الضرورة الأخلاقية تفرض مدخلها:
كتابة هذا النص وضعتني أمام أسئلة أخلاقيّة عدّة دفعتني في كثير من الأحيان إلى التفكّر طويلًا بما أنا فاعلٌ أثناء الكتابة، قائلٌ ما بعدها، فما يحتويه النص من آراء وقراءات في أحد المواضيع الأكثر إيلامًا لمن عاشوا في سوريا جعل كل كلمة وفكرة تخضع لساعات من المساءلات الأخلاقية حول مضمونها، خصوصًا في هذه الفترة المحبطة من تاريخ سوريا فيما يتعلّق بملف المعتقلين والمعتقلات. فماذا يعني أن نتناول، نحن الذين لم نَعِش التجربة كاملة، أحد أكثر فصول العنف قسوة في التاريخ السوري؟ ما الحق الذي نملكه في تفسير عذابات عاشها آخرون داخل مساحات اختُطفت فيها اللغة والكرامة والزمن؟ وما الدور الذي يمكن للنص أن يلعبه في زمنٍ يبدو فيه ملف المعتقلين السياسيين أكثر تجمّدًا وبؤسًا من أي وقت مضى؟
لذا وجب التنويه أن هذا النص كُتب بعد عدّة مقابلات كتابية مع معتقلين ومعتقلات سابقين وسابقات، ويحتوي بشكل أساسي على استقراءات في أجوبة الجميع على ما طُرح من أسئلة، أيّ أنّه يمثّل نتاج هذه التساؤلات دون أن يحمل أجوبة جاهزة. جاء التبحّر في محتوى هذا النص في محاولة لتقديم إطار لقراءة ثقافية/سياسية للسجن، ليس بوصفه استثناءً ضمن السياق السوري، بل بوصفه أداةً مكثّفةً لسلطةٍ قمعية فرضت ثقلها على البلاد لما يزيد عن نصف قرن من الزمن، ليعطي بذلك انعكاسًا قاسيًا للأدوات التي حُكمت بها سوريا في عهد الأسد. هذا النص لا يدوّن شهاداتٍ، لأنّ الشهادات تنطق بنفسها، ولا يدّعي النطق باسم أصحاب التجربة، لأنّ هذه مغالطة لا يحق لأي كاتب الوقوع فيها، لكنه يحاول، بقدر ما تسمح به الكتابة، أن يعاين أثر السجن على الوعي، على اللغة، على المواطنة، على مفهوم الدولة، وعلى الإنتاج الثقافي الذي وُلد في قلب العتمة.

سفينة من عيدان الكبريت. الحمزة فاضل. كفرسوسة
الثقافة المضادة: تشكلها وسياقها.
يحاول هذا النص من خلال ذلك تأطير ما يُدعى بـ”الثقافة المضادّة” في المجتمع السوري، الثقافة التي لم تأتِ من فضاء حرّ تقليدي من حيث السياق المؤسّساتي، بل تشكّلت همسًا، تحت الأرض، في عوالم معتمة بعيدة حاولت سلطةٌ شموليةٌ حجبها عن الحيّز العام، سواء على الصعيد المادي الملموس أو الرمزي. تشكّلت من الضبط القسري للكلمة، من حاجات البقاء، من شبكات صغيرة من الفاعلية الأخلاقية التي قاومت منطق الشمولية دون أن تعلن نفسها مقاومة.
كتبت ما كتبت، وحذفت ما حذفت، لكن يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا في عمق هذا النص: كيف نعاين القهر، وما سببه أو “نتج” عنه؟ كيف نسلّط الضوء على الجرح دون تحويل المكتوب إلى استثمار في ألم التجارب، سواء للمعتقلين والمعتقلات وذويهم، خصوصًا وأننا في سوريا ما بعد الأسد لا نزال لمّ نقدر أن نبدأ كمجتمع في طريق العدالة الانتقالية التي نجد في مركزها ملف الاعتقال والتغييب القسري. هذا النص لا يدّعي معرفة لا يملكها، ولا يختزل تجارب أليمة في مفاهيم نظرية، لذلك كان من الضروري التعمّق في المقدّمة، كي لا ينزلق النص في احتمال المغالطات الأخلاقية، وكي يبقى واعيًا لحدوده في عدم كونه شهادةً أو بديلًا عنها، وفي عدم كونه تحليلًا قانونيًا أو سياسيًا شاملًا، بل قراءة ثقافية تنطلق من احترام التجربة، لا من ادّعاء امتلاكها.
الهدف من هذا النص هو محاولة رسم صورة تعبيرية تحليلية، قدر الإمكان، عن العلاقة بين السجن بوصفه آلة قمع في السياق السوري، وبين النتاج الثقافي الذي نتج بسبب الديناميكية القمعية ذاتها، في مواجهتها، متجاوزًا في ذلك التعبير الفردي، مشكّلًا جزءًا من أشكال السياسة غير المعلنة، وسياسة الذاكرة، وسياسة البقاء.
هو نص يحاول أن يوضّح كيف أصبح السجن جزءًا من المخيال السوري، وكيف ولّدت قسوته لغة جديدة ووعيًا جديدًا، ليتحرّك هذا النص بعد ذلك بكل محاولاته وتواضعه، وفيما قد يُخفق بأن يقوله، في حيّز من الحاجة إلى حفظ الذاكرة، وصون العهد لتحقيق العدالة لمن استشهدوا، لإنصاف تجاربهم وتجاربهنّ، وفي الوقت ذاته ليتحرّك في حيّز من الحذر من التحدّث بلسان من دفعوا حيواتهم وحيواتهنّ ثمنًا لوصولنا إلى سوريا ما بعد الأسد.
لذلك يتحرّك المكتوب بين الوصف والتحليل، بين النظرية والاحترام، وبين الرغبة في الفهم والخوف من تجاوز حدود الفهم. إنّه محاولة لفتح حوار لا لإغلاقه، ولمساءلة الدولة بوصفها بنية قمعية، ولإعادة الاعتبار للثقافة المضادّة التي تشكّلت في مواجهة هذه البنية، والتي ما زالت اليوم، في حاضر سوريا المعلّق، واحدة من أهم أشكال المقاومة الرمزية التي يملكها السوريون والسوريات وأكثرها حاجة للإنصاف. كما أنّه من الضروري جدًّا التنويه إلى أنّ محتوى النص في تحليلاته للمعتقلات السورية يتحدّث عن المعتقلات السياسية في عهد الأسد الأب بشكل خاص.

عالمُ السجن المُغيب:
في الصف العاشر، وحين التقطت معي معلمة مادة العلوم كتاب «القوقعة» لمصطفى خليفة، أتذكر أنّ مشاعرَ الخوفِ التي تملّكتني حينها حملت معها ثقلًا رمزيًا لم أكن أدركه بالكامل في تلك اللحظة. ركضت خلف المعلمة التي عبّرت مرارًا، وبعنف ظاهر في لغة الجسد، عن تأييدها لبشار الأسد، محاولًا استرداد الكتاب قبل أن تعطيه إلى مديرة المدرسة.هذا الخوف لم يأتِ من احتمالية عقاب لفظي أو جسدي اعتدنا عليه في المدرسة، بل تجاوز الأمر ليصبح وجوديًا، اصطحب معه ظلال العوالم نفسها التي كتب عنها مصطفى خليفة، تلك التي تسرق الوقت، وتخفي الجسد، وتكدّس الغبار فوق الآثار الشخصية.
كانت المعلمة على بُعد خطوات قليلة من غرفة الإدارة قبل أن أصل إليها، وقد اقتنعت أخيرًا بإعادة الكتاب شرط ألّا تجد معي أي كتاب غير مدرسي بعد ذلك. وافقت مرتاحًا حينها، وشعرت لأول مرة بالمسافة التي تفصل العوالم السورية عن بعضها.
فالمعلمة هذه لم تكن على دراية بواقع الإخفاء السوري، بمعتقلاته تحت الأرض، وبحيواته المحجوبة عن الحيّز العام اليومي. لم تعرف أن هذا الكتاب ممنوع في سوريا، وأنه يعرّض حامله للمساءلة على أقل تقدير، وذلك بالرغم من كونها تعبّر بشكل روبوتي عن تفانيها في دعم مسيرة بشار الأسد.
عدم معرفتها هذا، أو هذا الانكشاف الهائل للبعد الرمزي الثقيل بين عوالم سورية لا تلتقي، بقي عالقًا في ذاكرتي. فالتباعد هنا لا يُختزل بكونها «مؤيدة للنظام» وكوني «معارضًا له»، بل إن العوالم التي جسّدناها في تلك اللحظة لا يمكن أن تتفاعل وتلتقي في فضاء عام واحد.
فالحيّز العام الذي صاغته السلطة ليس للمشاركة، بل للانضباط والانصياع، ليس للتداول والمعنى، بل للرقابة وإعادة إنتاج الخطاب الواحد. الكتاب الذي أدخلته إلى «الفضاء العام المغلق» أتى من أماكن مادية وفكرية تحاول السلطة السورية إخفاءها وتحييدها وإلغاء أثرها.
والمعلمة التي جسّدت في تلك اللحظة بنية ذهنية تتحرك ضمن هذا «الفضاء المغلق» لم تكن لتدري بأن «أحياز الظل» تتناقل المعرفة والحكايات سرًا لتشكّل وعيًا يتجاوز الخطاب الرسمي. فهي لم تعرف أن هذا الكتاب يُعد «خطرًا»، لا لأن الخطر غير موجود، بل لأنها تتحرك داخل فضاء عام صُمّم بحيث يمنع المعرفة من التسرّب.
كتاب «القوقعة» لا يجسّد حالة فردية في السياق السوري. فالقمع الذي دأبت المنظومة الأمنية الأسدية على ممارسته أدى، دون رغبة منها طبعًا، إلى نشوء عوالم تتفاعل فيما بينها في الخفاء، يتعرّض أفرادها للملاحقة والتغييب، ويتابعون هناك، في الظلال، شتى أشكال الإنتاج المعرفي الموازي للخطاب السلطوي والمضاد له.
تعدّد أشكال الإنتاج تجاوز الأدبي المكتوب أو الشفوي ليشمل صناعات يدوية بدأت بسيطة وتطوّرت حتى أصبحت مهارات ومهنًا خارج السجن للبعض، أو هوايات مورست حتى غدت احترافية في أدائها لترافق أصحابها في حياتهم اليومية بعد السجن.
على هذا النحو يعاين هذا النص النتاج الثقافي من داخل المعتقلات السورية في عهد الأسد الأب تحديدًا بوصفه نتاجًا موازيًا وامتدادًا لثقافة التخويف. فهو يكشف بشكل غير مباشر حدود السلطة وعلاقاتها المعقّدة مع الإنتاج الثقافي، موضحًا أن ما يحدث داخل السجون ليس استثناءً، بل تكثيفًا لما يجري خارجها.
الدولة هي ذاتها التي تراقب أجساد المعتقلين كما تراقب اللغة في الإعلام والصحافة والتعليم. الفرق هنا أن النتاج الثقافي يختبئ من الرقابة، ويتحوّل إلى آلية بقاء ومقاومة رمزية، ليكثر همسًا في الخفاء.

خرز. الحمزة فاضل. كفرسوسة
مناورات الفعل الثقافي تحت وطأة العنف:
على اختلاف أشكال النتاج الثقافي السجني في السياق السوري نجد أنّ القمع الممنهج هنا لا يوقف الفعل الثقافي، بل يعيد تشكيله، يغيّر آلياته ويضفي إليه بعدًا آخر يتحدّى الرقابة خالقًا جماليات جديدة قائمة على الإيحاء والإخفاء. السرّية تتحوّل إلى مبدأ جمالي وتوحيدي للتجارب المجابهة بعنف السلطات السياسية وجهدها الدؤوب على قولبة المجتمع كما تشتهي. النتاج الإبداعي من نصوص مكتوبة، إلى حفر قطع شطرنج أو حياكة جُعَب، أو الممارسات اليومية من غناء وتعليم ذاتي أو جلسات نقاشات بمواضيع شتّى، كل هذه الممارسات تصبح فعلًا رمزيًا للبقاء. هي ما يسمّيه ميشيل دو سرتو بـ”تكتيكات الضعفاء”، لتمطيط أشكال الاستخدام الخلّاق للحدود المفروضة.
هذه العلاقة بين القمع والنتاج الإبداعي في السياق السوري جليّة الوضوح، ومتناقضة في طبيعتها، فمن جهة سعت أجهزة الدولة إلى تقويض الذات المعارضة وتحويلها إلى نسخة فارغة من القدرة على الإبداع الشخصي، لكنها من جهة أخرى أنتجت داخل معتقلاتها مساحةً لا مهرب فيها إلا الخيال والغوص في الداخل. أصبحت اللغة وسيلة بقاءٍ ومقاومة، فتكاثفت، وفقًا لآراء المعتقلين الذين قابلتهم، الممارسات الشعرية والمسرحية والروائية، ليغدو الإخفاء الذي هدف في جوهره إلى تعطيل الفعل والقول محفّزًا “على نحو غير مقصود” لإنتاج خطاب ثقافي بديل. تصبح هذه العلاقة المتناقضة أوضح من خلال معاينة البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي أنتجتها ممارسات السلطة “التأديبية”، فالسلطة لا تعمل فقط من خلال العنف المباشر، بل أيضًا عبر الإشراط الإجرائي أو الأدواتي، أي توزيع الخوف على الجسد الاجتماعي، لتصبح نتائج أو “عواقب” الفعل أكثر حضورًا في النفس.
مقاومة ضدّ النسيان:
هذه الممارسة تبلغ في السجن حدّها الأقصى من خلال المراقبة الدائمة، والانضباط اليومي، والحجب الكلّي للمعلومات، وتدمير الإحساس بالزمن. لذلك نجد في استمرارية الإنتاج الثقافي بعدًا آخر غير التعبير الإبداعي، إذ تصبح الفاعلية الثقافية وسيلة لتثبيت الوجود في مواجهة المحو.
يمكن مقاطعة هذا النتاج بما وصفه جيمس سكوت بـ”الخطاب الخفي”، حيث إنّ اللغة التي تنتجها هذه المجموعة المضطهدة في السياق السوري من قصيدة تُقال همسًا، أو حقيبة تُحاك سرًّا، أو مسرحية تُقام خفيةً، أو مقال يُكتب على ورق السجائر، ليست مجرد تعبير أدبي، بل فعل سياسي مضاد، يشوّش من مكانه الخاص أحاديّة الرؤية لدى السلطة الحاكمة، وفعل ثقافي موازٍ أنتجته ديناميكيات القمع “دون قصد”.
يمثّل الإنتاج الثقافي الكتابي هنا استمرارًا للنشاط السياسي بأدوات رمزية، حيث إنّ النصوص التي كُتبت لم تكن للنشر بالضرورة، بقدر ما كانت لإبقاء الذاكرة حيّة، والصلة مع الذات صحيّة من خلال محاولات لترتيبها ومساءلتها في غياب التماس المباشر مع المشاع العام. بهذا المعنى، يتحوّل الإبداع إلى استجابة أنطولوجية للعدم كما استجابة أنثروبولوجية لمحاولة السلطة الاستحواذ على المعنى، لا إلى مجرّد ردّ سياسي على القهر.
الفعالية الثقافية تحت الأرض وراء الجدران:
يقدّم هذا المنظور تحليلًا مغايرًا لوظيفة الفاعلية الثقافية ومنشئها في ظل سلطة شمولية، حيث يغدو النتاج أثرًا لافتقاد الحرية، عاكسًا ديناميكيات إغلاق السلطة للمجال العام وإخضاعه للرقابة الشديدة، لتنشأ ثقافة موازية، أو ما يسميه رانسيير «الحيّز غير المرئي في توزيع المحسوس»هناك، في الظل، تُمارَس الثقافة وتُستعاد الذاكرة، لا لمعارضة السلطة والاستيلاء على آليات الدولة، بل لإعادة تعريف علاقة المضطهد/ة مع آليات اضطهاده/ا. فالذاكرة والإنتاج الثقافي في المعتقل بعدان متداخلان لهما جذر مشترك: مقاومة المحو.
حين تُقوّض السلطة الحركة وتحجب الخارج بجدران صمّاء وقضبان عالية، فإنها تسعى إلى إبقاء الإنسان المقموع في «الآن»: بلا صوت ولا تاريخ، بلا أمس ولا غد.
يصبح فعل العودة إلى الذاكرة ممارسة سياسية وأخلاقية، كما يتجاوز الإنتاج الثقافي هدفه التوثيقي ليكون فعلًا وجوديًا يحافظ على الذات من تشرذمها، من أن تعلق في الآن إلى الأبد. للإنتاج الثقافي أبعاد زمنية لا تعرف الحدود المادية، ولا احتكار الذاكرة الجماعية الذي تسعى إليه الأنظمة الشمولية عبر بناء سياق رسمي للتاريخ يحدّد ما قيل وسيُقال، وما نُسي وسيُنسى. فيما تحاول السلطة تحويل الماضي إلى وسيلة للضبط والتهويل، يعيد الإنتاج الثقافي لما مضى بعده التأمّلي النوستالجي ليملأه بشتى ألوان الرحلات الشعورية.
امتلاك الزمن المأسور:
إنّ نتاج المعتقلين والمعتقلات قبل وبعد الخروج يمثّل إعادة بناء للذات وللجماعة معًا. فالتجربة التي فُرضت في العزلة والسرّية تُحوَّل إلى شهادة، إلى خطاب موجّه إلى الآخر، يعيد إدخال المحجوب بالقسوة إلى الحيّز العام، حيث إنّ الذاكرة لا تكتمل إلا حين تُروى. هذا النتاج فعل إعادة امتلاك للزمن المفقود. إنّها طريقة لإعادة ترتيب الفوضى الأخلاقية التي خلّفها العنف، ومنحها بنية عقلية قابلة للفهم لتعود إلى أحاديث المجتمع، إلى طرقاته ومدارسه آثارًا غير مباشرة، لتكمل الجزء المحجوب من هوية المكان، وتترك رموزًا في ضوء “الذاكرة الثقافية” كما يقدّمها يان أسمان، الذي يقول إنّ الذاكرة ليست فقط استحضار ماضٍ، بل هي أقرب إلى أن تكون نظامًا رمزيًا يحفظ به المجتمع تجربته ويتناقلها جيلًا تلو جيل.
التجارب المقموعة هنا حين “تعود” إلى الحيّز العام نتاجًا يحمل في جعبته ما يحمله من الرموز التي تؤرشف المأساة، وتتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق جماعي، معيدةً لمن يُراد لهم أن يصمتوا موقعهم كفاعلين:ات في التاريخ. تعود مجسّدةً “ثقافة مضادّة مواجهة”. فالمؤسّسة التي سعت إلى إلغاء الذات، وتعطيل اللغة، ومحو الزمن، أنتجت – على نحو غير مقصود – حقلًا ثقافيًا موازيًا.
هذه الثقافة المضادّة لا تتّخذ شكل بيان سياسي، ولا خطاب أيديولوجي مباشر، بل تتجلّى في ممارسات صغيرة هشّة لكنها شديدة الدلالة، لا لتُفهم كتعويض عن الحرمان، بل كوسائل بقاء، ومحاولات لإعادة تثبيت الإنسان في عالم يسعى إلى تفريغه من المعنى. من كتبت قصيدةً، أو من صنع قلادةً، لا يبحث عن مكان في السياق العام “الرسمي”، بل يتحرّك في الظل، خارج الحقل المؤسّساتي الرسمي وفي مواجهته؛ لا بحثًا عن الاعتراف، بل عن الاستمرار، والتشبّث الصابر بالذات الإنسانية.
بين الضرورة والجمالية، في نقد النتاج السجني:
بحكم هذه الطبيعة الإنسانية الجوهرية، يطرح النتاج الثقافي للمعتقلات إشكالية مركزية في النقد الثقافي تتعلق بآليات معاينته. فالمعايير الجمالية تختلف عن المعايير الأخلاقية حين نعاين نتاجًا خرج من الألم والقهر ليقدّم، على سبيل المثال، نصًا روائيًا هو في آنٍ واحد أدب توثيقي. النص الناتج عن المعتقل يعيد تعريف الحدود بين الإبداعي والتوثيقي بشكل مغاير، حيث تقف الغاية الجمالية غالبًا في ظل الضرورة الوجودية، ليتحوّل النص إلى فعل شهادة في محاولة لإنقاذ التجربة من الصمت.
ازدواجية الخطاب أثناء الكتابة تظهر أيضًا أثناء القراءة، ما يؤدي إلى تشرذم معايير المعاينة. ويتكثّف هذا التوتر في نصوص تحمل قيمة أدبية خاصة، حيث يغيب التركيز على زخرفة اللغة والبنية الأسلوبية، وينتج ما يمكن تسميته «جماليات التقشّف».تصبح الفجوات في النص، والتكرار، والتلعثم، مكوّنات أسلوبية تعبّر عن استحالة القول بقدر ما تعبّر عن الرغبة فيه.
يتقاطع هذا التصوّر مع ما يسمّيه رولان بارت “الكتابة الصفرية”، أي الكتابة التي تتخلّى عن الزخرفة لتقترب من جوهر التجربة. فحين تغيب كل أدوات الإنتاج، وحين تغيب الحرّية التي تُعدّ أساسًا مركزيًا للإنتاج الإبداعي، يصبح الصدق ذاته شكلًا من أشكال الجمال، لتُقاس القيمة الجمالية بمدى الاقتراب من الحقيقة.
ذلك لا يعني أنّ القيمة الإنسانية للنتاج الثقافي من المعتقل تلغي ضرورته أو صلبه الجمالي، إذ إنّ المغزى الإنساني لهذه النتاجات قد لا يتطابق مع المغزى الثقافي أو المعرفي العام. بهذا المعنى تتجاوز هذه الإشكالية البعد الأدبي لتصبح سؤالًا في أخلاقيّات فلسفة التمثيل: فكيف يمكن للغة، وهي أداة ناقصة في أساسها مقابل التجربة، أن تمثّل هذه التجربة، وأن تنقلها إلى الحيّز العام، وهي تجربة تصل “حدود المعنى” حيث يتفكّك المفهوم قبل أن يُصاغ؟ إنّ التعذيب، والاختفاء، والعزل، والوحدة القسرية، والتلاشي الزمني ليست أحداثًا يمكن ردّها إلى حبكة أو وصفة، بل هي استراتيجيات تستهدف المعنى، هي أحوال وجودية تقف عند الحدّ الذي تبدأ فيه اللغة الأدبية بالفشل. عند هذه الحدود ينتج ما أسميناه بـ”جماليات التقشّف” أو “جماليّات الحدّ الأدنى”، التي لا تسعى إلى ممارسة جمالية كأولوية، بل تأتي من ضرورة الحفاظ على الذات.
تظهر هذه الإشكالية أيضًا في النقاش حول “جماليات الألم”، التي تناولتها سوزان زونتاغ في Regarding the Pain of Others. فتمثيل المعاناة يحمل دائمًا خطر تحويلها إلى مشهد جمالي منفصل عن واقعها الأخلاقي، فكيف يُعبّر عن الألم دون أن يُستثمر؟ وكيف يحافظ على صدق التجربة دون الوقوع في فخّ التجميل؟ في هذا المعنى، يتحوّل السؤال الجمالي إلى سؤال أخلاقي، لأنّ الفن الذي يروي المأساة دون مسؤولية نحوها يفقد شرعيته الإنسانية.
هذه الأسئلة جوهرية في تعاملنا مع النتاج الثقافي السجني، الكتابي والمادي الحِرفي أو الفكري على حدّ سواء، لأنّ كل تفصيل في هذا النتاج يفترض مسؤولية أخلاقية تستدعي محاسبة داخلية أثناء المعاينة، حيث تغدو الأدوات الأدبية كـ”التجميل” أو “الاختزال”، على سبيل المثال، تهديدًا ممكنًا تجاه إعطاء التجربة حقّها. المعاينة والتعاطي مع هذا النتاج لا يجسّدان “فرجة”، بل “شهادة ثانية”، لا يطلبان “إعجابًا” بل “مسؤولية”، ولا “تقييمًا” بقدر “إصغاء”. ففي هذه المعاينة المعقّدة يتحوّل الجمالي إلى امتداد للأخلاقي، ويتحوّل الأخلاقي إلى شرط للقول. فالنتاج هنا يتحوّل إلى فعل مقاومة، لا لأنّه يتقصّد ذلك، بل لأنّه يرفض الصمت ويبني إرثًا في حيّز معرفي موازٍ له رموزه الخاصة، ليوثّق أنّ تلك التجارب “حدثت”.
ما بعد الأسد: الذاكرة والعدالة المفقودة:
في السياق السوري ما بعد سقوط الأسد يمثّل هذا التساؤل أولوية قصوى، فالمجتمع الخارج من قهر عقود طويلة وجد في سياسات السلطة الانتقالية إهمالًا مفرطًا ومؤذيًا تجاه ملف الاعتقال والتغييب القسري، حيث تحوّلت ساحات الجرائم إلى فوضى عامّة، من ضياع وسرقة وثائق رسمية للتجارة بها، إلى دهن جدران سجون حملت ما حملت من شهادات وذكريات.
هذا التعاطي قليل المسؤولية مع ملف الاعتقال – إذا افترضنا حسن النيّة – لن يفضي إلى إكرام ذكرى من رحلوا عنّا داخل السجون، ولا إلى معالجة أثر عقود من القهر، كما لن يفضي إلى فهم ما فعله هذا العنف بالإنسان الفرد، وبالمجتمع، وبعلاقتهما مع الدولة والذات. استباحة مسارح الجريمة لتصوير محتوى “تأثيري” لوسائل التواصل الاجتماعي، أو لتحويلها إلى مسارح تصوير مسلسلات قبل أن تعرف عائلات المفقودين مصائر أحبّتها، هذا التعاطي يصرخ بوقاحة أنّ ما حصل داخل المعتقلات وما خرج منها يمثّل حدثًا انتهى دون صلة بالحاضر. فالمسافة الزمنية بين زمن الأسد الأب أو الابن والحاضر السوري ليست مسافة انقطاع، بل مسافة تراكم.
كل ما حدث داخل المعتقلات، في الظل، في الحيّز الثقافي الموازي، عليه أن يعود ليأخذ مكانه في الحوار المجتمعي. ربط التجربة بالحاضر ليس خيارًا منهجيًا فقط، بل هو شرط لفهم سوريا اليوم، شرط لفهم علاقتنا بالذاكرة، بالمواطنة، وبالعدالة الممكنة في مستقبل لم يُكتب بعد.
هنا تلعب الثقافة المضادّة التي نشأت في المعتقلات دورًا محوريًا. فهي لا تطالب بالانتقام، ولا تسعى إلى إغلاق الماضي، بل تُبقيه حاضرًا بوصفه معرفة ضرورية. إنّ هذا النتاج يربط العدالة بالذاكرة لا بالنسيان، ويذكّر بأنّ أي مصالحة لا تقوم على الاعتراف بالتجربة الإنسانية ستبقى شكلية وهشّة. من هنا، لا يمكن التعامل مع النتاج الثقافي السجني كنتاج هامشي، بل كإرث ثقافي وسياسي يفرض نفسه على الحاضر ويطالب بالإنصاف.
فالعدالة في السياق السوري ليست فصلًا مؤجّلًا أو منفصلًا، بل هي في جوهرها محاولة لاستعادة الإنسان السوري من التشييء الذي مارسته السلطة الأسديّة في حقّه. لهذا يصبح هذا النتاج، بكل ما كُتب وصُنع وما قيل همسًا، أحد أهم مصادر العدالة المستقبلية.
ففي السياق السوري الحالي، الذي يعيش على حافة زمنين، بين زمن القمع الذي لم يُحاسَب بعد وزمن المستقبل الذي لم يُفتتح بعد، يصبح النتاج الثقافي الموازي مرآة تُرينا ما لا يزال يعمل في العمق: صمت الضحايا، غياب المفقودين، استمرار البنية التي ولّدت السجون، وضرورة مساءلتها. إن قراءة هذه التجارب في “الآن” السوري ليست قراءة من الماضي، بل قراءة في ما لم يُنجَز بعد: العدالة، السردية المشتركة، إعادة تشكيل العقد الاجتماعي. هذا النتاج ليس فقط ما نقرأه، بل هو ما يعيد قراءة المجتمع نفسه، بكونه تخليدًا لمن وهبوا حيواتهم شجعانًا، وبكونه “بوصلة حقوقية” تشير إلى الممكن الأخلاقي والسياسي بعد سقوط النظام، لأنّها تكشف ما حاولت السلطة حذفه، وتعيد صياغة الذاكرة بوصفها أداة للمطالبة بالحق، وبالإنصاف، وبكرامة تُبنى عليها الدولة المستقبلية. إنّ العدالة الانتقالية بعد الأسد لن تتحقّق بمجرّد محاكمة أو لجنة، بل بخلق ذاكرة عامّة لا يمكن التلاعب بها. والنتاج السجني، بهذا المعنى، ليس شاهدًا فقط، بل شريكًا في كتابة هذه الذاكرة.


