبر يقع على عاتق القارئ، الذي يواجه قصصاً ومعلومات تُروى للمرة الأولى، وقد تكون هذه هي المرة الأخيرة.

    كما أنني أواجه صعوبة في تحديد نقطة بداية مناسبة لهذا الحديث، لذلك سأطرح سؤالاً لطالما شغل تفكيري: هل أجد في سوريا وطناً أنتمي إليه؟ والأهم من الإجابة، هو استكشاف أسباب هذا التساؤل.

    قد تكون الإجابة بسيطة ومختصرة في بعض الأحيان، بينما تتشعب وتتعقد في أحيان أخرى. في الواقع، لا أجد في سوريا انتماءً حقيقياً، وذلك لغياب أي صوت أو تمثيل لي هنا. فأنا محروم من حق الانتخاب، أي من حق الاختيار، على الرغم من ولادتي ونشأتي هنا، وتجذري في هذا المكان. لطالما شعرت بأنني مواطن من درجة دنيا، لأسباب أدركها جيداً، ولكنني أرفض الاعتراف بها.

    ومن الجدير بالذكر أننا، كفلسطينيين سوريين، لا نتمتع بحقوق ذوي الشهداء، حيث لا يحظى أفراد عائلات الشهداء الفلسطينيين بنفس الدعم الذي يحظى به غيرهم. كما أن الخدمة العسكرية مفروضة علينا في سوريا، على عكس الوضع في لبنان والأردن. بالإضافة إلى ذلك، يشير تقرير غير رسمي إلى أن عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون السورية يتجاوز الخمسين ألفاً.

    فنحن شركاء في كل جوانب الحياة، في الأفراح والأحزان، في الحياة والموت، في الأسر والحرية. ومع ذلك، أحمل بطاقة هوية تحمل عبارة “إقامة مؤقتة”، مما يجعلني أعيش في وطني كضيف مؤقت، مهدداً بالترحيل في أي لحظة.

    ومن المواقف التي لا تُنسى، سؤال أحد الزملاء: “متى سيتم ترحيلكم؟” كان وقع السؤال صادماً، ولكنني تمالكت نفسي وأجبته: “من غير اللائق طرح مثل هذا السؤال، خاصة في ظل الظروف التي نعيشها جميعاً. وأود أن أضيف أن بعض الجهات تستفيد مادياً من وجودنا هنا.”

    فأنا أمتلك لكنةً متداخلة، مزيج فريد من اللهجات الشامية والحمصية والفلسطينية واللبنانية، وذلك بحكم جذور والدتي الفلسطينية اللبنانية. هذا التنوع اللغوي، الذي لطالما افتخرت به، يمثل بالنسبة لي تجسيداً ثرياً لتعدد الثقافات التي أنتمي إليها.

    أجدني أطرح السؤال ذاته مجدداً: هل أشعر بالانتماء إلى سوريا؟ وهذه المرة، أقدم إجابة مغايرة لما سبق. نعم، أشعر بانتماء عميق، يصل إلى حد الشعور بالضياع والتوهان عند مغادرة سوريا، وتحديداً حمص. حمص، المدينة المظلومة والمنسية، التي قلما تغنى أحد بجمالها وبساطتها، وطيبة أهلها.

    حمص، المدينة التي لا يشعر فيها المرء بالغربة أبداً. تجول في شوارعها، في الحضارة، الدبلان، الغوطة، أو حتى بين الأنقاض، ستشعر أنك جزء من أهلها، مهما كان أصلك. أهلها يتميزون بالطيبة والكرم والسخاء، فإذا زرت حمص ولم تجد مأوى، فكل بيوتها مفتوحة لك.

    سوريا، وتحديداً حمص، أصبحت بالنسبة لي أغلى من الأهل، فهي تحتضن ذكريات وقصصاً لا يمكن أن تمحى. ذكريات صباحات الجامعة، وزحمة المواصلات، والخوف من التأخر عن المحاضرات. ذكريات الأصدقاء، الصحبة الصادقة، والسند الحقيقي في الأزمات. رغم كل الصعاب التي مرت بها البلاد، لا يزال هناك أناس طيبون وحنونون على بعضهم البعض؛ الشعب السوري الذي لطالما كان حنون ومعطاء، ولكن قست عليه الظروف.

    رغم ما قد يتبادر إلى الذهن من تساؤلات حول الانتماء، فإن قناعتي الراسخة وإرادتي الصلبة تؤكدان أن سوريا هي وطني الأول، ومصدر أحلامي، وهذا لن يتغير.

    لا أسعى إلى رسم صورة قاتمة، بل أردت فقط تسليط الضوء على فداحة الشعور بالضياع، الذي أدرك تماماً أنه يثقل كاهل كل سوري.

    إن العلاقة بين الإنسان ووطنه علاقة عصية على التفسير في معظم الأحيان. قد يتبدى للبعض أن الإنسان ينقم على وطنه بسبب وطأة الظروف، ولكن الحقيقة هي أن الوطن نفسه يرزح تحت وطأة هذه الظروف، ولا يملك حيالها حيلة.

    لابد من الاعتراف بوجود فجوة بين المواطن الفلسطيني والمواطن السوري. ولكن ما هي جذور هذه الفجوة؟ وما هي الدوافع التي تغذيها؟ هل يعود السبب إلى غياب قنوات التواصل الفعالة بين الطرفين؟

    لماذا يتم ترويج صورة نمطية سلبية عن الفلسطينيين، تصورهم على أنهم غير متحضرين وغير متعلمين؟ من المسؤول عن ترسيخ هذه الصورة المشوهة؟

    لماذا تتردد السلطات في السماح بدخول المخيمات الفلسطينية في مختلف المحافظات السورية؟ مما يخشون؟ هل يرون تهديداً؟ لا أظن ذلك.

    يستغرب الكثيرون عندما يعرفون أنني ولدت في سوريا، وأن والدي أيضاً ولد هنا. ما هو سبب هذا الجهل؟ ألم يسمعوا عن نكبة عام 1948 والتهجير القسري لأكثر من سبعمائة وخمسين ألف فلسطيني وتشتتهم في أصقاع الأرض؟

    كما أن هناك رفض ضمني من البعض لوجود موظف فلسطيني في المؤسسات الحكومية أو الخاصة، بدعوى أنه يشغل مكاناً مخصصاً لمواطن سوري. ولكن إلى متى سنظل أسيرين لهذا التفكير العتيق؟ كما يقول الأجداد، “الأرزاق مقسومة والأقدار مكتوبة”، فليس لأحد أن ينتزع رزق غيره.

    آن الأوان للاعتراف بالمواطن الفلسطيني السوري كعنصر أساسي في النسيج الاجتماعي السوري، حيث يتجاوز تعداده نصف مليون نسمة، وهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن.

    استكمالاً لما تطرقنا إليه سابقاً حول الفجوة القائمة بين المواطنين السوريين والفلسطينيين السوريين، نجد أن المشهد يتكرر اليوم بصورة مغايرة وأكثر تعقيداً. فمنذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، الذي شهد عودة الأهالي من الشمال وتركيا ولبنان إلى مختلف المحافظات السورية، نلمس صعوبة في التآلف والتأقلم فيما بيننا. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، منها الاختلافات المكانية والمناخية، وتفاوت الأفكار والمعتقدات.

    المفارقة تكمن في أن المعادلة اليوم هي سوري في مواجهة سوري، يتشاركان اللهجة والجذور، ومع ذلك يجدان صعوبة في التواصل والانسجام. فما بالنا بالفجوة بين الفلسطيني والسوري؟ إن هذا الشرخ أمر طبيعي، وسيتلاشى بمرور الوقت. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكننا تسريع هذه العملية؟ أرى أن الحل يكمن في التواصل والاحتكاك المباشر، وفي الإصغاء المتبادل قبل الكلام، وفي التوحد كجسد واحد بأرواح متنوعة، وفي هدم الحواجز التي أقامها النظام السابق بيننا.

    المواطن الفلسطيني السوري ليس غريباً عن المكون السوري، فهو تماماً كما يحمل كل سوري انتماءً فريداً إلى مدينته أو منطقته، سواء كان سورياً حمصياً، شامياً، أو حلبياً، أنا أحمل انتماءً مزدوجاً، فأنا سوري فلسطيني.

    في نهاية هذه الرحلة عبر الواقع السوري من منظور فلسطيني، أجد نفسي أمام لوحة معقدة من المشاعر والتجارب. إنها قصة انتماء وتمزق، قصة هوية ضائعة وأحلام مبعثرة، قصة شعبين يتقاسمان الألم والأمل.

    لقد حاولت قدر الإمكان أن أنقل صورة صادقة عن الواقع المعاش، بكل ما فيه من صعوبات وتحديات. لم أهدف إلى تجميل الواقع أو تشويهه، بل أردت فقط أن أشارك تجربتي الشخصية، وأن أساهم في إيصال صوت الفلسطينيين السوريين، الذين يمثلون جزءاً لا يتجزأ من هذا الوطن.

    أؤمن بأن الحوار والتواصل هما السبيل الوحيد لتجاوز الفجوات وتوحيد الصفوف، وأؤمن بأن الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي هو أساس بناء مجتمع متماسك وقوي.

    وأتمنى أن نتمكن جميعاً، سوريين وفلسطينيين، من بناء مستقبل مشرق لهذا الوطن، مستقبل يسوده السلام والعدل والحرية.