أبطالي وأبطالُها، محاولاتٌ مع ابنتي.

سخرتِ ابنتي سلمى من سندريلا خاصّتنا، مُعتبرةً أنّ جُلَّ ما علّمتنا إيّاه هذه الحكاية ألّا نفقدَ فردةَ الحذاءِ، أو ربما نفقدُها بخبثٍ ودهاءٍ، حتى يجدها الأمير وتصبحَ صاحبتها أميرةً. تمامًا كما أخبرها اليوتيوبرُ المفضّلُ عندها. أضحكُ مع سلمى، وتنتابُني الشكوكُ، أسألُ نفسي: “هل صِرتُ أرى العالمَ من منظورِ سلمى؟” يبدو أنّ سلمى، بشكلٍ أو بآخر، استطاعتْ تغييرَ بعض المسلَّمات التي لطالما آمنتُ بها؛ غدتِ اليومَ هشّةً وفقدتْ معانيها.

أعودُ مرارًا إلى ذاك اليوم، محشورةً في مؤخرةِ باص المدرسة، أبكي، مُناديةً أخي، الذي تسلّق فوق رؤوسِ الأطفال جميعًا في لمحِ البصر، غيرَ آبهٍ بالعواقب، من مقدّمةِ الحافلة إلى آخرِها، جاءَ لينقذني.

لم يكن في نظري مجرّدَ أخٍ، بل في تلك اللحظةِ تحوّلَ إلى بطلٍ شجاعٍ، وكأنّه خرج من الشاشة. رأيت فيه شجاعةَ «الكابتن ماجد» الذي لا يستسلمُ قبل أن يصل لهدفِه، ورأيتُ اندفاع المغامرِ الذي ينطلق دون حسابٍ ولا خوف، وبديهةَ «المحقِّق كونان» التي تحلُّ المشكلة في ثوانٍ معدودة.

يا ترى، هل أستطيعُ أن أكونَ لسلمى ذلك البطلَ الذي كانه لي أخي في الباص؟

ربما سأقدرُ على إيجادِ ذاك الرابطِ المشترك العجيب بين عالمَينا، بين معنى البطولةِ الذي تربّيتُ عليه في زمنٍ ازدحم بشخصيّاتٍ كاللابوبو والترندات والتيك توكرز، الذين ينسجون بطولاتِهم وتمردَهم على منصّاتٍ مختلفةٍ وعديدةٍ بسرعةٍ تُضاهي القدرةَ على غرسِ اعتقادٍ أو تبنِّي فكرةٍ قد تخرج في ثانيةٍ من «الترند».

كنتُ من جيلٍ اعتقدَ أنّه سينقذُ الحلبةَ من كلِّ الشرور، وأنّ الفوزَ للأبطال فقط. تربّيتُ على مفهومِ البطلِ الذي يُغيِّرُ مجرى التاريخِ بلمحةٍ، بضربةٍ قاضيةٍ واحدةٍ، أو قرارٍ مصيريٍّ واحد.

كنَّا نرى أنفسنا كتلك الشخصيّات: الكابتنُ الذي يقودُ الفريقَ إلى النصر، والمحقّقُ الذي يجدُ الحقيقة ويدافع عن المظلومين رغم الصعاب، والأميراتُ والساحراتُ والحيواناتُ صديقةُ الإنسان، والنهاياتُ السعيدة. ربما لم نفكِّر في الأمر بوعيٍ آنذاك، لكننا صدّقنا فكرةَ أنّ السقوط ليس النهاية، وأنّ الهزيمةَ مُجرَّد محطةٍ قبل النهوض من جديد. كانتِ الحلبةُ في تلك القصص مساحةً أخلاقيةً واضحة: هناك خصمٌ، وهناك نزالٌ، وهناك لحظةٌ أخيرةٌ ينتصرُ فيها الإصرار. لم نكن نعرفُ أنَّ الحياةَ خارج الشاشة لا تُعطي دائمًا تلك اللحظةَ الأخيرة، بل قد لا تكونُ متوقَّعةً، وبالتأكيد ليس بالضرورة أن تكون عادلةً.

في تلك السنوات، كان «للنمر المقنّع» مكانةٌ خاصّةٌ في خيالي. لم يكن مجرَّدَ مُصارعٍ مُقنّعٍ في حلبة، بل صورةً مثاليةً للبطلِ الذي يسقطُ ثم ينهض، يتلقّى الضربةَ تلوَ الأخرى، لكنّه يعودُ دائمًا ليُكمِل النزال. ربما لهذا السبب بدا لي أخي في تلك اللحظة وكأنّه خرجَ من تلك الحلبةِ الكرتونية نفسها: صغيرَ الجسد، لكنّه مدفوعٌ بإيمانٍ طفوليٍّ بأنَّ البطلَ لا يتوقّفُ قبل أن يصل.

لم أكن أُدركُ حينها أنّ البطولة في الواقع لا تشبهُ ضرباتِ «بسام» الصاعقة، بل هي أصعبُ وأثقلُ وأكثرُ تشتّتًا. كبرتُ، وجاءت الثورةُ والحربُ والغربةُ، لأكتشف أننا لسنا المحاربين الذين تخيّلتُهم، ولا المقاتلينَ الذين يغيِّرون مصيرَ الوطن، بل أنا من مجموعِ مواطنين سوريين تحوّل أغلبهم إلى أرقامٍ في نشراتِ الأخبار، أو عابرينَ في قواربِ النجاة، أو لاجئينَ يُصارعون معاملاتِ الإقامة لسنوات.

هذا الفشلُ لم يكن فرديّا، بل صار حالةً جماعيةً، جيلٌ كاملٌ وقع تحت سطوة واقعٍ مختلٍّ وغيرِ ثابت، جيلٌ لم يُتَحْ له أن يعيشَ واقعًا متزنًا أصلًا.

شابٌّ كان يحلمُ أن يُغيِّرَ العالم صار يعمل ساعاتٍ طويلةً ليبقي عائلته على قيد الحياة، وفتاةٌ كانت تتخيّلُ نفسها محاربةً انتهت تقاتلُ معاملةَ طلبِ لجوءٍ لا نهايةَ له. كبرنا ونحن نحاولُ أن نلحق بالانهياراتِ المتتالية: دولةٌ تتفكّك، مدنٌ تُقصف، صداقاتٌ تُهجّر، وعالمٌ يطلب منا أن نتأقلمَ مع اللايقين كأنّه هو القاعدة. لم يستطع كثيرون منا أن يكونوا «أبطالًا» بالمعنى الذي تربّوا عليه، لكنني اليوم أُدركُ أنّ النجاة في حدّ ذاتها ليست فشلًا، بل معركةٌ أخرى، صامتةٌ وطويلة، معركةٌ للحفاظِ على ما تبقَّى من إنسانيّتنا وسط ركامِ الخيبات. النجاةُ كانت بطولتَنا غيرَ المُبهرجة.

ظننتُ أنَّ مشاهدةَ تلك المسلسلات مجرّدُ تسليةٍ للهروب من الواجباتِ المدرسية والعائلية، ومتعةٍ خفيفةٍ لقضاء وقتِ الفراغ. لم أكن أُدرك أنني سأتعلّمُ منها أكثرَ بكثيرٍ مما تعلّمتُ في المدرسة أو المنزل، أشياءَ لم تستطع ثماني ساعاتٍ على مقعدِ الدراسة أن تمنحني إيّاها. حفظتُ أنا والعديدُ تلك الأغاني عن ظهرِ قلب، دون أن نعي أنّ ما نُردِّده سيبني في داخلنا رؤيةً للعالم: رؤيةً تجعلُ العالم منقسمًا بوضوح، وتجعلُ الخير حتميّا، والعدالةَ قريبةً، والشريرمهزومًا في النهاية مهما طال انتظارُه. هذه الرؤيةُ كانت المولّدَ الأولَ للتراجيديا في حياتي، حين اصطدمتْ بواقعٍ لا يُشبهها، فحدث ذاك الاختلالُ المؤلمُ بين ما أؤمنُ به وبين ما أعيشه.

في الغربة، حين انتُزعتُ من سياقي الطبيعي، واهتزّت كلُّ الرؤى من حولي، من اللغة إلى العلاقات الاجتماعية، ومن تعريفِ الخيرِ والشر إلى معنى الانتماء ذاته، تصدّعت رؤيتي وصارت مُشوّشة. اكتشفتُ أنّ ما كنتُ أظنّه قوانينَ كونيةً للعدل ليس إلّا بناءً فكريّا تشكّل في طفولتي، وأنّ العالمَ الذي أعيش فيه الآن يعتمدُ قوانينَه الخاصة: منطقةٌ رماديةٌ لا بطلَ واضحًا فيها، ولا نهايةَ مضمونةً للحلقة. في تلك اللحظات، كانت أغاني شارات الكرتون عالمي الخياليّ الآمن، ليس لثباته فقط، بل لأنَّ توقُّعاته مرنة، تسمحُ لي بإعادة تأويلها مع كلّ مرحلةٍ من حياتي. هناك، في ذاك الفضاءِ الصوتيّ القصير، أستطيعُ أن أضبطَ رؤيتي للعالم من جديد، وأن أستعيدَ نسخةً من نفسي يمكنُها أن تتحمّلَ التناقضَ بين ما حلمتُ به وما أعيشه.

لكنّ الحياة لا تكتفي بتصحيح أوهامِ الطفولة مرةً واحدة، بل تعود بعد سنواتٍ لتطرحها علينا من جديد، ولكن من زاويةٍ أخرى تمامًا، حين يصبحُ الطفل الذي كان يُحدِّق في شاشةِ التلفاز أبًا أو أمًّا، يعودُ السؤالُ القديم بصيغةٍ مختلفة: أيّ عالمٍ سننقله إلى أطفالنا؟ هل سنمنحهم القصصَ نفسها التي صدّقناها يومًا، أم سنحاولُ أن نُهيِّئهم لعالمٍ أكثر تعقيدًا مما عرفناه؟

وهكذا كانتِ الأمومةُ بالنسبة إليّ كاختبارٍ لهذه الرؤيةِ وللّغاتِ التي أحملها. الأمومةُ وسّعت عالمي وبدَّلته، لم أعد أرى العالمَ من منظورٍ فرديٍّ فقط، بل صار عليَّ أن أُعيد التفكيرَ فيه من زاويةِ طفلةٍ تنشأ في سياقٍ مختلفٍ تمامًا.

الأمومةُ مساحةٌ لاختبارِ البطولة:

سلمى لم تمنحني الاهتمامَ نفسَه الذي منحتُه أنا لشارات الكرتون في طفولتي، لا في المرة الأولى ولا في المرات التي تلتها، وكأنّ حاجزًا غيرَ مرئيٍّ يقفُ بيننا. هنا واجهتُ حقيقةً موجعة: أنّ لغتي الأم، بكلِّ حمولتها العاطفية وبلاغةِ أغاني الشارات، لم تعد تكفي لتُعبّر عني.

لجأتُ في مراتٍ عديدةٍ إلى البحث عن ترجماتٍ إنجليزيةٍ لشاراتٍ أحببتُها، وكأنني أُترجمُ نفسي لأتمكّن من التواصل مع ابنتي. ومع ذلك، كانت سلمى تفقدُ اهتمامَها في منتصف الطريق في كلِّ محاولة، تهزأُ من اللحنِ الغريب، وتستنكر: كيف لشخصيّاتٍ يابانيةِ الملامح أن تتحدّثَ العربيةَ الفصحى؟

قالت لي مرةً، بلغتِها الأجنبية، مُستغربةً: «هل سرقتم جميعَ مسلسلاتِ الأطفال اليابانية وتدّعون الآن أنها عربية وأنها لكم؟ كم هذا غريب!».

سؤالُها لم يكن سخريةً فقط، بل طعنةً صغيرةً في تصوّري لهويةِ تلك الأعمال، جعلني أُعيدُ التفكير في مدى أصالتها العربية، وفيما فعله التعريبُ والاقتطاعُ من الأعمال الأصلية حتى بدت نسخةً بين عالمين: ليست يابانيةً تمامًا، ولا عربيةً تمامًا.

في الحقيقة، لم تكن تلك الأعمالُ مُجرّدَ مسلسلاتٍ مُترجمة، بل كانت نوعًا من الهجرةِ الثقافية. شخصيّاتٌ وُلدت في طوكيو، جنوا، فيينا وغيرها، لكنها جميعها كبرت في خيالنا ونحن نسمعُها تتحدّثُ العربية الفصحى، وتغنّي عن الشجاعة والعدالة كما لو أنها خرجت من كتبِ التراث. كنّا نعيشُ في مساحةٍ غريبةٍ بين ثقافتين: نتخيّلُ البلادَ من خلال صوتٍ عربي، ونفهمُ البطولةَ من خلال قصصٍ لم تُكتب أصلًا لنا. وربما، فقط ربما، لهذا السبب تبدو طفولتُنا نفسها وكأنها هجينةٌ قليلًا، لا تنتمي بالكامل إلى مكانٍ واحد.

هل جعلها هذا التعريبُ لنا حقًّا، أم هو مُجرَّدُ اقتراضٍ ثقافيٍّ جعل هويتَنا الطفولية مختلطةَ الملامح منذ البداية؟ هل أدفعُ سلمى نحو أعمالٍ عربيةٍ أصيلةٍ تعبِّر عن هويتنا كما أحبّ أن أراها، أم أقبلُ بأن هويتها ستتشكّلُ من مزيجٍ جديدٍ لا يُشبه ما عرفته أنا؟ مزيجٌ من يوتيوبرز، ومسلسلاتٍ أصليةٍ لكن بلغةٍ جديدة، ومحتوى عالميٍّ لا يعترف كثيرًا بالخرائطِ القديمة؟ لم أجد جوابًا لذلك بعد.

الفرقُ بين طفولتي وطفولةِ ابنتي لا يكمنُ فقط في المسلسلاتِ التي نشاهدُها، بل في سرعةِ العالمِ نفسِه. نحن كنّا ننتظرُ حلقةً جديدةً أسبوعًا كاملًا، بينما يتدفّقُ أمامها اليومَ عشرات المقاطعِ في دقائقَ معدودة. كان الخيالُ عندنا يُبنى ببطء، حلقةً بعد حلقة، بينما ينمو خيالُها وسط طوفانٍ من الصورِ السريعةِ التي بالكاد تمنحُ أيّ قصةٍ وقتًا كافيًا لتُصبحَ أسطورةً صغيرةً في الذاكرة.

على ذلك، فإنّ أصعبَ ما في الأمومةِ اليوم هو أنني، رغم وجودي الجسدي بجانب سلمى، أشعرُ وكأنني أقفُ على ضفّةٍ وهي على ضفّةٍ أخرى، يفصلُ بيننا تيارٌ هادرٌ من الترندات والنكاتِ السريعة. حين تضحكُ سلمى ملءَ قلبِها على مقطع «تيك توك» أو نكتةٍ عابرة، وأحاولُ أنا اللحاقَ بها، أشعرُ بأنني مترجمةٌ بطيئةٌ في مؤتمرٍ عالميٍّ صاخب.

أعترف أنّ الأمرَ صعب، وأنّ الهوّة بين جيلنا وعالمها الرقميِّ الصاخب تبدو سحيقة. فهي ليست متمرِّدةً فحسب، بل ابنةٌ لنظامٍ عالميٍّ يقتاتُ على سرقةِ الانتباه، ذاك الذي يسمِّيه آلان دونو «نظام التفاهة». في هذا العالم المتسارع، يُصبحُ الانتباه اقتصادًا بحدِّ ذاته.

لطالما تساءلتُ: من هو «البطل» في عيني سلمى؟ في عالمها، لم يعدِ البطلُ هو ذاك الذي يرتدي قناعًا ليُخفي هويتَه ويحمي الضعفاء، بل هو من يكشفُ وجهَه أمام الكاميرا ليحصدَ الاعترافَ الاجتماعي عبر عددِ المشاهدات والإعجابات. البطولةُ اليوم أصبحت استعراضيةً، تُقاس بمدى قدرةِ الفرد على لفتِ الانتباه في غابةٍ من الضجيج الرقمي. بالنسبة لجيل سلمى، البطلُ هو «المؤثّر» الذي يطوِّع الواقعَ ليدخلَ في إطارِ شاشةِ الهاتف، وهو التيكتوكر الذي يحوِّل التمرّدَ إلى ترند قابلٍ للاستهلاك.

ربما لن تقتنعَ سلمى بضربةِ «بسام» الصاعقة، لكنها ستحتاجُ يومًا إلى تلك القوةِ التي جعلت أخي يتسلّقُ رؤوسَ الأطفال في الباص ليحميني. تلك القوةُ لا تأتي من «فلتر» أو «خوارزمية»، بل من غريزةٍ إنسانيةٍ بدائيةٍ تخبرنا أنّ نجدةَ الآخر هي أسمى أشكالِ الوجود.

لا أحتاجُ لمنافسةِ اليوتيوبرِ المُفضّل لديها، ولا أحتاجُ لأن أكون «ترند» في يومها. بطولتي الحقيقيةُ تكمنُ في الوجودِ الصبور: أن أكونَ الشخصَ الذي تعودُ إليه حين ينطفئُ شحنُ هاتفها وتواجهُ فراغَ الواقع. نحن أبطالٌ لا ننتظرُ تصفيقَ الجمهور، بل ننتظرُ تلك اللحظةَ التي تُدركُ فيها سلمى أنّ العالم، رغم زيفه وسرعته، يمتلكُ زوايا دافئةً وأصيلةً لا يمكنُ لـ«اللايكات» أن تعوّضَها.