Author: عبود سيليا الكزبري

  • الاستعمار – الجنسانية – الهوية: ثلاثية الأبد التي يجب تفكيكها

    الاستعمار – الجنسانية – الهوية: ثلاثية الأبد التي يجب تفكيكها

    عاشت سوريا فترات استقرارٍ سياسي قليلة، في بلدٍ تعاقبت عليه أنظمة الحكم وسقطت مرارًا منذ استقلاله حتى نهاية حكم عائلة الأسد، ذلك الحكم الذي جسّد فكرة “الأبد” بامتياز — من الأب إلى الابن. لكن السؤال الأعمق هنا: هل يكفي سقوط “أبد السلطة” لإسقاط إرث الأبد الذي تحمله سوريا منذ استعمارها على يد الأوروبي الأبيض، كحال كثير من الشعوب التي خضعت للمستعمر.

    إنّ هذا الإرث الأبدي لا يتمثل فقط في الأنظمة السياسية أو القانونية، بل يمتد إلى شكل المجتمع ذاته، وأجساده، وجنسانية جماعاته، وصورته عن ذاته. إنّه إرثٌ متجّذر في البنية الثقافية التي خلّفها الانتداب الفرنسي وما قبله، والتي ما زالت تحدد بعمقٍ غير مرئي، كيف نفكر في الجسد..في السلطة..وفي الهوية.

    الهويّة الثقافية التي نتعامل معها بالكثير من الأحيان بفخرٍ وطنيّ، بوصفها “إرثنا الحضاري السوري”، ربما تكون في جوهرها أحد أكثر منتجات الاستعمار رسوخًا. لم نجرؤ بعد على تفكيكها أو مساءلتها بصدق، وكأن صورتنا الراهنة عن أنفسنا ليست سوى أبدية جديدة، لا يجوز المساس بها، ولا يُسمح بإعادة النظر فيها.

    من إرث الانتداب إلى مؤسسات الدولة الحديثة

    لا يمكن قراءة الحاضر الثقافي السوري من دون العودة إلى لحظة التأسيس الأولى للمؤسسات التي صاغت معناه؛ أي إلى زمن الانتداب الفرنسي. فالهياكل الإدارية والثقافية التي أُنشئت خلال تلك المرحلة لم تُفكك فعليًا بعد الاستقلال، بل جرى إعادة توطينها داخل خطاب وطني جديد حافظ على منطقها الأساسي: السيطرة، والانضباط/التهذيب، وضبط الأجساد.

    هكذا، لم يكن الاستقلال حدثًا قاطعًا مع الإرث الاستعماري، بل شكلًا من الاستمرارية المقنّعة. تولّت الدولة الوطنية بعد 1946 (مابعد الجلاء) إعادة إنتاج أدوات الهيمنة ذاتها التي أرسى المستعمر أسسها، ولكن تحت شعارات السيادة والوحدة القومية. ومن بين أبرز أدوات هذه الاستمرارية كانت المؤسسة الثقافية العامة، التي تولّت احتكار تعريف “الهوية السورية”، ليس فقط من حيث الخطاب السياسي، بل أيضًا من خلال ترسيم حدود المقبول جندريًا وجنسانيًا وأخلاقيًا.

    الجنسانية كأداة سلطة وانضباط

    من منظور ما بعد استعماري، يمكن فهم الجنسانية كجزء من منظومة السيطرة الحديثة التي حلّلها ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية (1976). فتنظيم الجنسانية لم يكن يومًا شأنًا خاصًا أو فرديًا، بل كان وسيلة الدولة لضبط الجسد والعلاقات الاجتماعية وإنتاج المواطن “الصالح/المنضبط”.

    في الحالة السورية، ورثت الدولة الحديثة هذا المنطق عن سلطة الانتداب، حيث استُخدم الجسد — وخاصة جسد المرأة والمثلي جنسياً، كموقع لإثبات الانضباط الوطني والأخلاقي. فالمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية التي أُنشئت بعد الاستقلال لم تتبنّ رؤية تحررية للجسد، بل أعادت إنتاج نظام السيطرة الكولونيالي/الاستعماري الذي يربط بين الأخلاق والانتماء، بين الطاعة الجنسية والولاء الوطني.

    أنتجت القوى الاستعمارية والمشاريع القومية اللاحقة معايير جنسانية/جندرية جامدة في المجتمعات ما بعد الاستعمار، مما أدى إلى عزل المجتمعات عن هوياتها ما قبل الاستعمار. لقد جرم النظام القانوني السوري، الذي تعود جذوره إلى الحكم العثماني والفرنسي، العلاقات المثلية منذ عام 1949. تحظر المادة 520 من قانون العقوبات “الميول الجنسية غير الطبيعية” بعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات سجن. وقد أجبر هذا النظام الأشخاص الكويرين/المثليين من مجتمع الميم في سورية على إخفاء هوياتهم لتجنب الاعتقال والتمييز. وخلال نظام الأسد الذي حكم البلاد لما يزيد على خمسين عاماً، تعرضت المثلية الجنسية لقمعٍ منهجي عبر التشريعات، والخطابات التي ترعاها الدولة، وآليات الأمن التي استخدمت لابتزاز ومراقبة وملاحقة مجتمع الميم، خاصة خلال الثورة السورية.

    من هنا، يمكن القول إن القطاع العام الثقافي لم يكن مجرد “راعيًا” للإبداع أو “حاميًا للهوية”، بل كان — وما زال — أداةً لإعادة إنتاج ما هو طبيعي ومشروع مقابل ما هو “شاذ/غريب” أو “غير طبيعي”. وبالتالي تعريف الهوية الوطنية السورية ضمن ثنائية مغايرة صارمة: الذكر الملتزم (الرجل حامي الوطن) والأنثى العفيفة (المرأة الأم وحافظة شرف الأمة)، في حين أُقصي كل من يقع خارج هذه الثنائية باعتباره تهديدًا لـ “النسيج الوطني” أو لـ “الأخلاق العامة”، بما في ذلك المبادئ الدينية التي توظَّف لتبرير هذا الإقصاء.

    الهوية بين التمثيل والغياب

    إذا تأملنا الإنتاج الثقافي الرسمي خلال العقود الستة الماضية، من المسرح والدراما إلى الأدب والمناهج الدراسية، نجد أن ما يجمعها هو غياب شبه تام لأيّة سردية تعترف بالهويات غير المعيارية، سواء الجندرية أو الجنسانية. هذا الغياب لم يكن مجرد إهمالٍ عفوي، بل سياسة ممنهجة للإقصاء.

    بُنيت الهوية السورية في الثقافة الرسمية حول صورة مثالية للمواطن القومي الملتزم والمغاير جنسيًا، الذي ينتمي لجسدٍ “طبيعي” وجنسانية “منضبطة”. وما يُستبعد من هذا النموذج يُحوَّل إلى “آخر” يُسخر منه أو يُخشى منه، أو يُشيطن تمامًا. يشير إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق (1978) إلى أنّ الاستعمار لم يكن مشروعًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا معرفيًا وجنسيًا حدّد من يُمثل ومن يُحجب صوته. في السياق السوري، تبنّت الدولة الوطنية هذا الإرث، فاستبدلت “الآخر غير الطبيعي” عوضًا عن “الآخر غير الطبيعي” الذي صاغه المستعمر الأبيض، أي الجسد غير المعياري والهوية الجندرية المختلفة.

    وبالمحصلة تحوّلت الثقافة الرسمية إلى جهاز لإنتاج الغياب: غياب التمثيل، وغياب الخطاب، وغياب الحق في الوجود ضمن المجال الرمزي والثقافي، حيث لا يستحق الحضور أو الاعتراف كل ما تراه السلطة السياسية أو الدينية “آخرًا منحرفًا وضالًا”.

    الدراما السورية نموذجاً: من الواقعية الاجتماعية إلى ضبط الهوية

    يظهر التواطؤ بين السلطة والقطاع العام الثقافي بالدراما السورية كأبرز الأمثلة، وهي التي وُلدت في كنف المؤسسة الرسمية، بدءًا من المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي. رغم أن هذه الدراما قدمت أعمالًا ذات بعدٍ اجتماعي وسياسي، إلّا أنها ظلت حبيسة إطارٍ أخلاقي صارم أعاد إنتاج الثنائية الجندرية: الذكورة المهيمنة والأنوثة الخاضعة.

    تُقدّم المرأة غالبًا كرمزٍ للشرف أو التضحية، والرجل كممثل للعقل والسلطة. أمّا أي تمثيل لهويات كويرية أو غير مغايرة فظلت غائبةً أو مُشوّهة. حتى في لحظات “الجرأة” النسبية، تم تناول هذه الهويات من موقع المرض أو الانحراف أو الكوميديا، لا بوصفها جزءًا من الواقع الاجتماعي والثقافي السوري.

    وتُظهر اللغة اليومية نفسها امتداد هذه البنية القمعية، إذ يوصف الجسد المثلي بـ”السلبي” ويطلق كشتيمة تلتصق بالمثليين لتأنيثهم رمزيًا وإخضاعهم اجتماعيًا، كما هو الحال عند الحديث عن أجساد النساء بوصفها “سلبية” خاضعة جنسيًا في مجتمع ذكوري. كما تلاحظ سيرينا تولينو (2014) أن “السلبية” في الخطاب السوري العام والمحكي ترتبط بالدونية الاجتماعية والمثلية معًا، ما يجعلها أداةً لإهانة الآخر وإعادة إنتاج تراتبية الذكورة والسلطة. هذا التداخل بين الجندر والجنسانية يعكس ما تصفه ماريا لوغونيس بـ”كولونيالية الجندر”، أي تَرسُّخ البنى الاستعمارية داخل المفاهيم المحلية للجسد والعلاقة والهوية.

    يعكس هذا الغياب في التمثيل رقابةً معرفية إلى جانب رقابة سياسية، وهي -الرقابة المعرفية- ناتجة عن استمرار البنية الكولونيالية في تعريف ما هو طبيعي، ومن يحق له أن يمثل باسم “الوطن”. فالقطاع الثقافي العام مارس سلطةً مضاعفة: سلطة الدولة الحديثة التي تحتكر الإنتاج الرمزي، وسلطة الأخلاق التي تستند إلى تصور استعماري للجسد المنضبط.

    الاستعمار من الداخل واستمرار البنى القديمة

    من المهم النظر إلى هذه الديناميكيات بوصفها امتدادًا لاستعمار الآخر. فالمؤسسات التي ورثتها الدولة السورية عن الانتداب لم تكن مجرد أدوات إدارية، بل آليات لإنتاج مواطن منضبط عبر ضبط الرغبة والجنسانية. وحين نتمعن في خطاب الدولة حول “الثقافة الوطنية”، نجد أنه يعيد إنتاج العلاقة نفسها التي رسمها المستعمر بين “الشرق المنفلت” و”الغرب المتحضر”، لكن هذه المرة داخل الجسد السوري ذاته.

    بهذا المعنى، تستمر المؤسسات الثقافية العامة في ممارسة الاستعمار من الداخل: فهي تُخضع “الآخرين” السوريين أنفسهم — النساء، وهويات مجتمع الميم، وكل المختلفين — إلى خطاب انضباطي يعيد إنتاج التراتبية القديمة بين المتحكم والخاضع.

    نحو تفكيك ثلاثية الأبد: الاستعمار، الجنسانية، الهوية

    تفكيك هذه البنية لا يعني فقط نبش الماضي، بل مساءلة الحاضر الذي يعيد إنتاجه. فطالما لم يتم تحرير مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسات الثقافة السورية من تركة المستعمر، ستبقى الجنسانية أداة ضبط، والهوية إطار إقصاء، والثقافة مجالًا لتطبيع العنف الرمزي والمادّي ضد الآخر.

    إعادة التفكير في العلاقة بين “الاستعمار – الجنسانية – الهوية” وتفكيكها هي دعوة لإعادة كتابة التاريخ الثقافي السوري من منظور يقرّ بتعدد الأصوات والهويات، ويفكك التاريخ المُقدَّم كقصة واحدة مكتوبة من قبل الأقوياء. هذا التفكيك يكشف كيف استخدمت السلطة تعريفات الجنسانية والهوية لوصم الآخر على أنه “منحرف وغير طبيعي”، بموجب قوانين وقواعد أُنشِئَت أصلاً في ظل الاستعمار وأُعيد إنتاجها وتبنّيها محلياً.

    إنّ الاعتراف بالهويات المختلفة اليوم لا يشكل تهديدًا للهوية الوطنية، بل يفتح أفقًا لهوية أكثر محلية وإنسانية كانت حاضرة قبل وجود المستعمر؛ هوية رحبة تتسع للانتماءات المتقاطعة، وتعترف بتاريخها المقموع، بدل أن تواصل نفيه.

    الثقافة السورية، كما تُنتَج في مؤسساتها العامة، لا تزال أسيرة ثلاثية أبدية: الاستعمار – الجنسانية – الهوية. تعمل هذه الثلاثية كآلية متواصلة لضبط الحاضر عبر ترويض الماضي، وتجعل من الحديث عن التحرر الثقافي مجرد إعادة إنتاج لأشكال جديدة من السيطرة. إن كسر هذا النسق يتطلب مساءلة البنى نفسها، لا رموزها فقط، مساءلة المؤسسات التي تُعرّف من هو المواطن، ومن يُسمح له أن يكون مرئياً أو مسموعاً. وحينها فقط؛ يمكن أن نعيد للثقافة معناها التحرري عبر تفكيك هذا الإرث، ومنح المغيبين والمختلفين فرصة المشاركة في رسمَ صورة ثقافتنا وهويتنا اليوم.

    المراجع والمقالات

    كما وردت في الأصل:

    • My Bachelor Thesis:  Alkuzbari, A. (2025). YALLA HABIBI HIT, VI ÄR MUJTAMA AL-MEEM/مجتمع الميم – Queera liv i en syrisk heteronormativ kontext: identiteter i skuggan, motståndsstrategier, och framtida (o)möjligheter. http://lup.lub.lu.se/student-papers/record/9206230
    • Butler, J. (2006). Gender trouble: Feminism and the Subversion of Identity. Routledge.
    • Foucault, Michel (1978). The History of Sexuality, Volume 1: An Introduction.
    • Said, E.W. (1979). Orientalism. New York: Vintage Books.
    • Tolino, S. (2014). Homosexuality in the Middle East: an analysis of dominant and competitive discourses. DEP. Deportate, Esuli, Profughe, 25:72–91.
    • Lugones, M. (2008). The Coloniality of Gender. Worlds & Knowledges Otherwise 2(2): 1-17.

    مترجمة إلى العربية:

    • رسالتي لدرجة البكالوريوس في دراسات الجندر: الكزبري، عبود (2025). يلا حبيبي لهون، نحنا مجتمع الميم – حياة الكوير في سياق سوري مغاير: هويات في الظل، استراتيجيات المقاومة، و(لا) إمكانيات مستقبلية.
    • بتلر، جوديث (2006). اضطراب الجندر: النسوية وتخريب الهوية.
    • فوكو، ميشيل (1978). تاريخ الجنسانية، المجلد الأول: مقدمة.
    • سعيد، إدوارد (1979). الاستشراق.
    • تولينو، سيرينا (2014). المثلية الجنسية في الشرق الأوسط: تحليل للخطابات المهيمنة والتنافسية.
    • لوغونيس، ماريا (2008). الاستعمارية الجندرية.
  • بين أدائية الجندر وصناعة ‘الآخر’

    بين أدائية الجندر وصناعة ‘الآخر’

    الأداء الجندري، صناعة الآخر، والانتهاك بحق المجموعات الجندرية المهمشة في المجتمع السوري

    توطئة. تاريخ المجتمعات لا يُكتب فقط عبر الأحداث السياسية الكبرى، بل من خلال حياة الأفراد وهوياتهم المتشابكة، عبر ممارساتهم اليومية ومعاناتهم ضد الأنظمة التي تسعى لإخضاعهم حتى وأن كانت هذه السلطة اجتماعية قبل أن تأخذ شكلها المؤسساتي وهنا أقصد الدولة. في سورية، كما في العديد من المجتمعات الأخرى، تُنتج السلطة خطاباً يُعيد إنتاج العنف ضد الفئات المهمشة، خصوصاً المجموعات الجندرية، حيث يتم استهدافهم عبر القوانين، والوصم الاجتماعي، والعنف الممنهج، كما وضح بيان ترانسات حول قمع العابرين والعابرات في سورية.

    هل الجندر هوية أم فعل قسري؟

    تُفكك جوديث بتلر في مفهوم الأداء الجندري (Gender Performativity) فكرة أن الجندر هو جوهر ثابت، وتدعي أنه مجرد فعل متكرر يُعاد إنتاجه داخل المنظومة الاجتماعية. بمعنى أن الأفراد لا “يكونون” رجالاً أو نساءً، بل “يؤدون” هذه الأدوار وفقاً لأنظمة الخطاب والمعايير الاجتماعية السائدة. هذا الأداء ليس حراً أو اختيارياً بالكامل، بل هو مشروط بالعقاب أو المكافأة الاجتماعية. فمن يؤدي دوره “بنجاح”، أي بما يتماشى مع الثنائية الجندرية المقبولة، ينال القبول، بينما من يخرج عن هذه القوالب يواجه الإقصاء والتهميش، أو حتى القمع والاضطهاد.

    في هذا السياق، يتم استبعاد أولئك الذين لا يتماشون مع هذه الأدوار، سواء بسبب هويتهم الجندرية أو ميولهم الجنسية، ويُنظر إليهم على أنهم “الآخر”، أي تهديد للنظام الثنائي للجندر (امرأة/رجل) والجنس (أنثى/ذكر). هذه الازدواجية ليست مجرد تنظيم اجتماعي، بل هي جزء من منظومة أيديولوجية تضمن استمرارية السلطة والسيطرة، حيث يتم تهميش أي هوية تقع خارج الثنائية الجندرية (امرأة/رجل).

    من هنا، تأتي الانتهاكات التي تمارس بحق الأفراد المختلفين، ليس فقط على المستوى القانوني أو المؤسسي، بل أيضاً في الحياة اليومية من خلال الإقصاء، والعنف الرمزي والمادي، والوصم الاجتماعي. هذه الانتهاكات ليست مجرد “أحداث فردية”، بل هي جزء من نظام أوسع يُعيد إنتاج العنف للحفاظ على الهياكل الجندرية القائمة.

    هالهياكل يلي بتتشكل عن طريق ما يعرف بالأدائية الجندرية كما وصفتها بتلر، لهيك إذا بدنا نبسط مفهوم الأدائية الجندرية، منكون بحاجة لاستعارة خشبة المسرح وتشبيه دور الممثل على خشبة هالمسرح بدور الفرد في المجتمع…وهيك فينا نشوف أنو المسرح هو المجتمع ككل وكل أفراد المجتمع هنن عبارة عن ممثلين لأدوارهم الجندرية يلي مشكلة مسبقا او مكتوب نصها من قبل أفراد آخرين بالمجتمع أو نتيجة ممارستها في جيل سابق أو نتيجة إرث ثقافي اجتماعي معين.

    في سورية، تُعيد السلطة إنتاج هذه الثنائية الجندرية من خلال مؤسسات الدولة، التعليم، والإعلام، التي تفرض تصورات معينة حول الذكورة والأنوثة – المعايير الخاصة في الرجال والمعايير الخاصة في النساء. لكن الأخطر، هو كيف يتحول هذا الإطار القسري إلى أداة لقمع المجموعات التي لا تمتثل لهذه القواعد، كما هو واضح في استهداف العابرين والعابرات جندرياً. 

    صناعة الآخر!

    تتطلب كل هوية مهيمنة “آخراً” تعرّف نفسها من خلاله. في المجتمعات التي تُقدّس الثنائية الجندرية والجنسانية المغايرة كمعيار وحيد – يتم تأكيده دينياً وثقافياً على الدوام، يُنظر إلى كل من يخرج عن هذه الحدود على أنه “غير طبيعي”، “منحرف/شاذ”، أو حتى “خطر”. وكما أشار إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، فإن الغرب صنع صورة “الآخر الشرقي” كأداة للسيطرة الاستعمارية، ويمكننا القول إن المجتمعات الأبوية تُنتج “الآخر الجندري” للحفاظ على نظامها القائم، مستخدمة نفس الأدوات القمعية التي شرعنتها أنظمة الاستعمار والنيوليبرالية الحديثة.

    في سياق الحكومة الانتقالية السورية (دون استثناء الحكومة التي سبقتها)، لا يتم فقط استبعاد العابرين والعابرات جندرياً من الاعتراف القانوني، بل يتم أيضاً تصدير خطاب يعتبرهم تهديداً للمجتمع، مبرراً بذلك العنف ضدهم. تتجلى هذه السردية في الفيديوهات التي وثّقت العنف الممارس ضد العابرات، حيث تعرّضن للإذلال والضرب والاعتقال في عدة محافظات سورية، في مشهد يكشف مدى تغلغل الذكورية الهشة في بنية السلطة والمجتمع. هذه الممارسات القمعية لم تُواجه بالرفض المجتمعي الواسع، بل على العكس، جرى التطبيع معها باعتبارها “مقبولة ومرحب بها” في سياق النظام الجندري السائد. من قام بتصوير ونشر هذه المشاهد كان بالتأكيد يدرك مسبقاً أنه سيحظى بالتأييد والتبرير الاجتماعي، وهو ما تجلّى بوضوح في التعليقات المشينة التي شجّعت هذه الأفعال، أو في الصمت الجماعي الذي أعقب انتشار مشاهد العنف. هذا الصمت لم يصدر فقط عن الأفراد الذين يمارسون العنف أو يبررونه، بل امتد ليشمل شرائح تدّعي رفض العنف بكل أشكاله، لكنها تتغاضى عنه حين يكون موجّهاً ضد “الآخر”، أي المجموعات الجندرية المهمشة التي يُنظر إليها كخارج عن النظام الاجتماعي المقبول، مما يعكس عمق الخوف والتردد في التضامن مع هذه المجموعات حتى من موقع رفض العنف ذاته.

    العنف الممنهج كأداة للهيمنة: من التشريع إلى التنفيذ

    الانتهاكات التي يتعرض لها العابرون والعابرات جندرياً في سورية ليست مجرد أفعال فردية، بل هي جزء من منظومة اجتماعية تُعيد إنتاج العنف للحفاظ على الحدود الجندرية. يتجلى ذلك من خلال القوانين التمييزية – حيث يتم استخدام التشريعات لتجريم الهويات غير النمطية، ومنع الاعتراف القانوني بالهويات العابرة جندرياً. العنف الجسدي والرمزي – الذي يظهر في جرائم الكراهية، الاعتداءات، والتنمر، لكنه يشمل أيضاً العنف غير المرئي كالإقصاء الاجتماعي والتشهير الإعلامي. التحكم في الأجساد – من خلال فرض ممارسات مثل العلاج القسري، أو خطاب الدولة والإعلام الذي يحرض ضد المجموعات الجندرية المهمشة، مما يشرعن العنف الاجتماعي ضدهم.

    ما نشهده اليوم في سورية ليس مجرد استهداف للمجموعات الجندرية، بل هو امتداد لاستراتيجية أوسع تُستخدم لقمع أي مجموعة تخرج عن المعايير التي تفرضها السلطة والتي ينتجها المجتمع في مرحلة سابقة. وكما أشار بيان ترانسات، فإن استمرار هذه الانتهاكات لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة الدولية للحكومة الانتقالية، ويكشف تواطؤها في تعزيز نظام استبدادي يُعيد إنتاج العنف بدلاً من بناء دولة قائمة على الحقوق والعدالة.

    مقاومة الأداء القسري وإعادة سرد التاريخ

    إذا كان الجندر فعلاً يُعاد إنتاجه عبر الأداء، فإن مقاومته تبدأ من إعادة تعريفه ورفض الامتثال للقواعد القسرية التي تُفرض على الأفراد. هذا يتطلب تفكيك الثنائية الجندرية، ليس فقط على مستوى الخطاب، ولكن من خلال تحدي القوانين والممارسات القمعية، وخلق فضاءات بديلة تعترف بالهويات الجندرية المتعددة. 

    في النهاية، الاعتراف بالهويات غير النمطية ليس مجرد “تسامح”، بل هو تفكيك لنظام قمعي يعيد إنتاج العنف تحت ستار “الطبيعة/المتعارف عليه/السائد” و”الأخلاق/الدين/الثقافة”. فهل يمكن أن نتصور مجتمعاً لا يُنتج الآخر كي يُبرر العنف ضده؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه، ليس فقط على السلطة، بل على أنفسنا أيضاً، في معركة استعادة السرديات الغائبة وخلق فضاءات شمولية تضمن تمثيل الأصوات المهمشة.


    المراجع والمقالات والمفاهيم التي تم الانطلاق منها في هذه التدوينة

    – نظرية الأدائية الجندرية لـ جوديث بتلر، ومفهوم الجندر كأداء اجتماعي. تحديدا في كتاب بتلر عن قلق الجندر: النسوية وتخريب الهوية (Gender Trouble).

    – كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد.

    – بيان ترانسات؛ الحكومة الانتقالية السورية وقمع العابرات والعابرين. https://drive.google.com/file/d/1qJmQhFneu5yWwGfW6wYM4JtozRkl-42m/view