عاشت سوريا فترات استقرارٍ سياسي قليلة، في بلدٍ تعاقبت عليه أنظمة الحكم وسقطت مرارًا منذ استقلاله حتى نهاية حكم عائلة الأسد، ذلك الحكم الذي جسّد فكرة “الأبد” بامتياز — من الأب إلى الابن. لكن السؤال الأعمق هنا: هل يكفي سقوط “أبد السلطة” لإسقاط إرث الأبد الذي تحمله سوريا منذ استعمارها على يد الأوروبي الأبيض، كحال كثير من الشعوب التي خضعت للمستعمر.
إنّ هذا الإرث الأبدي لا يتمثل فقط في الأنظمة السياسية أو القانونية، بل يمتد إلى شكل المجتمع ذاته، وأجساده، وجنسانية جماعاته، وصورته عن ذاته. إنّه إرثٌ متجّذر في البنية الثقافية التي خلّفها الانتداب الفرنسي وما قبله، والتي ما زالت تحدد بعمقٍ غير مرئي، كيف نفكر في الجسد..في السلطة..وفي الهوية.
الهويّة الثقافية التي نتعامل معها بالكثير من الأحيان بفخرٍ وطنيّ، بوصفها “إرثنا الحضاري السوري”، ربما تكون في جوهرها أحد أكثر منتجات الاستعمار رسوخًا. لم نجرؤ بعد على تفكيكها أو مساءلتها بصدق، وكأن صورتنا الراهنة عن أنفسنا ليست سوى أبدية جديدة، لا يجوز المساس بها، ولا يُسمح بإعادة النظر فيها.
من إرث الانتداب إلى مؤسسات الدولة الحديثة

لا يمكن قراءة الحاضر الثقافي السوري من دون العودة إلى لحظة التأسيس الأولى للمؤسسات التي صاغت معناه؛ أي إلى زمن الانتداب الفرنسي. فالهياكل الإدارية والثقافية التي أُنشئت خلال تلك المرحلة لم تُفكك فعليًا بعد الاستقلال، بل جرى إعادة توطينها داخل خطاب وطني جديد حافظ على منطقها الأساسي: السيطرة، والانضباط/التهذيب، وضبط الأجساد.
هكذا، لم يكن الاستقلال حدثًا قاطعًا مع الإرث الاستعماري، بل شكلًا من الاستمرارية المقنّعة. تولّت الدولة الوطنية بعد 1946 (مابعد الجلاء) إعادة إنتاج أدوات الهيمنة ذاتها التي أرسى المستعمر أسسها، ولكن تحت شعارات السيادة والوحدة القومية. ومن بين أبرز أدوات هذه الاستمرارية كانت المؤسسة الثقافية العامة، التي تولّت احتكار تعريف “الهوية السورية”، ليس فقط من حيث الخطاب السياسي، بل أيضًا من خلال ترسيم حدود المقبول جندريًا وجنسانيًا وأخلاقيًا.
الجنسانية كأداة سلطة وانضباط

من منظور ما بعد استعماري، يمكن فهم الجنسانية كجزء من منظومة السيطرة الحديثة التي حلّلها ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية (1976). فتنظيم الجنسانية لم يكن يومًا شأنًا خاصًا أو فرديًا، بل كان وسيلة الدولة لضبط الجسد والعلاقات الاجتماعية وإنتاج المواطن “الصالح/المنضبط”.
في الحالة السورية، ورثت الدولة الحديثة هذا المنطق عن سلطة الانتداب، حيث استُخدم الجسد — وخاصة جسد المرأة والمثلي جنسياً، كموقع لإثبات الانضباط الوطني والأخلاقي. فالمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية التي أُنشئت بعد الاستقلال لم تتبنّ رؤية تحررية للجسد، بل أعادت إنتاج نظام السيطرة الكولونيالي/الاستعماري الذي يربط بين الأخلاق والانتماء، بين الطاعة الجنسية والولاء الوطني.
أنتجت القوى الاستعمارية والمشاريع القومية اللاحقة معايير جنسانية/جندرية جامدة في المجتمعات ما بعد الاستعمار، مما أدى إلى عزل المجتمعات عن هوياتها ما قبل الاستعمار. لقد جرم النظام القانوني السوري، الذي تعود جذوره إلى الحكم العثماني والفرنسي، العلاقات المثلية منذ عام 1949. تحظر المادة 520 من قانون العقوبات “الميول الجنسية غير الطبيعية” بعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات سجن. وقد أجبر هذا النظام الأشخاص الكويرين/المثليين من مجتمع الميم في سورية على إخفاء هوياتهم لتجنب الاعتقال والتمييز. وخلال نظام الأسد الذي حكم البلاد لما يزيد على خمسين عاماً، تعرضت المثلية الجنسية لقمعٍ منهجي عبر التشريعات، والخطابات التي ترعاها الدولة، وآليات الأمن التي استخدمت لابتزاز ومراقبة وملاحقة مجتمع الميم، خاصة خلال الثورة السورية.
من هنا، يمكن القول إن القطاع العام الثقافي لم يكن مجرد “راعيًا” للإبداع أو “حاميًا للهوية”، بل كان — وما زال — أداةً لإعادة إنتاج ما هو طبيعي ومشروع مقابل ما هو “شاذ/غريب” أو “غير طبيعي”. وبالتالي تعريف الهوية الوطنية السورية ضمن ثنائية مغايرة صارمة: الذكر الملتزم (الرجل حامي الوطن) والأنثى العفيفة (المرأة الأم وحافظة شرف الأمة)، في حين أُقصي كل من يقع خارج هذه الثنائية باعتباره تهديدًا لـ “النسيج الوطني” أو لـ “الأخلاق العامة”، بما في ذلك المبادئ الدينية التي توظَّف لتبرير هذا الإقصاء.
الهوية بين التمثيل والغياب

إذا تأملنا الإنتاج الثقافي الرسمي خلال العقود الستة الماضية، من المسرح والدراما إلى الأدب والمناهج الدراسية، نجد أن ما يجمعها هو غياب شبه تام لأيّة سردية تعترف بالهويات غير المعيارية، سواء الجندرية أو الجنسانية. هذا الغياب لم يكن مجرد إهمالٍ عفوي، بل سياسة ممنهجة للإقصاء.
بُنيت الهوية السورية في الثقافة الرسمية حول صورة مثالية للمواطن القومي الملتزم والمغاير جنسيًا، الذي ينتمي لجسدٍ “طبيعي” وجنسانية “منضبطة”. وما يُستبعد من هذا النموذج يُحوَّل إلى “آخر” يُسخر منه أو يُخشى منه، أو يُشيطن تمامًا. يشير إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق (1978) إلى أنّ الاستعمار لم يكن مشروعًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا معرفيًا وجنسيًا حدّد من يُمثل ومن يُحجب صوته. في السياق السوري، تبنّت الدولة الوطنية هذا الإرث، فاستبدلت “الآخر غير الطبيعي” عوضًا عن “الآخر غير الطبيعي” الذي صاغه المستعمر الأبيض، أي الجسد غير المعياري والهوية الجندرية المختلفة.
وبالمحصلة تحوّلت الثقافة الرسمية إلى جهاز لإنتاج الغياب: غياب التمثيل، وغياب الخطاب، وغياب الحق في الوجود ضمن المجال الرمزي والثقافي، حيث لا يستحق الحضور أو الاعتراف كل ما تراه السلطة السياسية أو الدينية “آخرًا منحرفًا وضالًا”.
الدراما السورية نموذجاً: من الواقعية الاجتماعية إلى ضبط الهوية

يظهر التواطؤ بين السلطة والقطاع العام الثقافي بالدراما السورية كأبرز الأمثلة، وهي التي وُلدت في كنف المؤسسة الرسمية، بدءًا من المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي. رغم أن هذه الدراما قدمت أعمالًا ذات بعدٍ اجتماعي وسياسي، إلّا أنها ظلت حبيسة إطارٍ أخلاقي صارم أعاد إنتاج الثنائية الجندرية: الذكورة المهيمنة والأنوثة الخاضعة.
تُقدّم المرأة غالبًا كرمزٍ للشرف أو التضحية، والرجل كممثل للعقل والسلطة. أمّا أي تمثيل لهويات كويرية أو غير مغايرة فظلت غائبةً أو مُشوّهة. حتى في لحظات “الجرأة” النسبية، تم تناول هذه الهويات من موقع المرض أو الانحراف أو الكوميديا، لا بوصفها جزءًا من الواقع الاجتماعي والثقافي السوري.
وتُظهر اللغة اليومية نفسها امتداد هذه البنية القمعية، إذ يوصف الجسد المثلي بـ”السلبي” ويطلق كشتيمة تلتصق بالمثليين لتأنيثهم رمزيًا وإخضاعهم اجتماعيًا، كما هو الحال عند الحديث عن أجساد النساء بوصفها “سلبية” خاضعة جنسيًا في مجتمع ذكوري. كما تلاحظ سيرينا تولينو (2014) أن “السلبية” في الخطاب السوري العام والمحكي ترتبط بالدونية الاجتماعية والمثلية معًا، ما يجعلها أداةً لإهانة الآخر وإعادة إنتاج تراتبية الذكورة والسلطة. هذا التداخل بين الجندر والجنسانية يعكس ما تصفه ماريا لوغونيس بـ”كولونيالية الجندر”، أي تَرسُّخ البنى الاستعمارية داخل المفاهيم المحلية للجسد والعلاقة والهوية.
يعكس هذا الغياب في التمثيل رقابةً معرفية إلى جانب رقابة سياسية، وهي -الرقابة المعرفية- ناتجة عن استمرار البنية الكولونيالية في تعريف ما هو طبيعي، ومن يحق له أن يمثل باسم “الوطن”. فالقطاع الثقافي العام مارس سلطةً مضاعفة: سلطة الدولة الحديثة التي تحتكر الإنتاج الرمزي، وسلطة الأخلاق التي تستند إلى تصور استعماري للجسد المنضبط.
الاستعمار من الداخل واستمرار البنى القديمة

من المهم النظر إلى هذه الديناميكيات بوصفها امتدادًا لاستعمار الآخر. فالمؤسسات التي ورثتها الدولة السورية عن الانتداب لم تكن مجرد أدوات إدارية، بل آليات لإنتاج مواطن منضبط عبر ضبط الرغبة والجنسانية. وحين نتمعن في خطاب الدولة حول “الثقافة الوطنية”، نجد أنه يعيد إنتاج العلاقة نفسها التي رسمها المستعمر بين “الشرق المنفلت” و”الغرب المتحضر”، لكن هذه المرة داخل الجسد السوري ذاته.
بهذا المعنى، تستمر المؤسسات الثقافية العامة في ممارسة الاستعمار من الداخل: فهي تُخضع “الآخرين” السوريين أنفسهم — النساء، وهويات مجتمع الميم، وكل المختلفين — إلى خطاب انضباطي يعيد إنتاج التراتبية القديمة بين المتحكم والخاضع.
نحو تفكيك ثلاثية الأبد: الاستعمار، الجنسانية، الهوية

تفكيك هذه البنية لا يعني فقط نبش الماضي، بل مساءلة الحاضر الذي يعيد إنتاجه. فطالما لم يتم تحرير مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسات الثقافة السورية من تركة المستعمر، ستبقى الجنسانية أداة ضبط، والهوية إطار إقصاء، والثقافة مجالًا لتطبيع العنف الرمزي والمادّي ضد الآخر.
إعادة التفكير في العلاقة بين “الاستعمار – الجنسانية – الهوية” وتفكيكها هي دعوة لإعادة كتابة التاريخ الثقافي السوري من منظور يقرّ بتعدد الأصوات والهويات، ويفكك التاريخ المُقدَّم كقصة واحدة مكتوبة من قبل الأقوياء. هذا التفكيك يكشف كيف استخدمت السلطة تعريفات الجنسانية والهوية لوصم الآخر على أنه “منحرف وغير طبيعي”، بموجب قوانين وقواعد أُنشِئَت أصلاً في ظل الاستعمار وأُعيد إنتاجها وتبنّيها محلياً.
إنّ الاعتراف بالهويات المختلفة اليوم لا يشكل تهديدًا للهوية الوطنية، بل يفتح أفقًا لهوية أكثر محلية وإنسانية كانت حاضرة قبل وجود المستعمر؛ هوية رحبة تتسع للانتماءات المتقاطعة، وتعترف بتاريخها المقموع، بدل أن تواصل نفيه.
الثقافة السورية، كما تُنتَج في مؤسساتها العامة، لا تزال أسيرة ثلاثية أبدية: الاستعمار – الجنسانية – الهوية. تعمل هذه الثلاثية كآلية متواصلة لضبط الحاضر عبر ترويض الماضي، وتجعل من الحديث عن التحرر الثقافي مجرد إعادة إنتاج لأشكال جديدة من السيطرة. إن كسر هذا النسق يتطلب مساءلة البنى نفسها، لا رموزها فقط، مساءلة المؤسسات التي تُعرّف من هو المواطن، ومن يُسمح له أن يكون مرئياً أو مسموعاً. وحينها فقط؛ يمكن أن نعيد للثقافة معناها التحرري عبر تفكيك هذا الإرث، ومنح المغيبين والمختلفين فرصة المشاركة في رسمَ صورة ثقافتنا وهويتنا اليوم.
المراجع والمقالات
كما وردت في الأصل:
- My Bachelor Thesis: Alkuzbari, A. (2025). YALLA HABIBI HIT, VI ÄR MUJTAMA AL-MEEM/مجتمع الميم – Queera liv i en syrisk heteronormativ kontext: identiteter i skuggan, motståndsstrategier, och framtida (o)möjligheter. http://lup.lub.lu.se/student-papers/record/9206230
- Butler, J. (2006). Gender trouble: Feminism and the Subversion of Identity. Routledge.
- Foucault, Michel (1978). The History of Sexuality, Volume 1: An Introduction.
- Said, E.W. (1979). Orientalism. New York: Vintage Books.
- Tolino, S. (2014). Homosexuality in the Middle East: an analysis of dominant and competitive discourses. DEP. Deportate, Esuli, Profughe, 25:72–91.
- Lugones, M. (2008). The Coloniality of Gender. Worlds & Knowledges Otherwise 2(2): 1-17.
مترجمة إلى العربية:
- رسالتي لدرجة البكالوريوس في دراسات الجندر: الكزبري، عبود (2025). يلا حبيبي لهون، نحنا مجتمع الميم – حياة الكوير في سياق سوري مغاير: هويات في الظل، استراتيجيات المقاومة، و(لا) إمكانيات مستقبلية.
- بتلر، جوديث (2006). اضطراب الجندر: النسوية وتخريب الهوية.
- فوكو، ميشيل (1978). تاريخ الجنسانية، المجلد الأول: مقدمة.
- سعيد، إدوارد (1979). الاستشراق.
- تولينو، سيرينا (2014). المثلية الجنسية في الشرق الأوسط: تحليل للخطابات المهيمنة والتنافسية.
- لوغونيس، ماريا (2008). الاستعمارية الجندرية.


